First Published: 2016-12-07

غير المسلمين.. مواطنون لا جوالي

 

الإسلام السياسي يسمي غير المسلمين بالجالية ثقافة، وليس سقطة قلم أو زلة لسان.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

كنا في موسم أصيلة الثقافي، وفي جلسة جمعت أهل الثقافة والبحث، فسألت أديبة وروائية مرموقة، مستغربة مِن اعتبار «داعش» لمسيحيي الموصل «جالية»، بينما هي وقومها مِن الأصلاء داخل العراق، وجذورهم متصلة بالسريان والكلدان القدماء. فأجبتها أن هذه التَّسمية للأسف متورط بها تُراثنا الفقهي، و«داعش» لم تأت بجديد. فردَّ عليَّ أحد المشتغلين بالبحث مستنكراً ما قلته، على أن التَّاريخ خالٍ مِن هذه التَّسمية، وما هي إلا تسمية جديدة! في وقتها لم أقل ذلك عن تكهنٍ وإنما عن تأكيد، لكنّ صاحبنا ظل معانداً.

لم ينفرد «داعش» بتسمية هؤلاء الأُصلاء بالجوالي، بل قوى الإسلام السياسي كافة يغرف بعضها مِن بعض، فالأصل واحد وهو الحاكمية، سواء كانت لدى المودوي (ت1979)، وما تفرع عنه، أو الخميني (ت1989) وما تفرع عنه أيضاً. فأعيدت هذه التَّسمية مجدداً مِن قِبل دولة الخلافة «داعش» في الموصل مِن العراق وفي الرّقة مِن الشَّام. كذلك وردت في كتاب رسمي لأمانة مجلس الوزراء العراقي في عهد أمين حزب الدَّعوة نوري المالكي، ما نصه: «الموضوع/طلبات الجالية المسيحية في العاصمة بغداد» (رقم الكتاب: ش و8/1/3/42/1238 والمؤرَّخ في: 27/7/2007)، مما أدى إلى الاستياء والاعتراض، لاستخدام هذه التَّسمية، مِن قِبل رهبان وقساوسة. بينما ذُكروا في العهود السَّابقة كمواطنين (راجع الدليل العراقي الرَّسمي 1936 ودليل الجمهورية العراقية 1960).

إن مفردة «الجوالي» لها دلالتها في قلع غير المسلمين مِن الجذور، وتكريس الغربة في نفوسهم، وما فيها مِن إهانة واستضعاف. فقد ورد معنى الجالية في أوائل قواميس العربية: «الذين أُجلوا عن أوطانهم، ويُقال استعمل فلان على الجالية، أي جزية أهل الذِّمة» (الجوهري، الصِّحاح). كذلك ورد مصطلح «الجوالي»، ومفردها جالية، مرادفاً لأهل الذِّمة: «والجلاء- ممدود- أن يجلو قومٌ عن بلادهم، أي يتحولون عنها، ويدعُونها، يُقال: أجليناهم عن بلادهم، فجلو وأجلو، أي تنحّو، والجالية هم أهل الذِّمة، والجمع جوالي» (ابن عباد، المحيط في اللغة).

لعلَّ أول الكتب التي جاء فيها ذِكر أهل الذِّمة بالجوالي «كتاب الخراج» لأبي يوسف (ت182هـ)، صنف كتابه بتوجيه مِن الرَّشيد (ت193هـ). قال: «إن أمير المؤمنين، أيَّده الله تعالى، سألني أن أضع له كتاباً جامعاً، يعمل به في جباية الخراج، والعشور، والصَّدقات، والجوالي». جاء في حاشية «كتاب الخراج»: «سميت بذلك لأن عمر بن الخطاب أجلاهم عن الجزيرة فعُرفوا بالجالية، ثم نُقلت اللفظة إلى الجزية التي أُخذت منهم، ثم استعملت في كلِّ جزية تؤخذ، وإن لم يكن صاحبها جلا عن وطنه» (نفسه).

