First Published: 2016-12-04

يحق لنا الموت طبعا

 

نعمة أن يموت المرء في عالمنا العربي لأسباب طبيعية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لكن ليس على أسرتنا. ما هذا الترف. سيكون ترفا أن يموت المرء على سريره الذي شهد أحلامه وبين أبنائه الذين سيحملون وصيته.

حين يُذكر عبدالرحمن محمد عارف يشعر العراقيون بالدهشة وينتابهم الذهول. كان الرجل رئيسا للعراق ومات بطريقة لائقة في عمان. ما معنى أن يموت المرء بطريقة لائقة بالنسبة للعراقيين؟

أن لا يتم سحله مثل نوري السعيد، رئيس الوزراء العتيد في العهد الملكي. أن لا يُعدم في مبنى الإذاعة مثل عبدالكريم قاسم، مؤسس الجمهورية. أن لا تنفجر به الطائرة مثل عبدالسلام محمد عارف، الرئيس الذي أنقذ العراق من قسوة البعثيين ذات مرة. أن لا يسمعه أعداؤه في لحظة إعدامه شعارات طائفية مثلما حدث لصدام حسين، آخر رؤساء العراق قبل الاحتلال.

احمد حسن البكر وهو رئيس عراقي لم يمت هو الآخر بالطريقة التقليدية العراقية، غير أنه بالتأكيد مات كمدا. ذلك لأنه عُزل من منصبه في ظروف غامضة وصار الأب القائد لشهور الذي يقف في ظل الرئيس القائد ثم محيت صورته نهائيا.

نعمة أن يموت المرء في عالمنا العربي لأسباب طبيعية. هل صار علينا أن نعيد تعريف الموت، باعتباره نوعا من الحياة المترفة؟

لا ينحصر ذلك النوع القاسي من الموت بالعراقيين وحدهم. لقد اختار الأخ العقيد معمر القذافي أن يموت بطريقتهم، وإن ابتكر قتلته نوعا جديدا من القسوة الوضيعة.

لقد سبق للقذافي أن استنكر الطريقة التي أعدم بها صدام حسين. هل كان الرجل يتنبأ بمستقبل أيامه؟

لا أعتقد أن رجلا مثل القذافي كان يتوقع أنه سيموت على أيدي رعاع محكومين بنزعة الانتقام من الماضي.

الرجل الذي حكم ليبيا بالجهل قتله الجهلة.

الرؤساء ليسوا استثناء في عالم، انزلق خارج قوانين الطبيعة.

هناك اليوم شعوب عربية تقيم في ظل هاجس الموت المجاني الذي يمكن أن يقبل في أية لحظة. يخرج العربي من بيته مستسلما لقدر باهت اللون، عنوانه عدم العودة إلى البيت ثانية.

ولن يكون غريبا على الواقع أن يموت المرء في سريره، لكن مقتولا بعد أن تخترق سقف بيته قذيفة أو قنبلة لم يكن مطلقها يعرف عنوان قتيله ولا اسمه ولا هويته ولن يسمع صوته وهو يطلق صيحة الوداع.

صار العربي محكوما بوداع فجائي. يقع دائما في اللحظة غير المناسبة.

محظوظ ذلك العربي الذي يموت في أوانه، وهو وقت مجهول، غير أنه لا ينتسب إلى الأوقات العصيبة التي يفر الإنسان فيها من الموت الذي يعرف أنه ملاقيه في غير وقته.

ولكن أللموت وقت؟

نعم. إنه الوقت الذي لا يكون الموت فيه من تدبير الإنسان. الموت الذي لا يستجيب لإرادة الشر والقبح والرغبة في تدمير قوانين الطبيعة.

وقد يكون جزء من مأساة الإنسان العربي في عصرنا أن يطالب بحقه في الموت الطبيعي الذي لا اعتراض عليه ولا فرار منه.

ذلك الموت الذي لا ذل فيه ولا انتقاص من كرامة الكائن البشري صار عزيزا ولم يعد في متناول بشر، أحاطت بهم الوحوش برذائلها من كل جانب.

هو موت لا يخيف، بالنسبة للميت على الأقل. هناك فراغ يتركه الفقيد، يشعر به الآخرون غير أنهم يحمدون الله على أن الراحل مات عزيزا.

الموت بكرامة صار أمنية الإنسان في جزء كبير من العالم العربي بعد أن صار على يقين من أن العيش بكرامة صار مطلبا مستحيلا. غير أن ذلك الموت هو الآخر لم يعد متاحا.

فمثلما حُرم ذلك الإنسان من حقه في اختيار نوع وأسلوب حياته فإنه يذهب إلى الموت مكرها قبل موعده.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
المزيد

 
>>