First Published: 2016-12-05

الغياب الاوروبي... من خلال الانحدار الفرنسي

 

انتهى زمن الزعماء الكبار في أوروبا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

كان جاك شيراك آخر رئيس حقيقي لفرنسا. منذ خروج شيراك من قصر الاليزيه في أيار ـ مايو من العام 2007، فقدت فرنسا ما بقي من مكانة لها على الصعيدين الداخلي والخارجي. فقدت الكثير من بريقها وما كان يسمّى عظمة فرنسا. باتت دولة شبه عادية ليس في استطاعتها سوى لعب أدوار هامشية، حتّى في مناطق كانت تعتبر في الماضي مناطق نفوذ لها.

يستطيع كلّ من يشعر بحاجة الى التأكّد من ذلك، مراجعة الموقف الفرنسي من النظام السوري وذلك منذ ما قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط ـ فبراير 2005.

لعبت فرنسا، وكان لا يزال شيراك رئيسا، دورها في مجال مساعدة لبنان في الوقوف على رجليه في وقت كانت إيران تسعى الى إحلال وصايتها على البلد لملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب العسكري السوري بعد شهرين واسبوع على جريمة تفجير موكب رفيق الحريري.

سيكون صعبا على فرنسا استعادة وضعها. كانت نتائج السياسة الخارجية لنيكولا ساركوزي، الذي خلف شيراك، ذات طابع كارثي أكثر من ايّ شيء آخر. عمل ساركوزي على إعادة تأهيل بشّار الأسد ودعاه الى باريس. أظهرت فرنسا، على الرغم من كلّ ما تعرفه عن الوضع الداخلي السوري، انّها دولة تتبع سياسة لا علاقة لها بالمبادئ من قريب او بعيد. كانت سياسة ساركوزي ومساعديه الأساسيين، في مقدّمهم كلود غيان الذي رافقه عندما كان في وزارة الداخلية وفي قصر الاليزيه، تتسم بالانتهازية ولا شيء آخر غير الانتهازية. ليست الفضائح المالية، بما في ذلك الاموال الليبية، سوى نموذج حيّ على ما كان عليه عهد ساركوزي الذي لم يستطع الحصول على ولاية ثانية.

هل من رئيس فرنسي يملك ذرة من المنطق يدعو بشّار الأسد الى احتفالات اليوم الوطني الفرنسي ويراهن في الوقت ذاته على امكان إعادة التعاطي معه وعلى احتمال إخراجه من تحت الهيمنة الايرانية... في مرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري ورفاقه؟

كانت لدى جاك شيراك بعض المبادئ. كان يعرف ان النظام السوري، غطّى في اقل تقدير، الجريمة التي كان الهدف الاوّل منها استكمال عملية وضع اليد على لبنان. وهي جريمة لا تزال فصولها مستمرّة الى اليوم. لم يتراجع عن مواقفه قيد انملة. كان بعيد النظر الى درجة حذرّ جورج بوش الابن من اجتياح العراق. كان يعرف تماما ماذا يعني القيام بعملية عسكرية من هذا النوع من دون اعداد كاف لمرحلة ما بعد صدّام حسين ونظامه.

جاء نيكولا ساركوزي ليضع فرنسا في موقع الدولة الاوروبية المستعدة لكلّ أنواع المساومات. بالنسبة اليه، كلّ شيء قابل للبيع والشراء. بدأ في عهده الانحدار الفرنسي الذي بلغ ذروته في عهد فرنسوا هولاند الذي لم يتجرّأ على خوض الانتخابات من اجل ولاية ثانية. هذا حدث نادر في تاريخ الجمهورية الفرنسية. تكفي قراءة للكتاب الممتع الذي وضعته فاليري تريفيلير، التي كانت رفيقة هولاند في السنوات الاولى من عهده الرئاسي لاكتشاف من هذا الرجل الذي وصل الى السلطة بصفة كونه "اشتراكيا". من بين ما تورده تريفيلر التي اقامت في البداية مع هولاند في الاليزيه ان الرئيس الاشتراكي يحتقر الفقراء ويصفهم بانّهم "بلا اسنان". كتبت تلك المرأة التي ترك هولاند رفيقته السابقة سيغولين رويال من اجلها، علما ان لديه منها أربعة أولاد، ان الرئيس "الاشتراكي" لا يرتاد الّا المطاعم الفاخرة ذات النجوم التي منحها إياها دليل المطاعم "ميشلان".

