First Published: 2016-12-13

النساء بلا جاذبية

 

لم أجد فكرة أن الأعمى لم يعد يبتسم قائمة، التي تحدث عنها جون هال وحللها ميشائيل مار في كتابه 'مادلين الزائفة' بقدرة حسية فائقة، لأن الإجابة عنده مفقودة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

ميشائيل مار.. براعة نقدية

كان عليّ أن أهيّئ نفسي للنزول من قطار الأنفاق فاخترت أن أقف جوار الباب الأيسر متوقعا أنه الذي سيفتح في المحطة المقبلة، إلا أن الصوت انطلق من الرجل الكفيف الذي جلس بأريحية مصطحبا كلبه، ينبهني قبل أن يقف القطار، بأن الباب الأيمن هو الذي سيفتح في المحطة القادمة!

شكرته لأزيد من ثقته ببصيرته، فهذا الرجل الكفيف كان يريد استعراض ما فقده أمام عشرات المبصرين من المسافرين، ومن فرط ثقته ببصيرته قد حفظ اتجاهات محطات الإنفاق، التي لا تتسنى للمبصرين معرفتها قبل قراءة إرشادات التوجه المعلقة. ذلك أن العمى قد يصير عند البعض نوعا من إبصار الذاكرة.

أتذكر جارنا الكفيف الذي كان ما إن يسمع التلاوة الأولى للقرآن الكريم من الراديو أو التلفزيون حتى يخبرنا باسم المقرئ، بل إنه يحفظ من الأغاني وأسماء مغنيها ما نعجز نحن عن حفظها، فيذهل ذاكرة طفولتنا الغضة آنذاك.

أين مادلين الحقيقية؟

الأعمى الذي وجد نفسه مدفوعا إلى داخل نفق قد تعرف على تفاصيله بطريقة لا تتاح لمبصرين يرونه معتما، كما يخبرنا جون هال في كتابه “الإبصار في الظلام” إذ أنه يبصر مرارا في أحلامه، ومع كل يقظة يعود كما كان، فيفتح عينيه فإذا هو مرة أخرى في القاع!

يحلل مثل هذا الكلام بامتياز بارع الناقد الألماني ميشائيل مار في كتابه “مادلين الزائفة” الذي صدر مؤخرا عن مشروع كلمة في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، فالأعمى لا يجلس في غرفة بل على كرسي، إذ ينتهي عالمه عند حدود ما تصل إليه أنامله، وتتكفل حاسة السمع عنده بتعريفه بملامح المكان، فعندما تمطر السماء يتمثل له كل ما حوله من صورة سمعية.

لم يتحدث جارنا الكفيف عن ملامح المطرب ياس خضر وهو يعيد أغنيته “لا تسافر” على مسامعنا نحن الصغار الملتفين حوله، فحاسة السمع كانت كفيلة بأن تجعل الناس عنده مجموعة ذات وجوه وأخرى بلا وجوه، ثم لا تلبث المجموعة الأولى طويلا حتى تصير كالمجموعة الأخرى بلا وجوه.

لم أجد فكرة أن الأعمى لم يعد يبتسم قائمة، التي تحدث عنها هال وحللها مار بقدرة حسية فائقة، لأن الإجابة عنده مفقودة، فعندما نبهني الرجل الكفيف في القطار إلى واجهتي، كان يتحدث بصوت عال وابتسامة عريضة ليثبت للآخرين غير ما يرونه فيه، أما جارنا فقد كان لا يكف عن الابتسام في أشد اللحظات مرارة ولا ينتظر منا أن نبادله ذلك.

أمّا الرأي القائل بأنّ لا شهية للضرير، فهذا ما لا يمكن لنا تحسسه وفق فكرة هال ومار، فعندما لا يستطيع المرء أن يرى شيئا مما يأكله، يصير الطعام حينئذ باعثا على الضجر. أقسى ما في كلام ميشائيل مار أن النساء لم يعدن بالنسبة إلى الأعمى أولات جاذبية، ومثل هذا الكلام أقسى من أن يكتفي بمجرد تحليل نقدي، بل هو نوع من التعذيب، علينا أن نشعر به إزاء المكفوفين.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
المزيد

 
>>