First Published: 2016-12-04

رحيل كاسترو: انقسام الصحافة، انقسام الرأي العام

 

كان مُغريا الاعتقاد بأن التاريخ قلب صفحة بشأن كاسترو، لكن الخيار لم يكن متاحا أمام وسائل الإعلام، بغير ان تبرز خبر الوفاة وتداعياته، ومن دون أن تتردد بوصفه بالديكتاتور.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

كان الصحافيون على درجات مختلفة من الوعي والحس والتقاط المعلومة ورباطة الجأش وعدم التأثر، عندما استدعوا على عجل إلى المنطقة الخضراء الحصينة في بغداد بعد سبعة أشهر من احتلال العراق من قبل القوات الأميركية عام 2003.

لا أحد منهم قدّر ماذا ينتظره، فكل حدث في العراق آنذاك كان قصة صحافية، بينما الفوضى تعم البلاد، لكنها حقا كانت مفاجأة من قبل الحاكم الأميركي بول بريمر عندما أعلن عن اعتقال صدام حسين، المفاجأة وفق تحليل المضمون انعكست على الصحافيين والمراسلين أنفسهم ولم تأت من طبيعة الخبر المرتقب والمثير، عندما قابل ما يمكن أن يسمى بـ”صحافي” إعلان بريمر بالهتاف والتهليل، إلى درجة دفعت الحاكم الأميركي نفسه إلى أن يهدئ من روع ذلك “الصحافي” بيديه! كأن السؤال الأكثر أهمية في تلك اللحظة “مَن يصنع رأي مَن، الصحافي أم الحاكم الأميركي المحتل؟”.

مثل ذلك “الصحافي” كأنه جاء إلى المؤتمر الصحافي ليحتفل أو ليعبر عما يكنه، وليس لنقل المعلومة.

تكرر المشهد الاحتفالي الناقم أو المبتهج بعد سنوات بطريقة أخرى عندما أقدم “صحافي” في القاعة نفسها برمي الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بحذائه! هل أقدم على هذا الفعل بوصفه ناقما على احتلال بلاده، أم بوصفه صحافيا يجهد للحصول على المعلومة؟ لا ضير أن نعود إلى جملة سابقة هنا “الصحافي لا يقول أنا فعلت، بل بكل تواضع يقول سمعت وشاهدت”.

يمكن أن نستنسخ الصورة نفسها بطريقة أخرى مع إعلان خبر رحيل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، فردود الأفعال لم تكن عن خبر الموت نفسه الذي خلا من المفاجأة، ردود الأفعال كانت المفاجأة نفسها بما أقدم عليه الكتّاب والصحافيون في تصريحاتهم المعلنة وآرائهم المكتوبة.

بعضهم لم يخف دموعه وشعبويته وحزنه العميق، كان بإمكانه أن يُعبر عن ذلك بوصفه إنسانا يمتلك رأيا لما يجري، وليس كصحافي، فيما كان آخرون متطرفون في رأيهم بنفس درجة تطرف كاسترو نفسه، كما فعلت زوي ويليامز في صحيفة الغارديان التي طالبت بأن ننسى أي شيء متعلق بفيدل كاسترو، إلا كونه كان دكتاتورا!

على أي حال، ليس الصحافيون وحدهم مثلوا انقسام الرأي بشأن رحيل كاسترو، الصحف نفسها وجدت نفسها منقسمة، في التقارير وكتابة الآراء والأعمدة.

هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” وضعت خبر الرحيل المتوقع في مستهل نشراتها الإخبارية وتابعت كل تداعياته وأجرت حوارات مع العديد من السياسيين اليساريين من بينهم زعيم حزب العمال جيرمي كوربين، وعمدة لندن الأسبق كين ليفينغستون اللذان قدما التحية، بينما غالبية الصحف البريطانية ازدرت كاسترو ولم تعتبره بطلا، بل وصفته بـ “المفترس لحرية الصحافة”.

صحيفة صنداي تايمز اعتبرت أن خبر الوفاة قسّم العالم ما بين النظر إلى رمز ثوري وطاغية قاتل.

الغارديان اعتبرت أن هذا الرجل قسّم العالم في موته كما في حياته، بالنسبة إلى البعض هو بطل الثورة التي وقفت في وجه الولايات المتحدة، بينما يرى فيه آخرون مجرد دكتاتور يسحق حقوق الإنسان.

في غالبية الأعمدة والآراء التي نشرت في الصحف البريطانية تفوق بفارق كبير وصف “طاغية قاتل” على “رمز الثورة”، كان مُغريا الاعتقاد بأن التاريخ قلب صفحة بشأن كاسترو، لكن الخيار لم يكن متاحا أمام وسائل الإعلام، بغير أن تبرز خبر الوفاة وتداعياته، ومن دون أن تتردد في وصفه بالدكتاتور، فهو كاد يتسبب في حرب نووية تبيد العالم. كاسترو بطل في نظر الكثيرين، لكنه أيضا كان بطلا في صناعة أكبر الأزمات في العالم.

كاسترو ليس والت وايتمان تداعب لحيته الفراشات

اتفقت الصحف البريطانية على أنه لم يكن في مهمة سهلة، لكن إعادة النظر إليه اليوم لا يجب أن تكون بعدسة القرن الحادي والعشرين، إنه جزء من تاريخ قرن سابق انقضت فيه الأمور بغير ما هي عليه الآن.

رسام الكاريكاتير في الغارديان اختار أن يكون كاسترو الزعيم المتماسك، عندما رسمه والسهام تثقب قبعته، بينما الخناجر تخترق لحيته وتنغرس في فكه، وزجاجة نظارته تهشمت، فيما بقي كما هو يدخن سيجاره برباطة جأش قل نظيرها.

فيدل كاسترو في هذا الرسم الكاريكاتيري ليس والت وايتمان تداعب لحيته الفراشات، بل تنغرز فيها السيوف. مهما يكن من أمر، فوسائل الإعلام اعترفت في النهاية بأن كاسترو كان محظوظا أكثر من أي زعيم جدلي آخر، لأنه بقي على قيد الحياة، ولم يقتل مع كل الدسائس والمؤامرات التي حيكت ضده. وتلك قصة صحافية تغري حقا باستعادة فصولها التاريخية.

لم يتوقف التاريخ في كوبا، لكن الحانات أغلقت أبوابها، وتوقف لاعبوا البيسبول وعلق الموسيقيون غيتاراتهم على الرفوف، وتلك قصص صحافية لا يمكن أن تتجاهلها وسائل الإعلام.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
المزيد

 
>>