First Published: 2016-12-22

فيلم كاوبوي سوري في موسكو

 

من يعتقد بسلامة نوايا الثلاثة الموقعين على 'إعلان موسكو' واحد من ثلاثة، إما جاهل في السياسة، أو خائفٌ من يومٍ تتحقق فيه أحلام الشعب السوري ويعود الحكم لسلطة القانون، أو عبدٌ مأمور.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: إبراهيم الزبيدي

من أفلام الكاوبوي الأميركية القديمة فيلم "أقتل وصلِ - Kill And Pray" يَعقد فيه الجيش الأميركي اتفاق سلام مع الهنود الحمر، ويتصافح القائدان الأميركي والأباتشي، ويبتهج الهنود الحمر بالسلام، ويسرع زعيمهم إلى آخر قارورة ويسكي في حوزته فيقدمها للقادة والجنود الأميركان، ويطلب منهم أن يشرب الجميع نخب السلام الوليد. ثم فجأة يدور مدفعٌ متعددُ الفوهات من أعلى الكنيسة، فيحصد الهنود جميعَهم، رجالَهم وأطفالهم، نساءهم وشيوخهم، وخيولهم أيضا. وحين ينهض من بين القتلى طفل لا يتجاوز عمره ست سنوات فيلتقط سيف أبيه القتيل ويهم بالهجوم يصطاده المدفع العملاق برشات متتابعة من الرصاص يصيب بعضها جبينه، ويموت، ثم يعلن القائد الأميركي "الآن فقط تحقق السلام".

وفي موسكو فيلم كاوبوي آخر من نفس النوع، مع اختلاف الممثلين. فقد اجتمع "قادة" الشعب السوري، وزير خارجية بوتين، ووزير خارجية قاسم سليماني، ووزير خارجية أردغان، وأعلنوا عن خارطة طريق لحل المسألة السورية. ثم يعلن أفيروف في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي والإيراني، "أن بلاده تدعم الإعلان عن استئناف محادثات السلام السورية". ويقول: "نرحب بجهود التسوية في حلب". ويضيف "أن روسيا وإيران وتركيا مستعدة لتكون أطرافا ضامنة لمحادثات سلام سوريا".

ثم يعبر وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، عن أمله في إنهاء الأزمة في سوريا والبحث عن التسوية السياسية. ويؤكد "أن العمل المشترك مع تركيا وروسيا سيساعد على إنهاء العنف في سوريا". وأضاف "أنه لا بد من التعاون لمواجهة الإرهاب في سوريا".

أما وزير الخارجية التركية تشاووش أوغلو فيطلب من شركائه عدم الإنزعاج من العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات الجيش التركي في شمال سوريا ضد داعش و"المجموعات الإرهابية".

إن الفرق الوحيد بين الفيلم الأميركي Kill And Pray وفيلم لافروف وظريف وأوغلو هو غياب "الهنود الحمر" السوريين، وتأجيل البت فيمن يعيش، منهم، ومن يموت.

والرئيس "الشرعي" للجمهورية العربية السورية غير مدعو لهذه الوليمة. غائب. يستمع إليهم من وراء حجاب. فأمرهم شورى بينهم، وحدهم، أما هو فلا يشير ولا يُستشار، لا في العير ولا في النفير، مُقعد، جالس على كرسيه المتحرك في انتظار صديق مخلص يدفعه إلى أمام، أو صديق غادر يقلب كرسيه به وعليه.

لستُ متشائما ولا متحاملا، ولكنني لا أصدق أن أحدا من الثلاثة الموقعين على خارطة الطريق الجديدة يتحدث عن الطريق الوحيد إلى السلام الذي نعرفه ويعرفه الشعب السوري ومن والاه.

فالسلام الذي يحلم به السوريون هو غير السلام الذي قَتَل هؤلاء الثلاثة من أجله السوريين، وما زالوا مصرين على قتل كل سوري لا يبصم لهم بالعشرة عليه.

السلام الذي تظاهرت الجماهير السورية مطالبة به، ورد عليها الديكتاتور بالرصاص الحي، هو سلام العدل والحرية والمساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، ومنع احتكار السلطة، وإطلاق سراح السجناء السياسيين المعارضين للنظام، واستقلال القضاء، وحرية الرأي والعقيدة، وتحريم التعذيب والتغييب والترهيب، ومحاسبة الذين تلطخت أيديهم بدماء المعارضين وغير المعارضين، من أقارب الرئيس وطائفته وأجهزة أمنه ومخابراته التي لا ترحم.

