First Published: 2016-11-29

حيرة العراق بعد صدام حسين

 

هل أغلقت النجاة أبوابها أمام الشعب العراقي؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

متى لم يكن العراق معذبا؟ بضمير مرتاح يمكننا أن نضع الفتحة على تلك الذال ثم نستبدلها بيسر بالكسرة. فالعراق عذب أهله عبر تاريخه المشحون بالتوتر والفلق والانفعال والخوف وتعذب بسببهم ومن أجلهم ومن وراء ظهورهم وأمام أعينهم.

كان مختلفا فحلت به لعنة الاختلاف. كان ذلك الاختلاف هو سر محنة زائريه وضيوفه وهم يسعون إلى حصره في صفة، فيفاجئهم بنقيضها. وهو ما أضفى الكثير من هالات الغموض على أهله، في غضبهم السريع الذي قد يصل إلى ارتكاب القتل، وفي رضاهم الذي قد يصل إلى الاستكانة والخنوع.

كان صدام حسين واحدا منهم. كريما إلى الدرجة التي يهبك فيها ما ليس لك فيه حق، وبخيلا إلى الدرجة التي تسمح له بأن يحرمك من الهواء.

في عنفه وغروره وتبجحه وصلفه وعناده وعزته بالإثم ومضيه في الخطأ إلى النهاية لم يكن الرجل استثناء، إلا إذا أردنا أن نصنع منه كائنا قادما من كوكب آخر، نكاية بالتاريخ السياسي.

الفشل الذي انتهى إليه العراقيون منذ غياب صدام حسين يكشف عن خلل عميق في ثقافة شعب، تربى على معادلة طرفاها، الطاغية (القائد) الضرورة والفوضى. اما الاستبداد أو الفوضى.

إن لم يضحك فإن صدام حسين كان يبتسم ساخرا في المرات القليلة التي ذُكرت في حضرته كلمة "ديمقراطية". وهو ما تشاطره فيه الأغلبية العظمى من العراقيين.

مَن لا يجد غضاضة في اللجوء إلى العنف لا يمكنه أن يكون ديمقراطيا.

العنف الذي مارسه صدام حسين كان عنفا فرديا. هو عنف المؤسسة الذي لم يمنعها عن الاستمرار في تقديم خدماتها. وإذا ما كان ذلك العنف قد فاق المستوى المقبول للعنف من قبل شرائح كثيرة من المجتمع العراقي، غير أقل خطورة من العنف الذي صار العراقيون يمارسونه، بعضهم في حق البعض الآخر في مرحلة ما بعد صدام حسين.

ولأن ثقافة العنف هي الثقافة الوحيدة المتفق عليها عراقيا، فإن العراقيين لم يهتدوا حتى هذه اللحظة إلى التقنية التي في إمكانها أن تضبطهم وتمنعهم من ممارسة العنف تلقائيا غير العنف الذي تمارسه سلطة أقوى منهم في حقهم.

من المؤكد أن استنتاجا من ذلك النوع سيُقابل بالاستهجان من قبل ذوي النوايا الحسنة الذين ما زالوا يتشبثون بالطيبة والشهامة والنخوة والكرم والايثار والوفاء والمروءة والغيرة وسواها من الصفات التي لا ينكر أحد وجودها، غير أنها مجتمعة لم تقف حائلا دون أن يخون الجار جاره ويستقوي عليه طائفيا أو عرقيا وينهب ممتلكاته المادية، بل ويساهم في تصفية وجوده، شريكا في المجتمع.

لم تكن الفوضى التي بشر بها دعاة الأمركة، يوم احتلت الولايات المتحدة العراق لتجد المسالك مفتوحة أمامها لولا ذلك الاستعداد القبلي لدى مجتمع، كان في انتظار اللحظة التي تسقط فيها السلطة التي كانت تمارس العنف في حقه ليجد فرصته في ممارسة العنف.

وبالرغم من سقوط أكثر من مليون عراقي من جراء العنف الذي مارسته في حق الأبرياء تنظيمات وجماعات إرهابية مثل القاعدة وجيش المهدي وداعش وعصائب أهل الحق وفيلق بدر فإن هناك اليوم مَن لا يزال يفاخر رسميا بالميليشيات المسلحة التي لا مهنة لأفرادها سوى الاستقواء بالسلاح على المدنيين الذي لا يملكون سوى أن يدفعوا لها الجزية صاغرين.

حيرة العراقيين اليوم في أعظم ذراها.

فهم من جهة لا يحنون إلى عصر، ضرب فيه فرد واحد الأرقام القياسية لممارسة العنف ومن جهة أخرى فإن العنف الذي مارسه بعضهم في حق البعض الآخر بعد غياب ذلك الفرد صار يشعرهم بدنو آجالهم، شعبا ودولة، حاضرا ومستقبلا ويسم إنسانيتهم بأسوأ الصفات.

وكما أرى فإن اختراع صدام حسين جديد أمر لم يعد ممكنا في ظل ما شهده العراق من انهيار عسكري وحزبي وسياسي. في المقابل فإن ضبط ثقافة العنف في حدود ما لا يضر منه هو الآخر أمر يكاد أن يكون مستحيلا.

هل أغلقت النجاة أبوابها أمام الشعب العراقي؟

حتى النجاة، يبدو التفكير فيها بالنسبة للعراقيين مرتبطا بالعنف.

 

فاروق يوسف

الاسم البصري
الدولة العراق

سيدي الكاتب تحية وشكر لقد حددت جروحنا ومسكت نقاط ضعفنا،مشكلتنا لااحد يتفوق علينا بطيبتنا حد السذاجة حتى تمادى كل من حاول قتلنا واستغلالنا دون تردد والمشهد مستمر ولن ينتهي!

2016-11-29

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
عشرة أعوام من الفشل
2017-10-04
بناة العراق المؤقت
2017-10-03
المزيد

 
>>