يذكر ابن الجوزي (ت597هـ)، ضمن ما يرويه مِن أخبار السَّنة 425ه، ما يؤكد أن أموال الجوالي بمعنى أموال الجزية، أي ما تختص بأهل الذِّمة: «فتحوا الجوالي وطالبوا أهل الذِّمة بها» (المنتظم). كذلك سُمّيَ محمد بن يحيى بن فضلان (ت631هـ) بوالي الجوالي: «ووليّ النَّظر بديوان الجوالي، واستيفاء ثروات أهل الذِّمة» (الحوادث الجامعة).

نزيد في التأكيد أن هذا المصطلح المؤذي قد أُطلق على غير المسلمين واقترن بفرض الجزية. قال تقي الدِّين المقريزي (ت845هـ): «فأما الجزية وتُعرف في زماننا بالجوالي، فإنها تُستخرج سلفاً وتعجيلاً في غرَّة السَّنَّة في ما مضى، (لكنها) قلَّت جداً لكثرة إظهار النَّصارى للإسلام في الحوادث التي مرت بهم» (المواعظ والاعتبار).

جاء مصطلح «الجوالي» مؤذياً إقصائياً، يُثقف لتهجيرهم عن أرض أصلحوها وشيَّدوا العمران عليها، وما يقع على أهل الذِّمة مِن تعسفٍ كقول الطَّبيب أبي القاسم هبة الله بن فضل (558هـ): «كالمفلس مِن يهود هطرى/في قبضة عامل الجوالي» (ابن أبي أُصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء).

ما فعله «داعش» أراد فعله والي الجوالي ابن فضلان عندما كتب رقعةً للخليفة النَّاصر لدين الله (ت622هـ)، أن يُعاملوا بمذهب غير مذهب أبي حنيفة النُّعمان (ت150ه)، إمام السّهولة والتَّسامح، لكن الخليفة لم ينظر في رقعته (الحوادث الجامعة)، فقد أراد إبعادهم من مهن الطب ومِن كلِّ حِرفة، وأن تؤخذ منهم الجزية بالطَّريقة التي يراها. كذلك لم تخلُ كُتب الحُسبة، التي اعتمدتها السلفيات الجهادية، مِن التَّشكيك في إنسانيتهم (انظر: ابن الأخوة، معالم القرية في أحكام الحُسبة).

يبقى الإسلام السياسي، إن اعتدلَ أو تطرفَ، ينظر إلى غير المسلم مِن منظور قبل ألف عام، على أنه طارئ، وإن اقترب منهم ظاهرياً، فلسياسةٍ فُرضت عليه، لا يؤكل طعامه ويُعاشر بحذر. أعدُّ تسميتهم بالجالية ثقافة، وليس سقطة قلم أو زلة لسان، بتجريدهم مِن دورهم في تاريخ العراق وحضارته، وتاريخ المنطقة كافة، ثقافة تجعلهم ينظرون إلى الخارج، وكأن هذه البلاد ليست بلادهم. لا تستقر البلدان ولا يسودها التَّسامح والتَّعايش إذا ظلت مشدودة لمصطلحات الماضي وممارسته.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
البارزانية.. مكانٌ أم عشيرةٌ؟
2017-09-20
«حزب الله» و«داعش».. عودة «الحُميْمة»!
2017-09-08
النّساء.. الاستجابة لـ«زمن الضَّروة»؟!
2017-08-30
تجديد الفكر الإسلامي.. أم تدويره؟
2017-08-23
الفكر الإسلامي.. نتاج أزمنة وظروف
2017-08-17
عِمامة الصَّدر إلى السُّعودية.. ليست الأُولى
2017-08-09
عتاب صاحبي الفلسطيني حقٌ.. ولكنْ!
2017-08-02
التعليم الديني.. سرطان العقل العراقي
2017-07-26
الموصل.. بين مزغرد ومتردد
2017-07-19
كرار نوشي.. ثمرة تحريض المنابر
2017-07-12
المزيد

 
>>