First Published: 2016-12-22

خالد عزب ينادي بفلسفة عربية لعلم المتاحف

 

الكاتب المصري يؤكد أن فهم طبيعة الموقع الأثري يقدم حلولاً لاحقة لدراسته بصورة متكاملة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

يحاول حل شفرة الماضي

يشكل هذا الكتاب "الآثار.. شفرة الماضي اللغز والحل" قراءة تأسيسية مهمة في علم الآثار، يسعى من خلالها الكاتب والمؤرخ د. خالد عزب إلى تقديم رؤية عميق تستوفي كافة التخصصات التي تتداخل مع علم الآثار، ليبدأ بعلم الأنثروبولوجيا والظهور الأول للإنسان على الأرض والفرق بين الإنسان والحيوان في مجال القدرة العقلية، انتقالا إلى علم الآثار الاجتماعي لفهم المتغيرات التي طرأت على المجتمعات طبيعتها وبيئتها وبنيتها على مدى زمني بعيد والتعرف على البدايات الأولى للجماعة الإنسانية من مجرد جماعات متنقلة إلى مجتمعات صغيرة ثم مركبة ثم مسيسة، ليأتي بعد ذلك إلى علم الآثار العرقي، والعلاقة بين الأعراق واللغة، وعلم الوراثة، مرورا بعلم الآثار السكاني والدور الذي لعبه التحرك السكاني وما يندرج تحته من مصادر المعلومات الديموغرافية، حيث تلعب المتغيرات السكانية دورًا حاسمًا في النظم الثقافية، بل يمكن مقارنة الحجم السكاني مع الإمكانيات البيئية لاختبار التوازن بين السكان والموارد الغذائية أو مراقبة نمط النمو السكاني من خلال تقدير حجم السكان على نقاط زمنية متتالية.

هنا تكمن أهمية أن يتم فحص المعايير البيئية من أجل تحديد العدد المحتمل في المستوطن السكاني.. كل ذلك في سياق التعرف على الأسس الرئيسية للعلوم التي تتماس مع علم الآثار وتمثل ركيزة من ركائز المعرفة العلمية لعالم الآثار.

وهنا أكد د. عزب أن فهم طبيعة الموقع الأثري يقدم حلولاً لاحقة لدراسته بصورة متكاملة، فعلى سبيل المثال سنجد أسئلة متلاحقة بعد ذلك مثل: هل كان الموقع له استقلالية سياسية ذاتية؟ أم أنه جزء من مجتمع أكبر؟ هل كان عاصمة سياسية لمملكة؟ أم أنه موقع هامشي؟ لتتوالى أسئلة أخرى بعد ذلك حول طبيعة هذا المجتمع وبنيته ونوعه؟ مثل: هل كان هذا المجتمع طبقيّا؟ وماذا عن ممارسة المهن المختلفة فيه؟ هل وصل إلى مرحلة تخصص بعض أفراده في مهن محددة؟ أم أنه تطور لمرحلة التبادل التجاري الحر على نحو ما حدث في مصر القديمة؟

وأضاف إن التحقق من منظومة المجتمع وطبيعته وبنيته أمر مهم لعلماء الآثار وقت العمل على اكتشاف موقع جديد؛ لأن ذلك سيؤدي إلى فهم أفضل لمكتشفات هذا الموقع المتناثرة، بل إنه بربط هذه المكتشفات المتناثرة وتحليلها يُمكننا الوصول إلى إجابات على الأسئلة السابقة، فالمكتشف المادي قيمته تزداد عند خضوعه للتحليل. تقودنا الأسئلة والإجابات من الأشياء البسيطة إلى ما هو أكثر أهمية مثل الأفكار الاجتماعية: كالجنس، الحالة الاجتماعية، السن. قاد ذلك علماء الآثار إلى مجالات جديدة منها: علم الآثار المختص بالهوية، حيث دراسة الأفراد بصورة مستقلة، بل إن كل مجتمع أصبحت له أسئلته، فعلى سبيل المثال الجماعات المتنقلة من جامعي النباتات وصائدي الحيوانات، فمن غير المحتمل أن تكون ذات طبيعة اجتماعية مركزية معقدة. وستحتاج تقنيات فحص آثار هذه المجتمعات أن تتغير بشكل جذري تبعًا لطبيعة الأدلة التي يُعثَر عليها، فالمجتمعات البدائية بأستراليا تختلف عن مجتمع تل العمارنة في الدولة الحديثة بصعيد مصر".

