First Published: 2016-11-27

مَن يتصدى للحشد الطائفي؟

 

هل توجد طريقة أخلاقية للتمييز بين جرائم داعش وجرائم الحشد الشعبي؟ ببساطة لا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عيد الظفيري

كم هو مخيف ومفزع ذلك المشهد الذي تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي لمجموعة إرهابيين من الحشد الطائفي وهم يوثقون جريمتهم البشعة بحق صبي عراقي بعدما أشبعوه ضرباً وركلاً بالأقدام دون أدنى رحمة وشفقة وكأنه دمية لا إنسان من لحم ودم! وكل ذنبه أنه لا ينتمي إلى ذات المذهب الذي ينتمون إليه! وذلك كافٍ بالنسبة لهم كي يذيقوه العذاب ويقتلوه شر قتلة، قد لا تفعلها حتى السباع والوحوش الضارية مع فرائسها.

إن ما يحدث الآن على يد الحشد الطائفي في الموصل من عمليات تعذيب وقتل لإخواننا السنة من علماء وأطفال ونساء، يجسد أبشع الأحقاد التي مرت على التاريخ البشري بأكمله، فسحق أجساد الأطفال بالدبابات والجنازير وأكل الأكباد والقلوب بهذه الطريقة الوحشية دليل دامغ على أنهم أُناس تجردوا من انسانيتهم ليقتلوا النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق ويمثلوا بجثث القتلى فقط من أجل إشباع رغبة الانتقام التي ظلت تكبر في دواخلهم كلما تقدم بهم العمر رغم أنه لم يمسسهم ولو النزر اليسير من العذاب الذي يسومونه لضحاياهم من العزل والأطفال أثناء حكم الطاغية صدام حسين!

أي حقد يجعل المرء يقدم على القتل بهذه البشاعة والخسة؟ هل هو الثأر للحسين كما يدعون بكل صفاقة وبجاحة؟ هل من يقتل بهذه الطريقة الوحشية يؤمن بالله فضلاً عن وصفه بأنه مسلم؟ من أين أتى هؤلاء بكل هذا الحقد الأسود في قلوبهم؟ لقد زرعت إيران بذرة الشيطان في نفوسهم فتحولت قلوبهم إلى حجارة صماء لا تعرف الرحمة طريقاً لها، مثلهم مثل الدواعش الإرهابيين بل أشد وحشيةً وبطشاً بالمستضعفين في الأرض، فهم مجرد قتلة مأجورين لتنفيذ المخطط المجوسي بتصفية أبناء جلدتهم من الطائفة السنية على وجه التحديد.

ولا أبالغ حين أقول بأن إرهابهم فاق كل الجرائم الإرهابية لتنظيم داعش الإرهابي. فداعش على الأقل لم تكن يستهدف طائفة بعينها، بل إن ضحاياها كانت من مختلف المذاهب والأديان. صحيح أنها تدعي انتمائها إلى مذهب أهل السنة والجماعة لكن لا أحد يجادل بأن أكثر المتضررين من إرهابها هم السنة ذاتهم، والحوادث والأرقام تثبت ذلك بكل وضوح.

ومن يريد برهاناً على صحة القول فلينظر إلى العمليات الإرهابية التي قامت بها داعش في كل من السعودية والكويت فهي لم تستثنِ من الاستهداف كلا الطائفتين السنية والشيعية رغم أن أغلب عملياتها كانت موجهة ضد السنة تحديداً، وهذا يؤكد أن إرهابها لم يكن تحت غطاء طائفي كما يفعل الحشد باستهدافه سنة الموصل زعماً بأنهم من الدواعش، ومقطع الصبي الذي تم سحقه بالدبابة بعد أن تجرع أصناف العذاب على يد الحشد الطائفي يبرهن على مدى دمويتهم وبأنهم يعتبرون كل من لا ينتمي إلى طائفتهم "داعشي" يجوز قتله بشراسة وعنف!

