First Published: 2016-12-12

حاتم الجوهري يحلل سيكولوجية الصراع السياسي

 

الكتاب يأتي بعد إزاحة عدة أنظمة سياسية بطرق لم يعتدها المشهد المصري، اعتمدت على خلق 'استقطاب حدي' يقسم المجتمع إلى كتلتين إما مع أو ضد!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

انعكاس لمنظومة القيم الكلية السائدة في المجتمع

يرى الباحث د. حاتم الجوهري أن الشعوب التي تتعرض للقهر والاستبداد لفترات ممتدة من الزمن تنشأ لديها منظومة قيم سلوكية وسيكولوجية تقوم على "التكيف" والانتهازية، والتنميط الإنساني والاتباع والتقليد لـ "النمط السائد" أيا كان هذا النمط وشكله، وتحضر الفردية و"المصلحة الشخصية" والانتهازية وتغيب الجماعة والاهتمام بـ "المصلحة العامة" والمعايير الموضوعية، حيث يتحول الإنسان في هذا المجتمع لفكرة الدوافع الفردية والذاتية ويرتد لمرحلة الغرائزية البحتة على معظم المستويات، ويكتسب الفرد لامبالاة شديدة تجاه المصلحة العامة وفكرة الأخلاق والمثل العليا والمعايير الموضوعية والعلمية، ويختبئ وراء نمط سلوكي ونفسي دفاعي شائع يختصر الاهتمام بالجماعة في شعارات وأفكار أحادية مسطحة، يروجها "العقل الجمعي" الموروث والمتكيف كقيم مستقر عليها في هذا المجتمع، في مقابل تشويه المغاير وتهميشه ومحاولة تنميطه وتدجينه.

ويقول في كتابه"سيكولوجية الصراع السياسي: نقد آليات التشويه والاستقطاب" الصادر حديثا عن دار العين "عند دخول هذه المجتمعات لمرحلة التغيير الحقيقي والتحول القيمي، وعبور منظومة قيم الاستبداد والتكيف التاريخية؛ تنشأ إشكالية ملحوظة؛ فيجد دعاة "التغيير" وبناء منظومة القيم الجديدة أنفسهم أمام: الذاتية أو الانتهازية والموضوعية، لينشأ ما يشبه علم لـ "سيكولوجية التحرر" يدرس سيكولوجية المقهور، فعند محاولة تحرير المقهور من أثر الاستبداد والتنميط والخضوع لفترات طويلة موروثة من الاحتلال والقهر، من المفترض أن يمر الفرد المقهور و"المتكيف" (الذي اكتسب الانتهازية والذاتية) بمرحلتين نفسيتين حتى يصل لنقطة "السواء النفسي" أو الأصح "التصالح مع النفس" و"الرضا عن الذات".

ويضيف الجوهري أن "المرحلة الأولى سيمر بها الشخص المقهور والمتكيف مع الانتهازية؛ هي "اكتشاف الذات" للمرة الأولى! فهذه الذات كانت تخضع للقهر والتنميط وفق "النمط السائد"، وكانت "تُكيف" من نفسها لتتحقق وفق متطلبات ذلك النمط السائد.

أما عند "التحرر" من منظومة قيم القهر والتكيف والانتهازية، فستبدأ هذه الذات في اكتشاف ميولها وطبائعها التي كانت مكبوتة ومُنمطة، وستحاول هذه الذات في تلك الفترة أن "تؤكد على ذاتها"، وتسعى لمحاولة استكمال أركان ومتطلبات هذه الذات التي كانت مشوهة قبلا. وهي مرحلة طبيعية من الناحية المنطقية والنفسية لأنه في مرحلة القهر والتنميط ينتظم الجميع في أشكال اجتماعية موحدة وقهرية، لا تسمح للتباينات والتمايزات الفردية بالظهور، وعند تحرر المجتمع من الطبيعي أن تبدأ هذه التباينات في الظهور ويبدأ الأفراد في اكتشاف ذواتهم للمرة الأولى. لكن ما يلي هذه المرحلة، وفي المرحلة الثانية هو نقطة الحسم ومعيار الفرز؛ انتقال "الفرد المقهور" أو الأًصح "الفرد المحرر" من مرحلة "اكتشاف الذات" والتأكيد عليها إلى "مرحلة الموضوعية" أو "المعيارية" والتعامل مع الذات في ظل علاقتها بمنظومة المجتمع الجديد ووفق قدراتها الحقيقية والواقعية.

وأزمة التغيير في "مرحلة تحرير المقهور" أن بعض الشخصيات ستقف عند "المرحلة الأولى"، وتتعامل مع التغيير كمساحة للتطور الشخصي والفردي وتعزيز المكتسبات الفردية، بصياغة أخرى ستقف عند فكرة "الذاتية" والمصلحة الفردية القديمة، وسيصبح التغيير عندها مجرد وسيلة أو شكلا خارجيا لتبرير مصلحة فردية ليس إلا".

