First Published: 2016-11-28

استبصارات من وحي رحيل الزعيم فيدل كاسترو

 

كاسترو نموذج للقادة الذين لم يكونوا ملائكة، ولم يكونوا منزهين عن الخطأ، إلا أنهم لم يفكروا بسلطة أو جاه، ولم يساوموا على استقلالية القرار الوطني.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

في التاريخ قادة عظام يبنون أوطانا ويصنعون أمجادا لشعوبهم تستمر في حياتهم وبعد مماتهم، لذا تبقى في الذاكرة الوطنية ومن حق الشعب أن يُخلِد ذكراها ويجعل منها قدوة للأجيال، في المقابل يوجد في كل الشعوب "قيادات" عابرة لا يترك رحيلها أثرا، لا على واقع حياة الشعب ولا في الذاكرة الوطنية، وإن تركوا أثرا فذكريات مريرة عن ما ألحقوه بشعبهم من خراب ودمار، إنهم الذين صَيرتهم الصدفة أو أطراف خارجية إلى مواقع القيادة والحكم.

فيدل كاسترو أحد القادة العظام، صحيح أنه لم يجعل كوبا دولة عظمى أو دولة رفاهية، وصحيح أن بلاده عانت الويلات نتيجة الحصار الأميركي الذي أعلنه الرئيس الاميركي دوايت أيزنهاور عام 1959 ومحاولات الغرب تخريب البلد بكل الوسائل، ولكن كاسترو حافظ على وحدة بلاده واستقرارها وحقق تنمية شمولية تتناسب مع معطيات بلاده وإمكانياتها دون اعتماد على المعونات الخارجية، فقضى على الأمية وجعل التعليم والصحة مجانيا، والأهم من ذلك حفظ كرامة شعبه وبلده، وقد رأينا كيف نعاه زعماء العالم بما فيهم زعماء الغرب.

بالرغم من التباعد الجغرافي والتباين السياسي والثقافي إلا أن دولنا العربية عرفت أمثال كاسترو، فكان الزعيم جمال عبد الناصر الذي عاداه الغرب وشن العدوان الثلاثي على بلده عام 1956 في محاولة لإسقاط نظام حكمه، وحرض عليه إسرائيل والأنظمة العربية المحافظة، إلا أنه صمد وانتصر سياسيا وأخلاقيا بالرغم من الهزيمة العسكرية عام 1967، مما أكسبه احترام العالم وجعل من مصر دولة مركزية ومحورية تستحق أن تقود الأمة العربية.

أيضا نذكر في هذا السياق الزعيم صدام حسين الذي حول العراق إلى دولة تتبوأ مكان الصدارة عسكريا وصناعيا بين دول الشرق الأوسط، وحافظ على وحدة الدولة الوطنية ووحدة الشعب، وكان حاجزا أمام الأطماع التوسعية لدول الجوار، ومصدر قلق دائم لإسرائيل. ولم يسقط صدام حسين ونظامه بسبب أوضاع داخلية أو تمرد الشعب عليه بل نتيجة مؤامرة وعدوان أميركي شاركت فيه للأسف أنظمة عربية وإسلامية، والكل يشاهد اليوم حال العراق وحال العرب بعد صدام حسين.

وفي فلسطين كان الزعيم الراحل ياسر عرفات، صحيح أنه لم يحرر فلسطين ولكنه أسس حركة تحرر وطني استنهضت الحالة الوطنية وحافظت عليها في مواجهة محاولات صهيونية مستميتة لشطب الشعب الفلسطيني من الوجود، وحولت القضية الفلسطينية من قضية لاجئين لقضية سياسية لشعب يناضل من أجل تقرير مصيره الوطني، واستطاع الرئيس أبو عمار كرئيس لمنظمة التحرير أن يفرض القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية ويقنع العالم بعدالة هذه القضية، وتم اغتيال أبو عمار على يد الإسرائيليين بتواطؤ أميركي عربي وبعض الأطراف الفلسطينية.