أعرف أن الكثير من المعتدلين الشيعة (في العراق وفي العالمين العربي والاسلامي) يدينون ويرفضون ما يقوم به الحشد الطائفي بل إن بعض المراجع الشيعية حذرت من خطورة ما يجري في الموصل على يد الحشد الطائفي في أكثر من وسيلة إعلامية مثل المرجع العراقي السيد الصرخي الحسني حيث وصف الحشد بـأنه "مشروع إرهابي بتوجيه من إيران" وكذلك المرجع اللبناني السيد محمد الحسيني الذي أدان بشدة جرائم مليشيا الحشد الطائفي وبأنها تنفذ الأجندة الإيرانية في مدينة الموصل باستهداف الأبرياء من سكانها تحت ذريعة انتماءهم إلى التنظيم الإرهابي "داعش".

لكن نحن الآن بحاجة ماسة إلى اتخاذ موقف حازم كالموقف الذي اتخذه قادة المذهب السني من حكام وعلماء بإعلانهم الحرب ضد "داعش" على كافة الأصعدة والمستويات، ولهذا نتمنى بأن تستشعر المراجع الشيعية الخطر الذي يتهدد الأمة إن لم تعلن الحرب ضد الإرهاب الذي يمارسه الحشد الطائفي تجاه أبناء الطائفة السنية في العراق. وأهم من هذه وتلك، نريد أن يتضامن الجميع سنة وشيعة لدحر الإرهاب أياً كان مصدره وانتماءه، ولا نريد أن تمزقنا الخلافات المذهبية حتى لا تذهب ريحنا.

لقد استبشرنا خيراً بتصريحات الرئيس التركي بأنه لن يسمح بارتكاب مجازر في حق سكان الموصل، بيد أن الواقع أكد بأنها مجرد تصريحات عابرة مثلها مثل تصريحاته تجاه الطاغية بشار الأسد قبل أكثر من خمسة أعوام. إن السكوت على الجرائم المرعبة التي يقوم بها الحشد الطائفي تحت أنظار العالم أجمع، يؤكد لنا بأن الدور الحقيقي للمنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان مكمل لسياسات القوى العظمى تجاه قضايا وأزمات الشرق الأوسط، لأنها لا تبادر بمساعدة الشعوب التي تتعرض إلى جرائم القتل والتصفيات الممنهجة إلا بعد أن تصدر إدانة من مجلس الأمن بقيادة الولايات المتحدة، وإلى الآن لم نرى إدانة رسمية للمجازر التي يرتكبها الحشد الطائفي في الموصل!

لذلك ينبغي ألا نعول على المنظمات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة فتاريخها حافل بالتلكؤ والازدواجية في التعاطي مع الصراعات والحروب حسب ما تسيرها رياح القوى العظمى وما حدث في رواندا من مجازر مروعة كان شاهداً على الشعارات الكاذبة لتلك المنظمات.

إذاً لا بد من تحرك منظمة التعاون الإسلامي لحشد الجهود من أجل وقف الحرب الطائفية في الموصل ومساعدة سكانها العزل اللذين يتعرضون للقتل والتعذيب على يد أذناب النظام الإيراني، طالما أن العالم الغربي يلتزم الصمت ويوجه الأنظار فقط تجاه إرهاب داعش ويغض بصره عن إرهاب الحشد الطائفي الذي فاق في وحشته ودمويته كل الجرائم الإرهابية التي ارتكبت على مر التاريخ.

 

عيد الظفيري

كاتب سعودي مهتم بالشؤون الدينية والسياسية

 
عيد الظفيري
 
أرشيف الكاتب
في السعودية، ثمة حاجة للاستعداد لمواجهة كوارث السيول
2017-02-27
العودة العمانية: لا حياد في الإرهاب
2017-01-11
عادل الجبير.. القوي الأمين
2016-12-28
مَن يتصدى للحشد الطائفي؟
2016-11-27
الوطنية السعودية بين الإفراط والتفريط
2016-11-21
من المسؤول عن انخفاض انتاجية موظفي الدولة السعودية؟
2016-10-24
منظمة العار ترحب بإسرائيل!
2016-08-17
ظاهرة الانغلاق الفكري
2016-07-25
التطرف في سبيل الله!
2016-07-02
سيلفي.. الحكاية التي فهمها الجميع
2016-06-23
المزيد

 
>>