First Published: 2016-12-08

هل نفعنا الصبر؟

 

صبر العرب على الكوارث التي أصابتهم بسبب يقينهم بأن المؤمن مبتلى. ولكن البلاء صار عنوان حياتهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ربما مل الصبر من صبر العرب. لقد أخرجوا الصبر من طوره. لا يفهم الصبر كيف اتسعت منطقته بسبب الصبر العربي. إنها علاقة غامضة، طرفاها الصبر والعرب الصابرين بطريقة تدهش الصبر نفسه.

لقد انتهى الصبر ولم يستهلك العرب ما بقي في خزانتهم من صبر.

صبروا على الذل بالرغم من أنهم لم يتخلوا عن غرورهم القائم على أوهام صلتهم بماض عريق. صبروا على الفقر، بالرغم من أن ثرواتهم كانت مصدر سعادة بالنسبة للآخرين. صبروا على هزائمهم بالرغم من أنهم أول أمة في التاريخ ترف شعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة". صبروا على الطغيان بالرغم من أنهم كانوا يرددون مقولة خليفتهم العادل عمر "لقد ولدتكم أمهاتكم أحرارا".

استعبدهم الصبر فصاروا عبيدا مجازيين.

خانهم الصبر فصاروا يحنون إلى صبر أكثر وفاء.

لعنهم الصبر فصاروا يتسولون رحمته.

صنعوا من صبرهم تماثيل للطغاة. يعبدونها حينا ويأكلونها حينا آخر وهم يستعيدون أيام جاهليتهم. ولكن الصبر قليل فيما كان الصابرون يتكاثرون. ولهذا لم يعد الصبر فعلا نادرا. كثرة الصابرين خلقت من الصبر فعلا استهلاكيا، لا يمت إلى الشجاعة أو الجرأة بصلة.

صحيح أن ما صبر عليه العرب لم يصبر عليه أحد، غير إن صبرهم لم يتحول إلى خبرة تنفعهم في مجال تعلم فن العيش. صبروا من أجل أن يمضي الوقت بسلام. صبروا من أجل أن لا يتفاقم الضرر ويزيد الألم.

كان صبرهم نوعا من النفاق الذي لا يكشف عن حقيقة ما صبروا عليه.

لو أن أحدا فعل ربع ما فعلوه لأتهموه هم أنفسهم بالجبن والخنوع. ولكنهم حين استسلموا للصبر كانوا يرون حياتهم في مكان آخر. وهو مكان هيأه لهم فكرهم القدري. لم يكن الصبر إلا جسرا للعبور إلى ذلك المكان الخيالي.

مدهشة قدرة الإنسان على الوقوف أمام أسباب هزيمته كما لو أنه يقف امام الباب التي تؤدي إلى نجاته، باعتباره كائنا مختارا للاختبار الإلهي.

صبر العرب على الكوارث التي أصابتهم بسبب يقينهم بأن المؤمن مبتلى. ولكن البلاء صار عنوان حياتهم. اما إذا تعلق الأمر بكربلاء، وهي من وجهة نظر لغوية كر وبلاء فإن المصيبة ستكون أكثر ايلاما.

لم يؤد كل ذلك الصبر التاريخي إلى نتيجة تُذكر.

لم يحل الصبر المشكلة.

لقد صنع المصريون بصبرهم الاهرامات فكانت رمزا لعبوديتهم.

انتقم الليبيون من أخيهم الأكبر القذافي فلم يحررهم انتقامهم من عقدة هامشيتهم.

حاول اليمنيون أن يستبدلوا رئيسا برئيس فكانت النتيجة حربا أطاحت بهم جميعا.

أما السوريون فإنهم يلتفتون إلى أربعة عقود من حكم عائلة الأسد وهم يفكرون بمطبخهم الذي غزا العالم.

العراقيون كانوا أفذاذا في صبرهم. فمن صدام حسين إلى مرجعية النجف كانت الطرق سالكة أمامهم. لقد رقصوا لصدام حسين بالطريقة نفسها التي صاروا يتعبدون من خلالها بما يرضي فتاوى المرجعية الدينية.

من الصعب أن يُتهم شعب كامل بالنفاق. ولكنها حقيقة لا تقبل اللبس.

ما صبر عليه العراقيون زمنا طويلا صار جزءا من عاداتهم اليومية. وليس غريبا على المصريين أن يجدوا في العسكر حلا لأزماتهم وهم الذين لم يتعرفوا على حياة أخرى غير تلك الحياة التي اقترحتها عليهم ثورة يوليو عام 1952 التي كان حسني مبارك وارثها.

لقد توقع الكثيرون أن تضع حادثة انتحار الشاب التونسي محمد البوعزيزي حدا لخرافة الصبر العربي. توقع لم يكن في محله. ذلك لأن الأمة لا تملك خيارا بديلا للصبر. فإذا ما كان الصبر قد خانها فإنها ستظل وفية له.

ما لم يصبر عليه البو عزيزي وهو فرد سيكون دائما علامة لوجود أمة صابرة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لماذا الشارع وليست الحكومات؟
2017-12-11
مسؤولية العرب عما فعله ترامب
2017-12-10
لماذا لا تحاور بغداد الأكراد؟
2017-12-09
السعودية والإمارات، تعاون من أجل المستقبل
2017-12-07
'لولا الحشد الشعبي لوصل داعش إلى قلب باريس'!
2017-12-06
اللعب مع الثعابين
2017-12-05
لقد فعل العراقيون الأسوأ
2017-12-04
العرب والحلف الإيراني التركي
2017-12-03
مقاومة كذبة المقاومة
2017-12-02
جنيف 8: مهزومان على مائدة واحدة
2017-11-30
المزيد

 
>>