First Published: 2016-11-28

الصافي سعيد كاتب ناقم لا يتردد في مراقصة التاريخ

 

الكاتب التونسي الصافي سعيد يطهر نفسه في رواية 'الكيتش 2011' من الربيع العربي بعد أن أصبح احتفالية لليرابيع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

ما نربحه في حواراتنا مع الأذكياء، نخسره في مكان آخر لإدارة الغباء

يصعب رسم بروفايل واحد للصافي سعيد، لأنه في أفضل الأحوال سيصل متأخرا وغير جدير بالوفاء، فعند السعيد يتقاطع ويتلاقى الصحافي بالكاتب السياسي بالروائي وأخيرا السياسي المرشّح للرئاسة! تلك مهمة تسقط الصحافي في شباك لعبته، وقد يقع في الفخ من دون أن يصطاد من الكلمات ما يثير اهتمام القارئ.

لكن وفق كل الأحوال، يبقى الصافي سعيد جدليا حتى في أنعم ساعات هدوئه، فهو الغاضب المحتدم الناقم المشاكس الرافض الخؤون المتغير الودود الثائر المهادن، وهو معاصر بقدر ما أنه قادم من أبعد رفوف التاريخ، امتهن أسرار لعبة الكتابة السياسية، وصنع من نفسه روائيا متميزا منذ “حدائق الله” عندما كشف أسرار القاعدة قبل أن تُعرف القاعدة، وكشف عن موقفه بما لا يقبل الجدل من نظام الرئيس زين العابدين بن علي بعد أيام من سقوطه، برواية “سنوات البروستاتا” وكأنه يرفع شهادة براءة من أيّ اتهام، عندما نشرها بعد أيام من هروب الرئيس “فمتى كتبها؟”.

وها هو اليوم يتراجع عن تسميته الخاسرة للثورات العربية بـ”الربيع العربي” في رواية “الكيتش 2011”، ليعلن بلا تردد أن ما حدث مجرد نفايات، لكن مشكلة الكيتش هو أن تكون نفاية دون أن ترى نفسك نفاية إلا حين يبدأ عمال النظافة في جمع النفايات. مثل هذا الكلام يضعه الصافي سعيد في مستهل روايته الجديدة التي صدرت قبل أسابيع، كمعادل تعريفي لتسميته السابقة للربيع العربي.

صناعة داعش

إذا كان فؤاد التكرلي قد كتب رواية العصر الكبرى “المسرات والأوجاع” عندما كان يعيش في تونس، فإن الصافي سعيد قد صنع رواية زمن الربيع العربي وصعود داعش في “الكيتش 2011” ومن تونس نفسها. في الكيتش سيعرف الناس في تونس أو مصر أو سوريا أو ليبيا، كم كانت ثوراتهم يتيمة ولقيطة ومهجّنة، أبطالها من الأنانيموس ومن ضحايا العولمة والشركات العابرة والإسلام الفاشي. إن فكرة الخلاص الجماعي التي يعتنقها الحالمون بعالم أكثر عدلا كثيرا ما تجعل منا في النهاية مغفلين أو تعساء.

يبدأ الشعور بالكيتش أي الرداءة والنذالة في لحظة التعارض بين أنفسنا والعالم، وآنذاك يبدأ الإحساس بأنك خارج السياق.

يعترف الصافي أنه لم يفعل في “الكيتش 2011” سوى أن طهّر نفسه من الذنب الذي ارتكبه حين أسرع إلى تسمية ما حدث في تونس ومصر ببدء الربيع العربي.

ويقول “انتشرت تلك التسمية وأصبحت تنسب إليّ حتى في ويكيبيديا، والحال، أنني لم أفعل آنذاك سوى أن اعتبرت أن انتظاراتي لربيع عربي، في الفصل الأخير من كتابي (خريف العرب) الذي نشر في العام 2005 قد تحققت آنذاك في يناير 2011، كان الحلف الأطلسي لم يبدأ بعد في دكّ طرابلس، وكانت تونس والقاهرة تتعانقان في الحلم والأمل، كان الجميع يعتقد بأن ربيع العرب فعلا قد حلّ، ولكن شيئا فشيئا بدأنا نشعر بالاختناق من الكآبة والدماء”.

ويعلّق في إجابة محتفيا بروايته الجديدة “رحّبت بالربيع وكتبت عنه طويلا وحلمت به وانتظرته طويلا، ولكن حين حلّ لم تكن أزهاره إلا من البلاستيك، كان فعلا احتفالا كيتشيا هابطا من حيث المعنى والقيمة والبناء، لقد كان الربيع احتفالية لليرابيع”.

