First Published: 2016-12-07

التوفيق بين ايران وبوتين

 

كيف يمكن لترامب ان يكون مع فلاديمير بوتين وضدّ ايران في الوقت ذاته؟ هل يمكن التفريق بين الحسابات الايرانية والحسابات الروسية؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

تقترب السنة 2016 من نهايتها سريعا. يقترب الشرق الاوسط، سريعا أيضا، من مرحلة جديدة عائدة الى تحولات كبيرة. من بين ابرز مظاهر هذه التحوّلات سقوط متوقّع لمدينة كبيرة مثل حلب في يد ايران وميليشياتها المذهبية اللبنانية والعراقية وغيرها بفضل الغطاء الجوي الذي تؤمّنه روسيا.

ليس سقوط حلب السورية المتوقّع، الذي سيترافق على الارجح مع سيطرة "الحشد الشعبي" على الموصل العراقية قبل نهاية السنة، سوى تعبير عن بداية قيام الشرق الاوسط الجديد الذي تسعى قوى غير عربية إقليمية وغير إقليمية الى تأكيد نفوذها الإقليمي من خلاله.

ليس سرّا من يتقدّم هذه القوى. تتقدّمها ايران وروسيا وهناك أيضا تركيا وإسرائيل... فيما اعتمدت الولايات المتحدة موقف المتفرّج وكأنّها غير معنية بما يجري وانّ همها الوحيد استرضاء ايران وحماية الاتفاق في شأن ملفّها النووي الذي دفعت ثمنه الكثير، بل الكثير جدا من حساب الغير، خصوصا من حساب الشعب السوري وثورته الحقيقية التي لا يمكن الّا ان تنتصر يوما.

كشفت السنة 2016 خفايا كثيرة. من بين ما كشفته الأسباب التي دعت إدارة أوباما الى تجاهل "الخطّ الأحمر" للرئيس الاميركي عندما استخدم بشّار الأسد السلاح الكيميائي في الحرب على شعبه صيف العام 2013. كلّ ما في الامر انّ الولايات المتحدة كانت منهمكة في مفاوضات مع ايران في شأن الملفّ النووي. لم يكن قتل بشّار الأسد الفا او الفين من مواطنيه بالسلاح الكيميائي امرا يستأهل التوقّف عنده في تلك المرحلة. فمن اجل عيون ايران والتوصّل الى صفقة ما معها، لا تعود لآلاف المواطنين السوريين قيمة تذكر. كان لا بدّ من حماية الاتفاق النووي الذي توصلت اليه مجموعة الخمسة زائدا واحدا مع ايران في صيف العام 2015 اكثر من ضرورة. كان أولوية أميركية لا يمكن ان تعطلها أرواح السوريين، حتّى لو كان عدد الأرواح التي زهقت تجاوز الى الآن نصف مليون، استنادا الى التقارير الدولية الشديدة التحفّظ.

لن يعود وجود للمدن العربية في الشرق الاوسط الجديد. دمّرت حلب بعد تدمير حمص وحماة وبعد تدجين دمشق. تغيّرت طبيعة دمشق كلّيا بوسائل مختلفة، من بينها الاتيان بمجموعات سكانية جديدة اليها وتدمير مناطق قريبة منها بالكامل... وعن طريق شراء عقارات فيها. يتمّ كلّ شيء بموجب خطة مدروسة بدقة تستهدف الانتهاء من المدن السورية الكبيرة التي اكتشف الايرانيون، ومعهم الروس، انهّا متمرّدة على النظام الذي أقامه حافظ الأسد وترفض الخضوع له. درس حماة 1982 لم يكن كافيا في ما يبدو كي تتربّى المدن السورية الكبيرة وكي يتوقف المواطن العادي عن طرح أسئلة مرتبطة بطبيعة النظام الاقلّوي الذي اسّس له حافظ الأسد وسرّ بقاء الجولان محتلّا منذ نصف قرن الّا سنة واحدة بالتمام والكمال.

ثمّة حاجة الى التفكير أيضا في مصير المدن العراقية. تغيّرت طبيعة بغداد على نحو جذري. كذلك طبيعة البصرة التي صارت معظم احيائها اقرب الى احياء المدن الايرانية، او على الاصحّ ضواحي المدن الايرانية.

جاء الآن دور الموصل التي دخل اليها "داعش" في العام 2014 عندما كان رجل ايران نوري المالكي رئيسا للوزراء في العراق. حصل كلّ شيء بظروف مريبة لم تتضح الى الآن. قد تتضح هذه الظروف في يوم قريب عندما يجتاح "الحشد الشعبي"، أي ميليشيات الأحزاب المذهبية العراقية، هذه المدينة العراقية العريقة التي فيها اقليّة تركمانية ذات وجود تاريخي فيها.

