First Published: 2016-12-04

'يوم الشهيد' في الامارات... بناء دولة حديثة

 

تدافع الإمارات عن نفسها في اليمن. الأبطال الذين استشهدوا في مأرب وفي عدن والمكلا ومناطق يمنية اخرى، كانوا في خط الدفاع الأوّل عن بلدهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

لا تبنى الدول الحديثة التي تحترم مواطنيها وتدافع عن كرامتهم بالتمنيات فقط. تبنى هذه الدول بالجهد الدؤوب والتضحيات أيضا وبتكريم الشهداء الذين سقطوا من اجل حماية البلد وتأمين مستقبل افضل لابنائه.

من هذا المنطلق، أحيت دولة الامارات العربية المتحدة للمرّة الثانية في تاريخها الحديث "يوم الشهيد". جاء الاحتفال بهذه الذكرى عشية اليوم "الوطني للدولة".

احتفلت الامارات بذكرى "يوم الشهيد" هذه السنة بطريقة خاصة تظهر مدى تعلّق هذه الدولة التي صار عمرها خمسة وأربعين عاما بابنائها. اسم كل شهيد نقش على لوحة من لوحات عدّة صنعت من الالمنيوم ومن بقايا اسلحة استخدمها الجيش الاماراتي في المعارك التي خاضها. تمثل هذه اللوحات التي انتصبت في "واحة الكرامة" المطلة على مسجد الشيخ زايد رمزا للقوة المتراصة والتلاحم بين مواطني الامارات والامارات السبع.

كانت مشاهد الاحتفال الذي أقيم في "واحة الكرامة" مهيبا. بدا التأثر واضحا على وجه الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابوظبي الذي يعتبر كلّ شهيد ابنا من أبنائه. كان جليّا كم ان الشيخ محمّد يحترم هؤلاء الشباب الذين افتدوا الامارات وكم هو مأخوذ بنبلهم.

كان في "واحة الكرامة"، الى جانب الشيخ محمّد حكام الامارات الأخرى التي تتألف منها تلك الدولة التي اسّسها رجل استثنائي يمتلك رؤية واضحة وطليعية ومستقبلية اسمه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله. في كلّ يوم يمرّ، يتبيّن كم ان رؤية الشيخ زايد كانت صائبة ومتقدّمة وحديثة وكم الوفاء لهذه الرؤية وفاء حقيقي من أبنائه.

كانت للقوات المسلّحة الاماراتية تجارب في مناطق عدة من العالم. شاركت في "قوات الردع العربية" التي مثلت جهدا لاعادة الحياة الطبيعية والسلم الى لبنان بعد ما يسمّى "حرب السنتين" منتصف سبعينات القرن الماضي. كذلك كانت وحدات الجيش الاماراتي في كوسوفو. كان مطلوبا حماية هذه الدولة الناشئة من الاطماع الصربية. امّا في الصومال وأفغانستان، فكان الوجود الاماراتي في اطار الحرب على الارهاب. ولا تزال القوات الاماراتية تلعب دورا في اليمن. الهدف الثابت الذي يربط بين كل ما تقوم به الامارات هو الاستقرار والدفاع عن القضايا المحقّة وعن الامن الاماراتي.

في أيلول ـ سبتمبر من العام الماضي، اعلنت الإمارات العربية المتحدة عن استشهاد خمسة واربعين من جنودها في محافظة مأرب اليمنية. ترافق ذلك مع استشهاد خمسة عسكريين بحرينيين ايضا في هجوم ناتج عن صاروخ استهدف مخزنا للذخائر في مأرب، المحافظة التي تعتبر في غاية الأهميّة من الناحية الإستراتيجية بالنسبة إلى مستقبل اليمن.

تقع مأرب في وسط اليمن. لا حدود لها مع المملكة العربية السعودية، لكنّها تمثّل الشريان الحيوي لصنعاء من زاوية أنّ معظم الطاقة الكهربائية التي تحصل عليها العاصمة اليمنية تأتي من مأرب حيث السدّ التاريخي الذي اعاد بناءه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من ماله الخاص. جاء افتتاح السدّ الجديد في كانون الاوّل ـ ديسمبر من العام 1986، في وقت كان اليمن في حاجة إلى كل مساعدة من أجل التمكن من الإستمرار والبقاء كدولة قادرة على توفير الحدّ الأدنى من سبل الحياة لمواطنيها.

كان هدف الشيخ زايد توفير المياه والكهرباء لأهل مأرب والمحيطين بهم ولسكان صنعاء أيضا. كان هدفه جعل الانسان اليمني يبقى في ارضه ويعيش من خيرها.

لم يكن لديه من هدف سوى خدمة اليمن واليمنيين وذلك لأسباب عائدة أوّلا وأخيرا إلى الوفاء لليمن ولما قدّمته ارض اليمن تاريخيا للعرب في كلّ المجالات. في النهاية، ليس هناك عربي ينكر أن اصل معظم العرب من اليمن وأن انهيار سدّ مأرب كان بداية تشتت القبائل العربية في كلّ انحاء المنطقة، بما في ذلك شواطئ الخليج العربي.