ويشير أن الخطوة المعتبرة والمهمة جدا، ومعيار الفرز في "علم نفس التحرر" هي ضرورة الانتقال للمرحلة التالية والعبور من الذاتي والشخصي إلى الموضوعي والمعياري، والمقصود بذلك أن يبدأ الفرد في إقامة علاقة مع ظروف المجتمع (وفق إمكانياته واختياراته الواقعية) ويشرع في تطوير منظومة قيم أعلى تتحكم في سلوكه ويخضع لها تربطه بمصلحة المجتمع! ويتجاوز الذات باعتبارها محورا للحدث والوجود، وينتقل للموضوعية ويتبنى منظومة قيم أشمل تقوم على العدل والمساواة وإتاحة الفرص والحرية الجادة و"التسكين الاجتماعي" والعام وفق القدرات والمواهب الفعلية لكل فرد.

ويكون التمثل الحقيقي لانتقال الفرد المقهور من مرحلة الذاتية والتمركز حولها إلى مرحلة الموضوعية والمعايير الواقعية: هو اعترافه بقدراته الشخصية، والمؤهلات التي يمتلكها، والتي قد تجعله في منظومة المجتمع الجديد الذي كسر فكرة التنميط ويبحث عن أصحاب المواهب في شتى المجالات؛ تجعله يعترف بقدراته المحدودة، وأنه سيكون في مجال وجوده ونطاق حركته الاجتماعية الجديدة، عاملا مساعدا لمن هم أولى بتحمل المسئولية، هنا ينتقل لممارسة نوع من الضبط لذاته، ويتجاوز مرحلة اعتبارها محورا للكون، إلى مرحلة الواقعية والموضوعية ويرى قدراته الحقيقية ويتصالح معها، ويضبط هوى نفسه.

في مثل هذه المرحلة الانتقالية ما بين منظومة "قيم التكيف" والتنميط ، ومنظومة قيم "المجتمع الفعال" والمتحرر ومتعدد الأنماط؛ علينا أن نعي بضرورة تجاوز "الذات" وضبط هوى النفس، خاصة لمن يتقدمون للعمل العام، ومن قد يتورطون بحسن نية، ويكون المعيار هنا هو القدرة على "الاعتراف بالخطأ" والتراجع عنه، والرضا بالمكانة التي تناسب إمكانيات كل فرد! ذلك هو "شرط المجتمع الفعال"، والفرز الطبيعي لأفضل مواهب المجتمع وأفضل عناصره..

ويؤكد الجوهري أن أزمة المجتمع المقهور والمتكيف والمستبد به حقيقة، هو نجاح الاستبداد في الترسيخ لفكرة التنميط وتشويه المغاير، والتأكيد على فكرة التشوه النفسي و"تصدير القهر" للغير، وصنع أنماط اجتماعية منتجة للتشوه. أهمها فكرة تمييع القيم في حد ذاتها ومحاولة المساواة بين معيار الحق والعدل ومعيار الباطل والهوى، والتأكيد على الوجود الفردي فقط والمصلحة الشخصية غير المعيارية في علاقتها مع الجماعة وأهدافها!

ويرى أن "البنية النفسية" للفرد المقهور والمنمط سيستقيم حالها في مجتمع جديد فعال وحر؛ عبر اختياره الخاص في مرحلة ما، أو عبر تطور بنية "المجتمع الفعال" ومؤسساته فيما بعد، وحين تتحول مجموعة المفاهيم والخصال الجديدة إلى "نمط سائد" في مجتمع يسعى لبناء مشروع حضاري ونموذج إنساني جماعي، يتطلع له العالم في وقت انتهت فيه قدرة النماذج الحضارية القديمة على الاستمرار بفعالية".

ويلفت الجوهري إلى سيكولوجية الصراع السياسي ليست سوى انعكاس لمنظومة القيم الكلية السائدة في المجتمع، إذا كان المجتمع في حالة من الصحة والسواء القيمي الذي يقوم على الموضوعية والعدل في توزيع الفرص والعلاقات على أفراده، ويكون "الدمج والتسكين" الاجتماعي للأفراد ذاتها يتم وفق قواعد شفافة ووفق منظومة تفرز أفضل ما في المجتمع.. فإن قدرة الأفراد الانتهازيين على التحايل على هذا النظام الاجتماعي عن طريق الحيل و"الفهلوة" ستضعف إلى أن تختفي!

أما إذا كانت منظومة العلاقات الكلية في المجتمع تقوم على التنميط و"التكيف" و"فرض النمط" الواحد؛ والتصعيد وفق معايير تقوم على القهر وقبول سيادة النمط أيا كان و"التكيف" معه، ويتم "الدمج والتسكين" الاجتماعي وفق معايير غير موضوعية؛ فإن ذلك سيدفع في اتجاه ظهور وترسيخ منظومة قيم مائعة ومشوهة، لا يوجد فيها مكان للموضوعية ودعاتها، منظومة قيم تقوم على الانتهازية وآليات التصارع بين أفراد المجتمع الواحد، وسيظل ذلك المجتمع محلك سر لا يتقدم، لأن آلية التصعيد الاجتماعي على كل المستويات أصيبت بالتشوه والعطب، فأصبحت تخرج أسوأ ما في ذلك المجتمع، وهم الأفراد الذين يملكون القدرة على ممارسة آليات التشويه والاستقطاب وغسيل المخ وتدفعهم المصلحة الذاتية والفردية ولا يكترثون للقيم والمصلحة الجماعية.