سيقوم الشرق الاوسط الجديد على انقاض المدن العربية المهمة في سوريا والعراق وحتّى لبنان الذي تعرضّت فيه بيروت وما زالت تتعرّض لكلّ أنواع الهجمات من اجل محو دورها، خصوصا في مجال التعايش بين اديان وقوميات وثقافات مختلفة.

هل يتغيّر شيء مع رحيل باراك أوباما من البيت الأبيض وحلول دونالد ترامب مكانه؟ كيف يمكن لترامب ان يكون مع فلاديمير بوتين وضدّ ايران في الوقت ذاته؟ هل يمكن التفريق بين الحسابات الايرانية والحسابات الروسية؟

هذا السؤالان سيطرحان نفسهما بحدّة في الأشهر القليلة المقبلة. سيتبيّن عاجلا ام آجلا هل ترامب يمتلك سياسة واضحة ومحدّدة، او على الاصح هل يعرف شيئا عن الشرق الاوسط والخليج وهل يعرف خصوصا انّ هناك حلفاء تقليديين للولايات المتحدة في المنطقة.

سيتوقّف الكثير على ما اذا كان الرئيس الاميركي الجديد الذي سيتولى مهمّاته رسميا في العشرين من الشهر المقبل سيعتمد على خبراء اميركيين في الشرق الاوسط يعرفون ان الإرهاب هو الإرهاب وانّ لا فارق بين إرهاب سنّي وإرهاب شيعي. هناك "داعش" السنّي وهناك "دواعش" شيعية. هناك ارتباط بين "داعش" و"الدواعش" بطريقة او باخرى ونوع من التواطؤ بين الطرفين اللذين دخلا في تنافس على من هو اكثر الماما بالوحشية وفنون الإرهاب.

قد يتغيّر شيء اذا اقتنع ترامب في نهاية المطاف ان ليس في استطاعته اختزال مشاكل الشرق الاوسط كلّها في الملفّ النووي الايراني والاتفاق الذي تمّ التوصّل اليه في شأن هذا الملفّ. هذا الاتفاق لا يحلّ أي مشكلة في الشرق الاوسط والخليج. على العكس من ذلك، انّه يوفّر فرصة لإيران كي تزداد عدوانية وكي تتابع مشروعها التوسّعي من دون حسيب او رقيب.

تبقى نقطة أخيرة لن يستطيع ترامب الّا التوقّف عندها. تتمثل هذه النقطة في انّ هناك وجودا عربيا في المنطقة لا يمكن تجاهله. تعبّر الجولة الخليجية التي يقوم بها الملك سلمان بن عبدالعزيز والتي بدأها بأبوظبي حيث كانت له محادثات طويلة مع الشيخ محمّد بن زايد وليّ العهد فيها، عن إرادة عربية ترفض القبول بالامر الواقع الذي تحاول ايران وروسيا وتركيا واسرائيل فرضه في المنطقة. سيتبيّن في نهاية المطاف ان العرب ليسوا هامشيين وان لديهم صوتهم على الرغم من حال الضعف السائدة حاليا والتي مكنت ايران من ان تسرح وتمرح في العراق وسوريا وفي لبنان الى حدّ كبير. المقاومة العربية ستستمرّ على الرغم من انّه ليس مضمونا ان يتخلّى ترامب عن الخط الذي اعتمده سلفه، وهو خط قائم على فكرة انّ الارهاب سنّي وان التخلص من المدن العربية جزء من التخلص من هذا الإرهاب.

في السنة 2017، ستظهر أمور كثيرة، بما في ذلك الفارق بين أوباما وترامب، علما انّه سيظل السؤال الذي سيتحكّم بالمعادلة الشرق أوسطية والخليجية كيف وضع حدّ للعدوانية الايرانية القائمة على الاستثمار في الغرائز المذهبية من جهة والتعاطي بشكل إيجابي من جهة اخرى مع فلاديمير بوتين، الشريك في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري، في الوقت ذاته؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
السهل والصعب في القمّة العربية
2017-03-29
أوروبا في مهبّ الريح
2017-03-27
ما يجمع بين المغرب والأردن
2017-03-26
متظاهرون لبنانيون من عالم آخر
2017-03-24
مجازفة انتزاع العراق من ايران
2017-03-22
الوجه الآخر للحرب اليمنية
2017-03-20
في المغرب... إصلاحات في الإصلاحات
2017-03-19
السعودية الجديدة... من يريد اخذ العلم؟
2017-03-17
لماذا لا يطرح خيار الدولة الواحدة
2017-03-15
سلاح لبناني اسمه القرار 1701
2017-03-13
المزيد

 
>>