ولفت د. عزب إلى أن كثيرا من فرضيات علم الآثار العرقي تثير مشاكل، فقد أثيرت تساؤلات لا حد لها، على سبيل المثال، حول دلالة الهياكل العظمية التي وجدت في أثناء التنقيبات الأثرية في المدن السومرية العراقية مثل أور وأريدو وكيش وغيرها من الناحية العرقية، ومدى إمكانية الاستدلال عن العرق الذي ينتمي له السومريون؟ فالهياكل العظمية المكتشفة في القسم الجنوبي من العراق منذ أقدم أطوار الاستيطان البشري فيه، في عصر العبيد الألف الخامس السومرية والثقافة السومرية، تشير معطياتها إلى اختلاط عرقي منذ أقدم العصور.

وقال: "من الناحية الأنثربولوجية وجد نوعان من البشر جنبًا إلى جنب في العراق، النوع المتميز بالرأس الطويل وهو نوع الرأس الذي يغلب عليه أقوام حوض البحر المتوسط بوجه عام. ونوع الرأس المدور أو العريض السائد في أقوام أوروبا الوسطى وفي أرمينيا، وما وجد من الهياكل التي ينبغي أن تكون سومرية خليط من هذين النوعين، إلا أنني أميل إلى ما ذهب إليه الدكتور طه باقر، من أن السومريين إحدى الجماعات المنحدرة من بعض الأقوام المحلية في وادي الرافدين في عصور ما قبل التاريخ البعيدة، وأنهم عرفوا باسمهم الخاص، أي السومريين، نسبة إلى اسم الإقليم الذين استوطنوا فيه، أي أن التسمية لاحقة للاستيطان ومشتقة من اسم موضع جغرافي ولا تحمل مدلولًا قوميّا، ويؤيد هذا أن كثيرًا من الأقوام التاريخية التي اشتهرت في وادي الرافدين وأسهمت في تكوين حضارته وأحداث تاريخه سميت باسم المواضع التي حلت فيها مثل الأكديين نسبة إلى مدينة “أكد” أو "أكادة"، العاصمة التي أسسها سرجون الأكدي، والبابليون نسبة إلى مدينة بابل، والآشوريون نسبة إلى مدينة آشور على ما يرجح.

وواصل د. عزب قراءاته ليقف عند المساحات المشتركة بين علم الآثار وعلم الأنثربولوجيا ومن هذه المساحات الكتابة ودلالتها ونشأتها وتأثرها في حياة الإنسان، حيث رأى أن كل مجتمع منذ فجر التاريخ يقوم بتخزين وتدوين المعلومات الضرورية حتى لا تقني، ومن ثم فلا يوجد فرق في وظيفة الرسومات الصخرية التي ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ وبين الصحف والكتابات التصويرية والرموز الهجائية، والحاسبات الآلية ذات السعات الهائلة في التخزين المعلوماتي، ففي النهاية هناك مجتمعات تدرك أهمية استخدام أحدث طرق خزن المعلومات في عصرها للحفاظ على وجودها.

وأكد عزب تداخل علم الآثار وعلم الأنثربولوجي في هذا السياق، وقال "الأنثربولوجيا الثقافية تتناول من ضمن موضوعاتها، مخترعات الشعوب وأدواتها وأجهزتها وأسلحتها وطرز مساكنها وأنواع الألبسة التي ترتديها والزينة التي تستعملها وفنونها وآدابها وقصصها وخرافاتها. فهي تدرس النتاج الروحي والمادي للشعوب كما تدرس الاستعارة الحضارية والتطور الحضاري والتغير الاجتماعي في تلك الشعوب، وتدرس أصول الحضارة، وتنوعها، وانتشارها. وعلى هذا تشمل الثقافة جانبين أساسيين: الأول الجانب المادي أو الثقافة المادية، وتتمثل في أوجه الثقافة التي تتعلق بإنتاج واستعمال المرافق مثل: المساكن والمقابر ووسائل النقل والأسلحة والملابس والآلات الموسيقية والتماثيل والأقنعة وأية أشياء مادية يصنعها الإنسان، أما الثاني فهو الجانب المعنوي أو الثقافة اللامادية، وتتمثل في الجانب اللامادي مثل: العادات الشعبية وأساليب الإنتاج والمعايير الاجتماعية واللغة والدين والنظم الاقتصادية والفعاليات السياسية من الحضارة".

