First Published: 2016-12-06

امتياز الطعام والكلام

 

إذا كان المرء سيصل إلى مستويات أفلاطونية بقلة الكلام، فإنه سيرتقي بصفاء ذهنه من أجل أن يفكر بسلاسة وهو ينهي يومه من دون أن يتناول غير وجبات من الخضروات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

كلنا نتكلم، لكن من يمتلك امتياز الكلام؟ مثلما كلنا نأكل لكن من يسيطر على شراهته وينتقي بأناة طعامه؟ ذلك هو امتياز الطعام. الكلام والطعام أسوأ ما يصاب به الإنسان، فكلاهما سبب للإصابة بـ”الثول” وهو مرض شائع في كل مجتمعات العالم يجعل من حساسية الإنسان في أوطأ درجاتها بطريقة تعامله مع الآخرين، فالأثول هو الأحمق البطيء الفهم والإحساس.

المرء ببساطة سيكون أثولا عندما يقف في طريق الآخرين بشارع ضيق ومن دون أن يشعر بأنه يسد الطريق، وسيكون أثولا عندما يحتك بقصد أو من دون قصد بشخص آخر لا يعرفه، من دون أن يسرع بالاعتذار إليه.

الكلام أيضا هو طريق للإصابة بهذا المرض، إن لم يسيطر الإنسان على ما يقول، حتى إذا كان يتحدث في الهاتف! سيكون الإنسان الكيس موضع احترام بالنسبة إلى الناس، كل الناس، لكن الثرثار موضع ازدراء وانزعاج حتى إذا كان يقع أمامنا في طريق المصادفة.

كان رجل آسيوي يجلس قبالتي في القطار يتحدث بهاتفه بصوت عال مسببا الإزعاج لكل المسافرين، ومع أننا في قطار لندني، إلا أنه كان يتحدث بلغة لا أحد يعرفها من الجالسين، مما زاد من مستوى الإزعاج، بينما كان على الطرف الآخر في العربة شاب إسباني مع صديقته يتحدثان ويمزحان بصوت عال ومبالغة مزعجة تنافس حدة الآسيوي الذي بدا أقرب إلى شجار مع الهاتف منه إلى كلام.

لقد غادرت القطار بعد أربعين دقيقة ولم يتوقف ذلك الرجل عن الكلام، فهل بمقدوره بعد كل ذلك الوقت الذي قضاه أن يعي امتياز الكلام! من البساطة أن ندرك قيمة الكياسة، وما معنى أن يكون المرء ثرثارا، وهو نوع من الثول يقتل الإحساس بالمسؤولية تجاه مشاعر الآخرين، ذلك يجعل من السكوت امتيازا ليس من السهولة الاستحواذ عليه، سترتقي أحاسيس الإنسان إلى مستويات أفلاطونية عندما يقضي يومه وهو لم يتحدث أكثر مما يحتاجه فعلا من كلام.

الطعام امتياز آخر، لكنه لا يمس الآخرين إلا بقدر الذوق عندما يكون بصحبتهم، لكن لو قدر للإنسان أن يسيطر على شراهته وشهيته، لكان في مزاج رائق يفوق التصور، الطعام أيضا طريق آخر للإصابة بالثول!

إذا كان المرء سيصل إلى مستويات أفلاطونية بقلة الكلام، فإنه سيرتقي بصفاء ذهنه من أجل أن يفكر بسلاسة وهو ينهي يومه من دون أن يتناول غير وجبات من الخضروات وأكثر من عشرة أقداح من الماء. ألا تأكل كثيرا يعني أن تفكر كثيرا، ومن يفكر هو بالضرورة امرؤ لا يقترب منه الثول.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>