يختزل ساركوزي وهولاند ما آلت اليه فرنسا وربّما أوروبا كلّها. لم يعد لأوروبا دور على الصعيد العالمي. تبقى المانيا الاستثناء الوحيد. لكن لهذه الدولة التي تمتلك اقتصادا قويّا حسابات خاصة بها تجعل سياساتها تتّسم بالحذر الشديد في كلّ مناطق العالم. لعلّ أفضل تعبير عن هذه السياسات الألمانية شخصية المستشارة انجيلا ميركل التي تفادت ايّ مواجهة مع فلاديمير بوتين الذي لم يتردّد في تحدي العالم، عبر أوكرانيا وارسال سلاحه الجوّي الى سوريا. الى ذلك، فضلت ميركل اتخاذ مواقف متذبذبة من المأساة السورية ومن تركيا ومن المشروع التوسّعي الايراني كاشفة انهّا لا تعترف سوى بالمصالح الألمانية وكيفية حمايتها بعيدا عن ايّ أوهام أوروبية.

سيسير الوضع الاوروبي من سيّء الى أسوأ. سيخلف هولاند فرنسوا فيّون على الأرجح، وهو رجل باهت لا علاقة له من قريب او بعيد بمبادئ الجمهورية الفرنسية، خصوصا انّه من الذين سقطوا في فخّ الاعتقاد ان النظام السوري يشنّ حربا على الإرهاب، في حين انّه يشنّ حربا على شعبه... وقد تنحدر أكثر بإتجاه مارين لوبين!

انتهى زمن الزعماء الكبار في أوروبا. كشفت سوريا كم صارت فرنسا صغيرة. وكشف خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي اثر استفتاء الصيف الماضي كم ان هذا البلد صار عاديا وكم انّ هموم البريطانيين صارت داخلية.

من بين ما تميّزت به السنوات الثماني لعهد باراك أوباما ذلك الابتعاد عن أوروبا. لم تعد للولايات المتحدة أي اهتمامات أوروبية تذكر. لم يعد حلف الأطلسي في صلب السياسة الاميركية. ترك أوباما فلاديمير بوتين يفعل ما يشاء في أوروبا وخارج أوروبا ويتركه يحوّل حلف الأطلسي الى مهزلة، خصوصا عندما رفض إقامة علاقات متميّزة مع تركيا. جعل ذلك الرئيس رجب طيب أردوغان في حال من اللاتوازن يُعتبر التقارب بينه، من جهة، وبين روسيا وإيران من جهة اخرى أفضل تعبير عنها.

في ظلّ غياب الاهتمام الاميركي، لم تستطع أوروبا استعادة مكانتها الدولية. زاد في الطين بلّة غياب الزعامات الاوروبية. لم يعد الامن الأوروبي ـ الاميركي امنا واحدا وذلك للمرّة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية. هل الى هذا الحد غيّر باراك أوباما العالم، الى حدّ لم تعد فرنسا فرنسا وبات في الإمكان الاعتقاد ان الاتحاد السوفياتي خرج رابحا من الحرب الباردة وان فلاديمير بوتين بات قادرا على الانتقام لسقوط جدار برلين وان إيران تستطيع ان تتمدّد الى حيث تشاء من دون حسيب او رقيب وصولا الى الشاطئ اللبناني مرورا بحلب وحماة وحمص وبيروت.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
أوروبا في مهبّ الريح
2017-03-27
ما يجمع بين المغرب والأردن
2017-03-26
متظاهرون لبنانيون من عالم آخر
2017-03-24
مجازفة انتزاع العراق من ايران
2017-03-22
الوجه الآخر للحرب اليمنية
2017-03-20
في المغرب... إصلاحات في الإصلاحات
2017-03-19
السعودية الجديدة... من يريد اخذ العلم؟
2017-03-17
لماذا لا يطرح خيار الدولة الواحدة
2017-03-15
سلاح لبناني اسمه القرار 1701
2017-03-13
اميركا مكان ايران في سوريا!
2017-03-12
المزيد

 
>>