وهنا يتوقف المؤلف عند اللغة كنظام دائم التغير والتطور وأشكال التخاطب والكتابة وعلاقة تطور الكتابة بالموضوعات مثل الكتابة الخشبية والكتابة التصويرية، مؤكدا أن هناك ثلاثة عناصر يمكن تحديدها في رحلة نشوء الكتابة وتطورها وهي: الموضوع المدرك حسيا "أي المحدد" برسم كامل أو جزئي ووصف ما لا يدرك حسيا "أي المجرد" عن طريق الرمز ونقل الصوت باللغز الصوتي.

وتطرق لمجهودات كشف الكتابات الملغزة وفك طلاسمها بدءا بنشأة اللغة المصرية القديمة والكتابة الهروغليفية آلياتها وعلاماتها التصويرية ومخصصاتها والمخصص هو "علامة ليس لها قيمة صوتية أو معنى في نفسها، ولكن توضع في نهايية كلمة بعلامات صوتية أو علامات تصويرية وذلك لتحدد وتشير إلى المجموعة التي تنتمي إليها من حيث المعنى"، مثلا "إضافة المخصص الذي يشير إلى الخشب في نهاية أداة يشير إلى أن هذه الأداة صنعت من الخشب".

ولا يكتفي د. عزب بتحليل تطورات اللغة والكتابة المصرية القديمة وعلاقتها بالعرب حيث يذهب إلى اللغة اليونانية والسومرية والكتابة المسمارية رموزها ولهجاتها، وكتابات حضارة المايا، ليخلص إلى فك طلاسم اللغات القديمة وما يحتاجه عالم الآثار من رصيد من اللغويات والثقافات المختلفة إلى جانب القدرة على التحليل وشجاعة المثابرة.

ومن علاقة علم الآثار بالنشأة الإنسانية الأولى والمكان والبيئة وبنيتهما ونشأة المجتمعات واللغات والكتابات إلى علاقته بالغذاء الإنساني، حيث يتتبع د.عزب جوانب الطعام المادية التي كانت سائدة منذ العصور الحجرية وأصول الغذاء وتطوره وانتشاره، لنتعرف على الزراعة وآلياتها وصيد الأسماك والحيوانات وأدواتها، ورحلة الطعام عند قدماء المصريين والعراقيين وفي العصر الإسلامي.

هذا التأسيس العميق لمفردات الحياة الإنسانية الذي يقدمه د. خالد عزب في كتابه الصادر عن الدار المصرية اللبنانية يأتي في سياق يصب في علم الآثار، فلا يمكن الحصول على أجوبة الأسئلة حول الأدلة الرئيسية لأي أثر دون معرفة وفهم للنشاط البشري في الماضي، حيث وفقا لـ د.عزب "يتكون سياق القطعة الأثرية من المحيط الخاص بها، ومصدرها أي وضعها الأفقي أو الرأسي داخل محيطها وارتباطها ببقية القطع الأثرية التي وجدت بجوارها، والسياق الأساسي وهو المكان الذيي وجدت فية القطعة الأثرية وترسبت فيه في الماضي، أما السياق الثانوي يفهو يطلق على القطع التي تحركت من مكانها الأصلى من خلال القوى الطبيعية أو النشاط البشري".

وأوضح أن عملية إعادة بناء النشاط البشري في موقع أثري ما يتطلب فهم السياق والظروف التي صاحبت العثور على العديد من القطع في الموقع، الأمر ذاته ينطلق على المباني الأثرية والبقايا العضوية، ويتكون هذا السياق من مصدره المباشر، أي المادة المحيطة به والتي عادة ما تكون نوعا من الرواسب مثل الحصى أو الرمل أو الطين، فهذا المصدر للوضع الأفقي والرأسي وارتباطه مع الاكتشافات الأخرى حدث مع غيره من البقايا الأثرية وعادة ما يكون في نفس القالب.