سيلفي الصافي

كان الصافي قد وصف في متن الكيتش ما حدث بتونس بالقول “إن التونسيين دخلوا عصر الثورة من باب الرداءة، حين هرب الدكتاتور وظلت الثورة مكدسة في الشوارع لم يتقدم أحد لالتقاطها حتى جاء حفّارو القبور؟”.

لكنّه يرفض اتهامنا له بأنه لو فاز في انتخابات الرئاسة التونسية التي ترشح لها وخسر، هل كان سيغادر دوره الناقم على الربيع العربي أم يحتفي به بطريقة السياسي في منصبه الجديد.

وقال “أنا كاتب حاول أن يبني خرائط جديدة لما حدث فعلا في الربيع العربي. تلك رؤية خاصة للكاتب وهي شبيهة بالمعتقد، ولا توجد أيّ قوة تقنعني اليوم بأن ما حدث ليس كيتشا، أي الرداءة في أبهى تجلياتها”.

يحتدم في داخل الصافي صراع بين الأدبي/ الفلسفي وبين السياسي/ الخرائطي، لذلك يصف صناعته في كتابة هذه الرواية أشبه بمتنفس كبير “حالما انتهيت من كتاب (جيوبولوتيك الدم: التاريخ الأسير والجغرافيا المتصدعة)، حتى رحت أبحث عن متنفّس كبير، شعرت بالاختناق، اختناق الدخّان والرمال والموت وثقل التاريخ وأنابيب الغاز وجحفلة الأديان، وكان لا بدّ لي من استنشاق كمية كبيرة من الأوكسجين، ذلك الأوكسجين هو رواية الكيتش التي ركضت من خلالها في خرائط عديدة عبر مناخات عديدة بصحبة أبطال نصفهم واقعيون ونصفهم خياليون”.

مانفستو سياسي

في “الكيتش”، قال الصافي سعيد أكثر مما قاله في “جيوبولتيك الدم” وربما فهم القرّاء أن الرواية هي المناخ الأكثر صدقيه لأحداث تحدث أمامنا ولا نعلم كيف تحدث.

“كل كتابة هي مانفستو سياسي، أحيانا يكون رديئا سيئا ومتأخرا عن زمانه، وأحيانا يكون متقدما ومعلنا عن زمن جديد”، هكذا رد الصافي عندما واجهته بسؤال عن الكيتش بوصفها بيانا سياسيا عمّن يقف خلف فوضى الربيع العربي وصعود داعش.

وقال “في رواية الحرب والسلام لتولستوي قرأنا أدبا وتاريخا وسياسة، ووقعنا في أخطاء التخيّل، غير أن نصف أبطال الرواية واقعيون، كذلك في الكيتش يمكنك أن تمدّ يدك إلى أحد أبطال الرواية ليخرج من الورق ويتجوّل معك في السوق دون أن تشعر بالخذلان، شاهي شهبار أو مصعب الصراف، كريم كروان أو مراد عباس أو سمى عبد الصمد أو ستيفاني نيكولاس، هم موجودون في الفنادق والمقاهي والشوارع ويعدّون لك وجبات طعامك وأرضية تاريخك وخرائط مصيرك”.

إلى جانب أبطال الرواية وهم كثيرون ومتساوون بحيث لا وجود لمفهوم البطل الواحد، ثمة أيضا أسماء أخرى من عيار آخر، قد حضرت إلى هذه الملحمة كرواة: نيتشة وماركس وميلان كونديرا ومايكوفوسكي وروزا لوكسمبورغ ومعهم أينشتاين وغاندي وطاغور والقذافي وعرفات ومحمد شكري والحسن الثاني وميتران.

لذلك خيّر الصافي سعيد القارئ في اختبار معرفته وذكائه فيما الذي قد جاء على ألسنة هؤلاء قد حدث أو لم يحدث، وما إذا كان المهم أن يكون قد حدث أو أنه أصبح مهمّا لأنه وقع سرده من خلال شخصية تاريخية ما.

لم يكتف بدور الروائي

الأحداث المعاصرة في الكيتش تتكئ بعمق تحليلي على التاريخ القريب والبعيد، فالكاتب عندما يستهلّ الرحلة من تونس وما بين تركيا وإسبانيا وبيروت وصولا إلى الموصل والعودة إلى أنقرة، لا يضيع في الجغرافيا، لأنه لا يغادر التاريخ، فالحوار بين ياسر عرفات وزعماء الكرملين أو صلاة معمر القذافي أمام بريجنيف في الكرملين لا تغادر سياقها، بل تأتي كونها مكملا لحدث صناعة داعش وإدارتها من منزل فخم في تركيا كانت تمتلكه عشيقة أتاتورك.