كان انهيار سد مأرب في العام 580 (ميلادي) مؤشرا إلى تشتت القبائل العربية. كان الشيخ زايد، الوحدوي في تفكيره، رجلا بعيد النظر. قرّر اعادة بناء السدّ وإن في المكان الذي لم يكن فيه تماما، وذلك لتأكيد التعلّق بالوفاء للعروبة وما تمثّله، من زاوية حضارية أوّلا، وبفكرة المحافظة على التاريخ العربي وحمايته ثانيا وأخيرا.

جاء استشهاد هذا العدد الكبير، نسبيا، من الجنود والضباط الإماراتيين في مأرب كدليل على أن دولة الإمارات لا تزال وفية لرسالتها التاريخية ولرسالة الشيخ زايد. فالتدخل العربي في اليمن ابتداء من شهر آذار ـ مارس من العام الماضي في ظل التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، لم يستهدف في أي وقت سوى انقاذ اليمن.

هناك خطر كبير على الأمن الخليجي في حال صار اليمن تحت السيطرة الإيرانية. الإمارات معنية بهذا الخطر، خصوصا أنّها تعرف تماما ما يعنيه أي استخفاف بالمشروع التوسّعي الإيراني القائم على استغلال الغرائز المذهبية إلى ابعد حدود. ليس سرّا أن الإمارات، التي تعاني من الاحتلال الإيراني لجزرها الثلاث منذ العام 1971، في ايام الشاه، تدرك قبل غيرها ما يمكن ان ينجم عن سيطرة ايران على اليمن عبر الحوثيين الذين يسمون انفسهم "انصار الله".

في "يوم الشهيد" هذه السنة، لا بدّ من العودة الى ما قاله الشيخ محمد بن زايد بعد استشهاد العسكريين الاماراتيين في مأرب. قال وقتذاك: "إنّ تطهير اليمن من الميليشيات الإنقلابية التي عاثت تخريبا وفسادا هدف لا يمكن أن نحيد عنه" مؤكّدا أنّ "ابناء الإمارات ثابتون في المضي بطريق ازاحة الظلم والضيم عن اخواننا اليمنيين".

أكد وليّ العهد في ابوظبي أن لا تراجع عن "عاصفة الحزم"، وهي عملية تستهدف تثبيت الشرعية في اليمن بدل تركه لقمة سائغة لإيران ولأدواتها المعروفة.

شكّل هذا الكلام الصادر عن الشيخ محمّد فعل ايمان بالمهمّة التي تقوم بها الإمارات التي انضمت إلى الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية في اعادة اليمن إلى اليمنيين. لا خيار آخر امام الإمارات التي عليها قبل أيّ شيء آخر حماية امنها وحماية مواطنيها.

تدافع الإمارات عن نفسها في اليمن. الأبطال الذين استشهدوا في مأرب وفي عدن والمكلا ومناطق يمنية اخرى، كانوا في خط الدفاع الأوّل عن بلدهم. كانوا يؤدون واجبا وطنيا ليس في خدمة بلدهم ودفاعا عنه فحسب، بل في خدمة كل اهل الخليج ودفاعا عنهم ايضا...

عندما تحيي الامارات "يوم الشهيد"، انّها لا تكرم ابناءها فحسب، بل تكرّم كلّ ما تمثله هذه الدولة أيضا. انّها تكرّم في الواقع السياسة الثابتة التي تمثّلها منذ قيامها في العام 1971. تقوم هذه السياسة على بناء دولة حديثة في ظلّ مصالحة بين كل مكوّناتها وعلاقة عميقة بين من في السلطة والمواطن العادي.

تبني الامارات نفسها خطوة خطوة. الثروة ليست كلّ شيء. هناك الانسان الذي تبنيه تلك الأفكار التي زرعها الشيخ زايد والتي في أساسها وعي مقوّمات الدول الحديثة، بما في ذلك التسلّح بالعلم والمعرفة والابتعاد عن كلّ شكل من اشكال التطرّف والمغالاة وبذل الغالي والرخيص عندما تدعو الحاجة الى حماية الامن الوطني...هكذا، بكلّ بساطة، تبنى الدول الحديثة في عالمنا هذا حيث لا مكان سوى للاقوياء والذين يعرفون ما يريدون والى اين يريدون الوصول.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ما لم يتغيّر بعد نصف قرن على الهزيمة
2017-02-26
مارين لوبن كشفت فرنسا
2017-02-24
تغيّرت اميركا... لماذا لا تتغيّر ايران
2017-02-22
كي لا يصبح الاحتلال وجهة نظر
2017-02-20
عن اهمّية عدن ومطارها
2017-02-19
سقوط 'داعشي' في واشنطن
2017-02-17
ما علاقة إسرائيل بسلاح 'حزب الله'
2017-02-15
'القيصر' في سوريا... بين اميركا وايران
2017-02-13
كم هي عميقة الجذور التي زرعها رفيق الحريري
2017-02-12
اليمن والخليج والتحوّل الاميركي
2017-02-10
المزيد

 
>>