وأشار إلى إن التحدي المتمثل في فهم أسباب نشأة الحضارات وانهيارها فجأة، وأسباب ظهور الطبقات الاجتماعية في المجتمع، وأسباب تغير الثقافات حول علم الآثار خلال العقود الأخيرة بصورة كبيرة وجذرية أدى إلى اتجاهات جديدة أعمق مما هو ظاهر لعدد كبير من الباحثين. وقد أدى ذلك أيضَا إلى تغير التعريف الحرفي لعلم الآثار، وتوسيع نطاق الانضباط الكامل، ولا يستطيع أحد فهم علم الآثار المعاصر دون فهم هذا التغيير.

وقال "تناول علم الآثار بقايا الثقافات الماضية بالكامل، والأشياء التي يتم العثور عليها في الأرض منذ نشأته وحتى حوالي عام 1960 م، ولكن علماء الآثار أدركوا أنه من أجل إعادة بناء الماضي وشرح تغيرات وأحداث الماضي، فإنه يجب عليهم توليد المبادئ التي لا تفسر الماضي فقط، بل تنطبق على جميع الثقافات في الماضي والحاضر والمستقبل. تنطبق هذه المبادئ على عدة مستويات من التحليل، ابتداءً من التحديد البسيط للأشياء، مثل القطع الأثرية البشرية، وتفسير السلوك الاجتماعي، وحتى تحديد العوامل الرئيسية التي تغير الثقافات. إن علماء الآثار يريدون فهم العوامل التي أدت بالناس إلى إعادة استخدام المواد، أو استخدام الموارد بإسراف، والمبادئ مهمة ليس فقط في تفسير البيانات المهملة للماضي، ولكن أيضًا في فهم سلوكنا.

وحول التراث والمتاحف رأى أنه "عندما تذكر كلمة متحف فإن أول صورة ذهنيه تبادر الإنسان العادي هي مبنى كبير الحجم، كلاسيكي الطراز، رصين، ذو كتلة ضخمة مسيطرة، وهو ما أدى في معظم الأحيان إلى الترهيب من الدخول، وخاصة إذا أحتوى على عدد كبير من المعروضات المتحفية غالية الثمن، موضوعة في صناديق زجاجية، دون الربط بينها بقصة شيقة أو إيحاءات غامضة.

كما أن الفارق بين بنايات المتاحف قديمًا وحديثًا كبير، فقديمًا كانت المتاحف تأخذ بنياتها شكلاً مستمدًا من التراث، وأبرز أمثلة على ذلك ثلاثة من أكبر المتاحف العربية وهي: المتحف المصري في القاهرة، ومتحف الفن الاسلامي في القاهرة، والمتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية، وهي من أوائل المتاحف العربية، والآن نجد بنايات المتاحف أكثر بساطة، وقاعات العرض أكثر بساطة، إذ تركز على المعروضات التي توضع في إضاءة خافته مدروسة تكشف القطع المعروضة وسيناريو العرض يكتب ليكون على درجة عإلىة من الجاذبية. لذا يواجه مصممي المتاحف معضلة في عصرنا، فمن ناحية تصميماتهم المعمارية ينبغي أن تكون معاصرة، ويزداد هذا الأمر تعقيداً إذا كانوا بصدد متحف للفن المعاصر، فالتصميم يجب أن يتكامل مع هذا الفن، هذا كله يتطلب حالياً مساحات محايدة".

ولفت الكاتب إلى إن الواقع الافتراضي والعروض الافتراضية على شبكة الأنترنت، تجعل هناك تساؤلات حول مؤسسة المتحف في عالم المستقبل، حيث رأى "إن من يقرأ هذا على صعيد المكتبات كمؤسسة مماثلة، سيرى أن العالم في المستقبل ليس بحاجة إلى بنايات مكتبات كبيرة، لأن المكتبات ستصبح في العالم الافتراضي حاضرة وفاعله، لكن على صعيد المتاحف، المتحف لا يزال محتفظاً بدوره كمستودع حضاري أو صندوق للكنز، فجمع وحفظ التراث المادي كان ومازال هو الوظيفة الرئيسية للمتحف".