عندما واجهت الصافي بسؤال حول تحذيره القراء في مقدمة الرواية وكأنه يبطّن أكثر من إنتاج نصّ روائي بصيغة إبداعية. قلت له: إنك في الكيتش لم تكتف بدور الروائي؟ فقال “ما جاء في مقدمة الرواية ليس تحذيرا، هو جزء عضوي من الرواية، أحد كتاب المواقع الاجتماعية اكتفى بنشر ذلك البرستكريبتوم واعتبره قراءة الرواية، بينما هو جزء من النص حيث يخرج أحد أبطال الرواية من الورق ليحذّر القراء من أن الروائي قد انحاز للبعض على حساب البعض. في الحقيقة كان السرد جماعيا وملحميا، الجميع روى ما اعتقد أنه حدث دون أن يرى أن ما حدث هو شيء واقعي أو غير واقعي”.

هذه الرواية لا تنتهي، لأن مؤلفها يجعل من الجزائر ملاذا للهاربين من الخوف، وبوصلة أبطالها الباقين تتجه من تركيا صوب إسرائيل وكأنها المركز الأخير في صناعة ما يجري وما جرى، من دون أن تخفي الأحداث الإشارة إلى دور قطر! وهذا ما تجسده جمل في متن الرواية مثل “إسرائيل لا تريد أن تجعل من العرب يهودا بينما إيران تريد أن تجعل من سنة العرب شيعة، ومن شيعة العرب إيرانيين” أو “العبقرية اليهودية مع مال العرب من شأنهما أن يصنعا المعجزة، وهل ثمة من معجزة بعد خراب البصرة”.

أو "لا شيء يجعلني حزينا وأكثر حزنا حين أجد أناسا يصفقون لداعش أو يمتدحون القرضاوي أو يتحدثون عن الوطنية على مائدة السفير الأميركي".

يقول الصافي سعيد “نعم أبطال الكيتش صنعوا طريقا للذهاب أو للعناق مع إسرائيل، الكيتش هو قصة كفاح من أجل الوصول إلى إسرائيل! يخت إلياهو دانيال هو الذي يتجول في البحر المتوسط من المغرب إلى إسبانيا ثم إلى تونس ثم إلى إسطنبول.

في أسطنبول وفي بيت “آل أوشاكي” عقدت أقذر الصفقات بين كريم كروان ومصعب الصراف وإلياهو دنيال ورشدي العطار وفؤاد عبدي، ورأينا كيف تصبح مصائر الشعوب تحت قبضة رجال الأعمال! أنا لم أتهم أحدا في الرواية بأنه كان وراء داعش، بل رويت عبر أبطال آخرين ما حدث.

أحيانا نندمج في فكرة السموّ والخلاص والتضحية. وحين ينقشع الضباب نكتشف أننا كنا نعيش خارج السياق، أي غرباء عن الواقع والحقائق، آنذاك نصاب بالفشل ونتهم الجماهير بأنها تحب العبودية ولا تستمع إلى منقذيها. وذلك هو الكيتش، لأن الحقيقة تصنع في أماكن أخرى وبأبطال آخرين لا نراهم دائما ولكنّنا نراهم حين يسردون علينا حكاياتهم. وخلال السرد يصبح كل شيء يشبه كل شيء لأن الخلاص يوجد في وهم ما حدث وما لم يحدث فعلا”.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم صافي ولد الصافي
الدولة تونس

الحقيقة هذا الموضوع مسروق نصا من جريدة العرب وقراته امس في تونس، من دون الاشارة الى المصدر، هل يصح ذلك ياميل ايست؟

2016-11-30

الاسم متابع
الدولة لندن

باي حق يشتم الكاتب الصافي سعيد ملايين من الشعب العربي ويصفهم باليرابيع، مع اني اشك انه قال هذا الكلام لان كرم نعمة صحفي غير موضوعي ودائما يلوي عنق الكلام

2016-11-29

الاسم Cheikh Frankenstein
الدولة Tunisie

الصافي سعيد كان يعتقد أن الربيع العربي هو طريق لتحرير العربان من الهذيان ومن ثقافة القبور وعبادة الظلام الذي يعشعش في أمخاخنا . الصافي سعيد إكتشف أن الربيع العربي هلوسة ثورجية أعادت العربان إلى حفر الجرذان . تكبيييييييير !

2016-11-28

الاسم إبراهيم العلي
الدولة عمان

هذه فرية نلصقها في ادعات الصافي سعيد وكرم نعمة، فلا واحد منهما وضع تسمية الربيع العربي، بل هي تسمية ولدت من الجموع الثائرة وعلى نمط ربيع براغ

2016-11-28

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
درس ديني لوسائل الإعلام
2017-06-11
أبعد من تفاحة نيوتن
2017-06-06
المزيد

 
>>