والموقعون الثلاثة على "إعلان موسكو" هم الوحيدون القادرون، بكبسة زر واحدة، أن يحيلوا الليل نهارا، والأسود أبيض، ويجعلوا من سوريا واحة للديمقراطية والتعددية والاستقرار. ولكن هل يريدون ذلك؟ أو هل من صالح أيٍ منهم أن يرى دولة حقيقية موحدة ومستقلة وآمنة في سوريا؟

إن في إمكان روسيا أن تسحب طائراتها وبوارجها وخبراءها، وعلى الفور، من ميادين القتال. كما أن في إمكان إيران، بإشارة واحدة، وتطاع، أن تأمر حزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية بالتوقف عن القتل والنهب والحرق والاغتصاب، وأن تهرع لتسليم أسلحتها لأقرب مركز شرطة، وتغادر سوريا دون تأخير. وفي إمكان تركيا أن تترك السوريين، وحدهم، يتفاهمون ويتصالحون، دون وصاية من عدو أو صديق.

والثلاثة، وحدهم، القادرون على وقف إطلاق النار الفوري، وتكليف حكومة انتقالية مستقلة محايدة ليس فيها أحد من داعش والنصرة والإخوان المسلمين، وجيوب المعارضة السورية المملوكة لهذه الدولة الشقيقة أو الصديقة أو تلك، وليس فيها، أيضا، أحد من أسرة الديكتاتور وشبيحته، من قريب أو بعيد.

بعد ذلك يبدأ السوريون، وبإشراف الثلاثة، أنفسِهم، بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بجرائم الحرب واستخدام الأسلحة الكيمائية، وبإلقاء القبض على جميع المطلوبين للعدالة وسوقهم لمحاكم الأمم المتحدة لتقول فيهم كلمة الحق والعدل وتقرر العقاب والثواب.

إن سوريا الديمقراطية المستقرة الآمنة الموحدة عامل مهم في استقرار المنطقة، وحفظ مصالح الجميع.

فهل يوافق الموقعون الثلاثة على ولادتها من جديد؟ وهل يقرون بأن الإرهاب لا يحارب بإرهاب مثله، أو بأسوأ منه؟ وهل يوافقون على نزع سلاح المليشيات، جميعها، وطنيِّها وعميلٍها معا؟. وهل يمنعون تهريب السلاح والمال إلى هذه أو تلك من الفصائل المتقاتلة في سوريا؟

ومن يعتقد بسلامة نوايا الثلاثة الموقعين على "إعلان موسكو" ويصدق أنهم يريدون، قولا وعملا، وضع القطار السوري على سكة السلامة، وإعادة الحق لصاحب الحق، واحد من ثلاثة، إما جاهل في السياسة، أو خائفٌ من يومٍ تتحقق فيه أحلام الشعب السوري ويعود الحكم لسلطة القانون، أو عبدٌ مأمور لا يرى إلا بعين سيده، ولا يسمع إلا بإحدى أذنيه.

أما أنا فلا أتوقع سوى نسخة منقحة من "محاصصة" العراق الديمقراطي الجديد، نصفٌ كاملٌ لروسيا، يأخذه سوريون من جماعة بشار الأسد راضعون من حليب السباع الروسي، وثلاثة أرباع النصف الباقي لإيرانيين بجنسيات سورية، والفُتات الباقي لأردوغان. وهذا هو سلام الشجعان. (تريد أرنب خذ أرنب، تريد غزال خذ أرنب) أيضا. وفي عين الحسود ألف عود.

 

إبراهيم الزبيدي

 
إبراهيم الزبيدي
 
أرشيف الكاتب
بين احتلالين
2017-11-18
الانتخابات العراقية، ما الفائدة؟
2017-11-14
كركوك اليوم، والسليمانية أمس، وغدا أربيل
2017-10-23
شهادة وفاة العقد 'الفيدرالي' المغشوش
2017-10-12
حروب العنصريين القديمة الجديدة في المنطقة
2017-09-26
لا مسعود ولا خصومه
2017-09-15
إذهبوا فأنتم الطلقاء
2017-09-08
مراوغات ومناورات ومغالطات
2017-09-05
إيران وتركيا ومَن بينهما
2017-08-22
الخميني في الموصل وتكريت
2017-07-17
المزيد

 
>>