ويرى الجوهري أن هناك أوقاتا حاسمة في حياة الشعوب؛ تكون فيها الظروف مواتية لتغيير منظومة القيم التاريخية التي تحكمها، ويحدث الصدام والتدافع بين منظومة القيم القديمة المشوهة، ومنظومة القيم الجديدة الآملة والحالمة، وفي البداية سيكون الانتصار المرحلي لصالح منظومة القيم القديمة، بما تملكه من خبرات وحيل ملتوية تمارسها بكل حنكة، وسيقع في حبالها بعض دعاة منظومة القيم الجديدة لأنهم يفترضون حسن النية والبراءة، ولكن لحظة التحول التاريخية في الصدام بين المنظومتين القيميتين، ستكون عندما يمتلك دعاة منظومة القيم الجديدة: "اليقين" في طرق التعامل مع المنظومة القديمة، ويتأكدون بالتجربة والخبرة والمعرفة المكتسبة من طرق عملهم وآلياتهم.

ولم تكن هذه الدراسة سوى محاولة لنقل بعض المعرفة والخبرة لدعاة الموضوعية والعدل و"القيم الإنسانية العليا"، في محاولة للانتصار لمنظومة القيم الجديدة الحالمة والآملة، ومن أجل رفعة شأن البلاد واستعادة نموذجها ومشروعها الحضاري الكامن بما يملكه من قدرات ومؤهلات تم قمعها وتنميطها عبر التاريخ الطويل من الاحتلال والاستبداد. قد تجلعنا نصف الشخصية المصرية عبر التاريخ بشخصية "السلب الوجودي" والوجود المشوه الذي يحرم المجتمع من التطور الحقيقي والطبيعي، ويشوه وجوده ويجعله وجودا سلبيا، يفرز أسوأ ما في المجتمع من عناصر انتهازية وذاتية تغيب عنها الموضوعية والمعيارية.

يقع الكتاب في نطاق "علم النفس السياسي" فيجمع بين "علم السياسة" و"علم النفس"، وتقوم فكرته على رصد العلاقة والتدافع البشري الأزلي وآلياته في المجتمع، بين الانتهازيين دعاة تغليب المصلحة الشخصية والفردية، وبين الموضوعيين أو دعاة المصلحة الجماعية وتغليب المعايير العادلة، التي تعطي لكل ذي حق حقه.

ويرصد ظاهرة "الاستقطاب والتصارع السياسي"، تلك الأزمة المحورية وما يصحبها من آليات تستخدم طرق التشويه والاستقطاب النفسي والحيل للتأثير على العقول والرأي العام. وقد وقع اختياري على هذا الموضوع لتزايد الاهتمام في هذه الفترة التاريخية المرتبكة؛ بالحديث عن مستقبل البلاد ومصير حلمها الوليد بالتغيير ومآله، في ظل تدافع شديد بين أبنية قديمة متجذرة وراسخة، وأبنية جديدة حالمة لم تستقر بعد.

ويأتي الكتاب بعد إزاحة عدة أنظمة سياسية بطرق لم يعتدها المشهد المصري، اعتمدت غالبا على خلق "استقطاب حدي" يقسم المجتمع إلى كتلتين إما مع أو ضد! ولا يترك مساحة لرأي ثالث حتى ولو كان أقرب للتغيير ولفكرة الثورة. وعادة ما يكون الاستقطاب المعلن منذ اندلاع الثورة المصرية 2011 حول أحد مستويات الهوية الإنسانية الكبرى: الدين، الوطنية، الانتماءات السياسية، إلخ. لكن الأزمة لجوء المتصارعين لآليات التشويه وغياب المعايير والموضوعية، فظهرت داخل المجتمع حالة من الأزمة والكآبة واللامبالاة والرفض للمشاركة المجتمعية تتزايد كل مرة! لتستمر دوامة انتقال البلاد وإشغالها من "استقطاب" إلى "استقطاب" جديد، دون مواجهة لمشاكل البلاد الحقيقية، فيما قد يقول البعض إن الغرض الأساسي من هذه الاستقطابات المتتالية هو الهروب من مطالب التغيير؛ عبر توظيف "البنية السياسية" الرسمية لكتل سياسية متصارعة لا ترى سوى أسفل قدميها ولا تملك مقدرة الخروج عن سياقها التاريخي الضيق وأزماتها الذاتية.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
مؤسسة عبدالحميد شومان تطلق جوائزها للابتكار العلمي بقيمة مليون دينار أردني
2017-11-08
المزيد

 
>>