First Published: 2016-11-27

مُدرسة رياضيات بوصفها صحافية

 

بغير ما يتوقع القراء، تتجرأ لوسي كيلاوي على ما هو أهم من الكتابة، لقد استعادت حدسها الرياضي وتنازلت عن مهامها الصحافية المرموقة في فاينانشيال تايمز بعد 31 عاما من الكتابة، لتصبح مُدرسة رياضيات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

في ربيع العام الحالي دخلت لوسي كيلاوي إلى مبنى صحيفة فاينانشيال تايمز، وعندما نظر أحد زملائها إلى ذراعها المعلقة على حمالة الكتف، قال “هذا أمر مزعج! لا يمكنك حتى تحويل الأمر إلى مقالة، لأنك كتبت واحدة بالفعل”.

كانت لوسي قد سقطت من على دراجتها في اليوم السابق، وهي ليست المرة الأولى، لأنها سبق وأن كتبت عن حادث دراجة هوائية تعرضت له، هذه المرأة قادرة على صناعة الأفكار المتميزة حتى من يومياتها.

وبغير ما يتوقع القراء منها، تتجرأ لوسي الحاصلة على أهم الجوائز الصحافية في بريطانيا على ما هو أهم من الكتابة بالنسبة إليها، لقد استعادت حدسها الرياضي وتنازلت عن مهامها الصحافية المرموقة في فاينانشيال تايمز بعد 31 عاما من الكتابة، لتصبح مُدرسة رياضيات.

لقد عاشت واحدة من أجمل الوظائف في الصحافة من خلال كتابة عمود لمدة 22 عاما، هي تحب ذلك لكنها لا تريد قضاء حياتها بفعل الشيء نفسه!

وتعتقد أن التدريس عمل في غاية الأهمية وهي فخورة بأن تكون قادرة على تولي هذه المهمة، لقد كانت والدة لوسي معلمة، وابنتها اليوم مُدرسة، لذلك تبدو متحمسة للعمل الذي تخلت عن الصحافة من أجله، من دون أن تفكر بالوظيفة الأنيقة التي يوصف بها عادة الصحافي، لأنها دخلت من الباب الأمامي للصحافة وليست متطفلة عليها، وسبق أن كتبت مثل هذا الكلام بطريقة ما عندما طلبت قبل 35 عاما من عرابها، الذي تقاعد مؤخرا من منصب رئيس تحرير في فاينانشيال تايمز، وسألته إذا كان بإمكانه مساعدتها للدخول في مجال الصحافة المالية، لكنه قال لا أستطيع “إذا كنت سأنجح صحافية سيكون عليّ الدخول من الباب الأمامي ولن أحتاج لأشكره على استخدام نفوذه”.

في ذلك الوقت شعرت لوسي بغضب شديد، لكنها في النهاية بعد أن تمكنت من شق طريقها من خلال القنوات الشرعية، كانت ممتنة له لحظره الطريق عبر القنوات الأقل شرعية.

لقد كتبت لوسي كيلاوي من الأعمدة ما يمكن أن يؤلف حزمة كتب بأفكار مختلفة، سخرت من الأداء المكرر الخالي من الابتكار، وثقافة الشركات وغرور المدراء البغيض، وعالجت التقاطعات التي تلبد حياة الناس برؤية متفائلة، كانت تقدم أفكارا بديلة في كل مقالاتها إلى درجة اعتبرت فيها جوهرة في تاج فاينانشيال تايمز، ووصفها زميلها ليونيل باربر بأنها “صوت فريد من نوعه في مجتمع الأعمال”.

في واحدة من مقالاتها اللاذعة تناولت ما أسمته “قانون باركنسون للتفاهة” الذي ينص على أن الوقت الذي نمضيه في التفكير في أمر ما يتناسب عكسيا مع أهميته، فقد تمضي لجنة ما ثلاث دقائق في الموافقة على بناء مفاعل نووي، ومن ثم تمضي 45 دقيقة في الموافقة على بناء مرآب للدراجات.

لتصل بعد ذلك إلى استنتاج يتمثل في أننا نسهب في الحديث عن الأمر السخيف لأننا نفهمه، بينما نخجل من مناقشة الموضوع المعقد لأننا لا نفهمه جيدا.

تعتقد لوسي كيلاوي “57 عاما” بعد مهامها الصحافية في صناعة الأفكار، بأنها قادرة على تقديم ما يفيد المجتمع باختيارها تدريس مادة الرياضيات.

أليس في ذلك درس في غاية الأهمية للصحافيين في العصر الرقمي وزمن المواطن الصحافي، أن تترك كاتبة مرموقة ومشهورة مهمتها في أكبر الصحف البريطانية، لأنها تتوق إلى تقديم أكثر مما كتبته، هذا أمر يستحق التبجيل.

لكن دعونا نتخيل كيف قدمت لوسي كيلاوي استقالتها؟

بمجرد العودة إلى مقالاتها السابقة سنكتشف أنها تناولت مثل هذا الأمر بشكل ما، فقد تساءلت مرة عما إذا كانت هناك طريقة أفضل وأكثر صدقاً للاستقالة.

كخطوة أولى، بحثت في غوغل عن عبارة “أفضل رسالة استقالة” ولم تجد أفضل من عبارة المغادرة لمكان أفضل، كانت تتساءل في لجة الجدل البريطاني عن بريكست، كيف سيقدم نايجل فراج وديفيد كاميرون وبوريس جونسون وكريس إيفانز، استقالاتهم؟ لتصل إلى نصيحة عدم استخدام كلمة “استقالة”، ناهيك عن كلمة “أستقيل”، حتى كلمة “التنحي” أصبحت قريبة جداً من الحقيقة، بدلاً من ذلك، عليك الإشارة إلى ما تقوم به بأنه “التنحّي جانبا” مهما كان يبدو التراجع أمامك متهوراً.

مثل رباطة الجأش هذه لا يتميز بها صحافيون إلا من مستوى لوسي كيلاوي، فقد سبق وأن اعترفت بأنها ليست مبتكرة “ولا حتى أكثر زملائي، فاينانشيال تايمز توظف الناس الأذكياء الذين يعرفون كيفية اكتشاف المواضيع المهمة وكتابتها بشكل رائع، وإعطاء القراء المزيج الصحيح مما هو مألوف ومدهش، الخبرة والمعرفة والممارسة والقدرة على الحكم والمهارة والذكاء كلها أمور تلعب دورا، كذلك تفعل القدرة على الكتابة، والقدرة على التفكير، الابتكار بالكاد يأتي إلى هذه المؤسسة، هذا ليس إهانة لفاينانشيال تايمز، بل هو مديح لها”.

تنصح مدرسة الرياضيات الجديدة بوصفها صحافية سابقة الشركات للبقاء على قيد الحياة، بحاجتها إلى التغيير من وقت لآخر؛ “يتعين عليها إنجاز الأشياء بشكل مختلف قليلا عن الكيفية التي كانت تتم بها من قبل، ولكن لتحقيق ذلك لا تحتاج إلى الابتكار، بل هي بحاجة إلى أناس لديهم الذكاء والحكم للتوصل إلى التنويعات الصحيحة حول الأفكار الموجودة”.

في النهاية فكرة أن يغير صحافي مرموق عمله إلى مدرس رياضيات، أكبر من أن يستوعبها صحافيو تشويه الحقائق ولوي عنقها والتملق للمسؤولين.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
درس ديني لوسائل الإعلام
2017-06-11
أبعد من تفاحة نيوتن
2017-06-06
المزيد

 
>>