قد يقول قائل إن كل ما ذكرت من قادة كانوا يحكموا بلادهم حكما عسكريا دكتاتوريا ولم تعرف بلادهم الديمقراطية. نعم هذا كلام صحيح، ولكن هل كانت بقية أنظمة الدول العربية وغالبية أنظمة دول العالم الثالث ديمقراطية؟ وهل كانت الأنظمة العربية التي ناصبت جمال عبدالناصر العداء أنظمة ديمقراطية، وهل كانت الأنظمة العربية التي أرسلت طائرتها وجيوشها لإسقاط نظام صدام حسين، أنظمة ديمقراطية، وهل واشنطن والغرب يؤمنون وجادون بأنهم كانوا يريدون دمقرطة كوبا والعالم العربي؟

مقابل هؤلاء يوجد أشخاص صَيرتهم الصدفة أو التوازنات والحسابات الخارجية في موقع القيادة، قادة ألحقوا الويلات بشعوبهم ودمروا اوطانهم وجعلوها أرضا مباحة للدول الأجنبية. هؤلاء يبددون ما أنجزه الشعب تحت قيادة الأولين، حيث يقبلون ما رفضه الأولون حتى وإن كانت حكومة هزيلة على بقايا أشلاء وطن، ويدمرون مؤسسات هي ضمانة استمرار الدولة الوطنية.

هذه "القيادات" ومهما كثر عددها وتعاظم مالها المشبوه لا تنشئ ولا تؤسس دولة وطنية ولا ديمقراطية ولا تقوم العلاقة بينهم وبين الشعب على علاقة ولاء لفكر وطني أو قومي، بل تؤسس على التبعية المالية أو المذهبية وبالتالي على علاقة خضوع وتبعية كتلك التي تنشأ بين السادة والعبيد، السادة يستمرون متسيدين على مريديهم وعبيدهم، والآخرون يسترون عيوبهم وأخطائهم دون أن يجرؤوا على نقدهم أو مناقشة نهجهم.

لا شك أن لكل مرحلة رجالاتها ولا يمكن استنساخ قادة زمان غير زماننا، ولكن من المهم استلهام الدروس والعبر من تجربة القادة العظام وإعادة قراءة أسباب عظمتهم وأهمها أنهم كانوا قريبين من نبض الشعب ومتفاعلين مع معاناته، أيضا الاستبصار بأسباب تآمر الأعداء عليهم بعيدا عن التبريرات التي زعمها الأعداء وانكشفت مؤخرا.

لا شك أن هؤلاء القادة لم يكونوا ملائكة، ولم يكونوا منزهين عن الخطأ، إلا أنهم لم يفكروا بسلطة أو جاه، ولم يساوموا على استقلالية القرار الوطني. أيضا من المهم الاستفادة من الأخطاء التي ارتكبوها فهم بلا شك لم يكونوا منزهين عن الخطأ، سواء اخطاء تجاه شعوبهم أو تجاه جيرانهم، إلا أن محاصرتهم والتآمر لإسقاط أنظمتهم وتدمير بلدانهم لم يكن بسبب أخطائهم بل بسبب منجزاتهم التي تعارضت مع المصالح الأميركية والإسرائيلية.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
ترامب يحصد نتائج ما زرعه أوباما
2017-05-22
مخاض الانتقال من الانقسام إلى الانفصال
2017-05-19
الاحتلال بدأ مع نكبة 48 وليس مع نكسة 67
2017-05-14
حركة حماس ومشروع 'غزة أولا'
2017-05-09
وثيقة حماس: خطوة إيجابية تحتاج لإثبات جدارة وطنية
2017-05-05
المثقفون والمبدعون لا يتقاعدون
2017-04-24
ما زال في الإمكان تدارك الأمر
2017-04-20
الموضوع أكبر واخطر من مسالة رواتب
2017-04-09
قرارات قمة عمان تُخفي أكثر مما تفصح
2017-04-04
مثقفون غير مثقفين: مثقفو الشتائم والإحباط
2017-03-19
المزيد

 
>>