وتساءل هل معنى ذلك أن باقي الوظائف انتزعت من المتحف؟ وقال "إن المتأمل للمشهد العالمي للمتاحف سيرى أن أعداد المتاحف في تزايد مستمر إلى حد غير مسبوق، يعود ذلك إلى أن المتاحف تطرح من خلال عروضها أسئلة حتمية حول المعرفة والقوة، حول الهوية والاختلاف، حول الاستمرار وسرعة الزوال، فالمتاحف هنا تقوم بوظائف رمزية تعبر عن حالة المجتمع".

ورأى د. عزب أن المتاحف التي تعكس التطبيقات العلمية وتطور التقنيات باتت اليوم ضرورة ملحة؛ لأن العرب لو صرفوا جانبًا من اهتمامهم إلى مثل هذه النوعية من المتاحف من الآن ستكلفهم مبالغ بسيطة بينما لو انتظرنا لسنوات أخرى سيصبح اقتناء مثل هذه المعروضات مكلفًا جدّا، إذ سيلعب عامل الندرة دورًا في تثمين هذه المجموعات المتحفية، كما أن جمع هذه المقتنيات يصبح أمرًا عسيرًا.

وطرح قضية وجود رؤية إستراتيجية لمتاحف المستقبل، مؤكدا إن تكوين هذه الرؤية سيجعل متاحفنا في المستقبل تواكب المتغيرات الدولية، وتجعلنا نسبق الآخر في تفكيره، فالمتحف يعكس طبيعة رؤية المجتمع للتراث ومفهومه له، من هنا فإن بناء المجموعات المتحفية - حتى ولو لم تعرض الآن – تعدّ أمرًا حيويّا، فإذا فكرنا في متحف للسيارات سنفتتحه بعد عشرين عامًا، فإن علينا اقتناء الطرز القديمة المتاحة منها، وتكوين مجموعات من المتاح منها الآن، خاصة وإن صناعة السيارات تشهد تطورًا متسارعًا على الساحة الدولية، فما بالك بأول سيارة اقتنتها شخصية وطنية واستخدمتها في حدث وطني كعيد الاستقلال، ستصبح قيمتها هنا مزدوجة، لارتباطها بحدث وطني من ناحية، ولكونها تمثل جيلًا من أجيال تطور هذه الصناعة.

لذا فإن تخلص مؤسسات أي دولة عربية من كل ما هو قديم، يعد أمرًا في حاجة إلى مراجعة أولاً لوضع مخططات لاقتناء هذا القديم للمستقبل، إذا كانت لدينا رؤية لمتحف مستقبلي. بل إن الوقت يداهمنا جميعًا في ظل التحول من الورقي إلى الرقمي، فكتبنا العربية المطبوعة منذ أن عرفت الطباعة الحرف العربي صارت تعد الآن من النوادر، فأوائل المطبوعات العربية صارت بقيمة المخطوطات، هذا ما انتبهت له مؤسسات مثل مكتبة الإسكندرية ومركز جمعة الماجد في دبي والمكتبة التراثية في الدوحة، ولنذكر على سبيل المثال مجموعة مطبوعات بولاق المصرية، وأبرزها ألف ليلة وليلة، صحيح البخاري، تاريخ الجبرتي، القاموس الإيطالي العربي، مجلة روضة المدارس، خلاصة الأفكار في فن المعمار، الخطط التوفيقية، وغيرها كثير.

هذه المطبوعات أول ما تذكر ستدهش إذ ستجد أرقامًا لشرائها أكبر بكثير من ثمن مخطوط خط باليد في القرن السابع عشر الميلادي، هذا يعني أن ما لدى مكتباتنا من كتب مطبوعة يجب أن ننتبه له خاصة ما طبع من كتب تعود إلى القرن العشرين، إذ بعد سنوات قليلة سنجد من نوادر المطبوعات الطبعات الأولى للمؤلفين من أمثال: نجيب محفوظ، حمد الجاسر، جواد علي، عبدالعزيز الدوري، عباس العقاد، عبدالحي الكتاني وغيرهم كثيرين، من رواد الأدب والعلم والفكر، هذه المطبوعات ستكون مستقبلاً موضوعات مطروحة لمتاحف تحكي تاريخ الكتاب العربي، أو تقدم أبرز ما طبع لكبار الأدباء العرب، أو تروي قصة المعرفة لدى العرب في القرنين 19 و20 الميلاديين، أو تقدم أوائل المطبوعات العربية.

