First Published: 2016-12-20

كوميديا الصعود السياسي

 

هناك أوروبا جديدة متغيرة، على الأقل لتلبي 'حاجتنا' كعرب إلى مشاهد في الغرب تكون معادلا افتراضيا لما يحدث عندنا، بما أنهم رحبوا أكثر مما ينبغي بالربيع العربي، واكتشفنا أنهم يرحبون بالفوضى والإسلام الفاشي، فخذوا إذن اليمين المتطرف.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يتحدث انطوني كارلوسيو أشهر الطهاة الإيطاليين البدناء، عن الفساد الذي ينخر بلاده والفشل السياسي والمافيا الخطرة، بيد أن نكهة الطعام الإيطالي لا يمكن أن يعلى عليها، فانطوني في برامجه التي تقدم بالإنكليزية يعبّر بحاسة الشم عن تلذذه بالطعام، بوصفها أكثر حساسية من حاسة التذوق.

يقول نحن الطهاة وطعامنا رسالة إيطاليا إلى العالم وليس السياسيون الفاسدون.

غير أن نظرة البريطاني إلى الإيطالي مازالت محكومة بفكرة الخذلان في الحرب العالمية الثانية، أو بوطأة الحكم المسيحي الكاثوليكي، وهذا لا يقلل من أهمية الإيطاليين الأغنياء والأنيقين الذين يديرون كبرى الصفقات في مركز لندن المالي.

الغربي يتأمل الإيطالي بنفس العين التي ينظر بها إلى الجنوبي في كل أنحاء العالم، إنه من هناك من تلك الأقوام في جنوب أوروبا وفق انحياز الجغرافيا!

مناسبة هذا الكلام الصعود المثير لحركة “فايف ستار” وهي حزب إيطالي تأسس من قبل الممثل الكوميدي بيبي جريللو في عام 2009 ودعا إلى إجراء استفتاء في إيطاليا للتخلي عن اليورو، في ظل وجود انتعاش اقتصادي ضعيف ونظام مصرفي هش.

من الممكن أن يستحوذ ممثل كوميدي على حب الناس والتعاطف معه بل وانتخابه من دون مفاجأة، لكن الصدق الفطري لا ينفع رجال السياسة في إنقاذ البلاد المأزومة، أن يكون ممثل كوميدي رئيس حكومة في إيطاليا مثل أن يكون رجل دين رئيسا للوزراء في مصر أو العراق!

بالأمس كتب أدونيس أن “الجمهور يحلّ محلّ النخبة في الغرب الأميركي – الأوروبي. هذه ظاهرة انقلابيّة في تاريخه الحديث”.

حيث نظر إلى الربيع العربي، وفقا للتسمية الأميركية – الأوروبية، بوصفه مسرحا كونيا مُثّلت عليه المشاهد الأولى لتحوّلات في اتجاه التأسيس لمجتمعات جديدة، وسلطات جديدة، ومؤسسات جديدة.

إيطاليا مثل بقية دول العالم معنية بهذا التصور اليوم وأمام فكرة جديدة لا يريد أن يتقبلها السياسيون المحصنون بالماضي والعولمة وبرجال الأعمال الأثرياء واستطلاعات الرأي التي فشلت في توقع فوز دونالد ترامب بالانتخابات الأميركية، لذلك تبدو مهمة حركة “فايف ستار” في إقناع الناخبين من منطقة الوسط بأنها ليست مجرد حزب احتجاج بل بديل يتمتع بالمصداقية ليدير البلاد.

لكن من غير الواضح ما إذا كان يمكن لهذا الحزب الشعبوي الكوميدي الناقم تقديم منصة وطنية إيجابية ومتماسكة.

عندما تتبوأ حركة “فايف ستار” موقعها السياسي فعلا، سيكون ثمة ما يمكن تسميته بالربيع الإيطالي بالنسبة إلى الجمهور الطامح إلى تغيير وضعه، وهي دورة فوضى جديدة أكبر من فوضى الديون اليونانية، وأقل صدمة من فوز ترامب وصعود اليمين المتطرف في أوروبا. هناك أوروبا جديدة متغيرة، على الأقل لتلبي “حاجتنا” كعرب إلى مشاهد في الغرب تكون معادلا افتراضيا لما يحدث عندنا، بما أنهم رحبوا أكثر مما ينبغي بالربيع العربي، واكتشفنا أنهم يرحبون بالفوضى والإسلام الفاشي، فخذوا إذن اليمين المتطرف.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الصحافة غير معنية بكسب الأصدقاء
2017-09-24
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
قلوبنا أقل جودة
2017-09-12
لا توجد دروس في التاريخ تتعلمها الصحافة
2017-09-10
شكرا يا عمر!
2017-09-05
الشعور السيء يمكن أن يكون جيدا!
2017-08-29
انحياز عقلي في عالم ما بعد الحقيقة
2017-08-27
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
المزيد

 
>>