ولفت إلى إن ما ينقصنا إلى الآن في الثقافة العربية، ليس فقط بناء متاحف، بل بناء فلسفة عربية لعلم المتاحف، تبني وراءها رؤية عربية للتعامل مع متاحفنا، تجعل منها مؤسسات تفاعلية علمية ثقافية، تقدم المعرفة للمجتمع وتقوده من الماضي إلى المستقبل، فنحن في الوطن العربي نتعامل مع المتاحف على أنها مؤسسات مغلقة يقف أمناؤها في انتظار الزوار القادمين، لا يسعون لجذب الجمهور والأطفال، ورواية ما يقدمه إليهم، لذا تجد المتاحف العربية معظمها لا يضم قسمًا للعلاقات العامة، وليس لديها أدلة للزوار أو مواقع رقمية قوية.

كما أن الفارق بين بنايات المتاحف قديمًا وحديثًا كبير، فقديمًا كانت المتاحف تأخذ بنياتها شكلاً مستمدًا من التراث، وأبرز أمثلة على ذلك ثلاثة من أكبر المتاحف العربية وهي: المتحف المصري في القاهرة، ومتحف الفن الاسلامي في القاهرة، والمتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية، وهي من أوائل المتاحف العربية.

والآن نجد بنايات المتاحف أكثر بساطة، وقاعات العرض أكثر بساطة، إذ تركز على المعروضات التي توضع في إضاءة خافته مدروسة تكشف القطع المعروضة وسيناريو العرض يكتب ليكون على درجة عالية من الجاذبية.. كما تتكامل مع هذه المتاحف الافتراضية على شبكة الإنترنت التي تعرض القطع بأبعادها الثلاثية، وقد كان المتخصصون في أول الأمر يرفضون عرض مقتنياتهم في متاحف افتراضية، لكن مع الوقت أثبتت التجربة أن المتاحف الافتراضية تجذب المزيد من الجمهور للمتاحف الحقيقية إلى درجة نرى الآن تكاملاً بين العديد من المتاحف لجمع المجموعات المتناثرة في مواقع افتراضية واحدة.

وأخيرا تساءل د. خالد عزب هل للعرب مستقبل في عالم المتاحف؟ وقال "لقد بدأت الجهود العربية تلتئم في هذا المجال بعد تأسيس المجلس العربي للمتاحف (الأيكوم العربي) الذي يضم أبرز المتخصصين في هذا المجال من العرب والمتاحف العربية، لتنسيق الجهود، وكذلك لتأسيس شبكة عربية للمتاحف، وفي السنوات الأخيرة تزايد الوجود العربي في المجلس الدولي للمتاحف، خاصة مع اهتمام عربي بالمتاحف، لكن خسارة العرب كانت كبيرة في متاحف العراق أثناء الغزو الأميركي عام 2003، وهي خسارة لن تعوض بسهولة، نأمل أن يكون هناك علم عربي للمتاحف، وفلسفة عربية خالصة وراء هذا العلم".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
مصطفى نصر يرسم صورا قصصية لأشهر زيجات العباقرة والمشاهير
2017-04-19
الحلو يدرس رحلة العلم من الإلحاد إلى الإيمان
2017-04-17
شيونغ يوتشون: أدب الانترنت يشهد تطورا سريعا في الصين ومبدعوه تجاوزوا الملايين
2017-04-14
'خاتون بغداد' .. حبكة تدور حول الاستعمارين البريطاني والأميركي للعراق
2017-04-14
باسمة يونس: المرأة تخصني وأكتب عنها لتكون موجودة دائما
2017-04-12
إيهاب خليفة يبحث تأثير القوة الإلكترونية على إدارة شئون الدول
2017-04-11
محمد عبدالله نور الدين يؤكد أن الإمارات تولي اهتماما كبيرا للشعر والأدب
2017-04-10
بهية شهاب أول امرأة عربية تحصل على جائزة اليونسكو- الشارقة للثقافة العربية
2017-04-08
'صيف حار' من الصينية إلى العربية
2017-04-06
'كراسات متحفية' تحتفي بآثار اليمن
2017-04-05
المزيد

 
>>