First Published: 2016-12-23

لعنة حلب...

 

خسرت روسيا سفيرها. هل يمكن ان تستفيد من تلك التجربة القاسية من منطلق انّ الاستثمار في الارهاب لا يمكن ان يقضي على الارهاب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

لا يجرّ العنف سوى العنف ولا يأتي الإرهاب سوى بمزيد من الإرهاب. لم يكن اغتيال السفير الروسي في انقرة اندريه كارلوف سوى عمل إرهابي يعبّر عن شعور باليأس لدى كثيرين داخل سوريا وخارجها بعد الارهاب الذي تعرضّ له آلاف المواطنين السوريين منذ العام 2011 تحديدا عندما قامت ثورة سلمية في البلد. قُمعت هذه الثورة بالحديد والنار والبراميل المتفجّرة من دون صدور ادانة روسية لهذا الفعل الجبان والمتوحّش في آن. شاركت روسيا في الاعمال الإرهابية التي يتعرّض لها الشعب السوري للأسف الشديد. أدخلت نفسها في دوامة كانت في غنى عنها لا اكثر.

تناوب على قمع السوريين وقتلهم وتهجيرهم النظام نفسه والميليشيات المذهبية التابعة لإيران وأخيرا سلاح الجو الروسي الذي استهدف مدارس ومستشفيات واحياء مدنية. مثلهم مثل الايرانيين واتباعهم، لم يوفرّ الروس وسيلة، بما في ذلك استهداف النساء والأطفال والمدنيين من كلّ الاعمار من اجل زرع الرعب في نفوس السوريين وتهجير اكبر عدد منهم من مدنهم وبلداتهم وقراهم. كانت روسيا التي تعرّضت بدورها لعمل إرهابي شريكا في الإرهاب الذي استهدف شعبا لم يطلب سوى استعادة كرامته.

اعتمد الايرانيون واتباعهم، والروس لاحقا، الوسائل التي لجأ النظام السوري منذ سنوات طويلة لاخضاع السوريين واذلالهم. انّها الوسائل نفسها التي لجأ اليها النظام السوري في لبنان منذ قرّر الهرب من ازماته الداخلية اليه. كلّ مدينة من المدن اللبنانية شاهدة على إرهاب النظام السوري. بيروت وطرابلس وصيدا وزحلة، كلّها شاهدة. الدامور شاهدة ايضا. الاشرفية، وهي جزء من بيروت شاهدة. كلّ القرى المسيحية القريبة من الحدود اللبنانية ـ السورية شاهدة على ما ارتكبه النظام السوري، من القاع... الى العيشية. كان الهدف الدائم تهجير المسيحيين من منطقة الحدود الى الداخل اللبناني وذلك خدمة لحلف الاقلّيات الذي نادى به النظام العلوي في سوريا دائما.

لن ينقذ الإرهاب النظام السوري من مصيره المحتوم. خرج النظام السوري من لبنان ذليلا بعدما اعتبر ان التخلّص من رفيق الحريري بواسطة شريكه الايراني سيضمن له البقاء في البلد الى ما لانهاية.

لا تبرير من ايّ نوع لاغتيال السفير الروسي. لكنّ هذا النوع من الارهاب سيزداد في حال بقي الوضع في سوريا على حاله، خصوصا في حلب. ستلاحق لعنة حلب كلّ من مدّ يده على المدينة بهدف تهجير أهلها وخلق واقع جديد يسمح لبشّار الأسد بالكلام عن انّه "يكتب التاريخ". ايّ كتابة لايّ تاريخ باستثناء الاستثمار في الإرهاب وتشجيعه والعمل على تمدّده لتبرير البقاء في السلطة في ظلّ استعمارين روسي وايراني؟ لا يحسن بشّار الأسد سوى هذا النوع من الكتابة التي يدفعه اليها حقد اعمى على سوريا ولبنان وعلى اللبنانيين والسوريين.

ليس مفهوما لماذا ارتكبت روسيا كلّ الاخطاء التي كان يمكن تفاديها في الشرق الاوسط. هل سيجعلها اغتيال السفير في انقرة تتعلّم من تجارب الماضي القريب والبعيد، بما في ذلك التورط مع نظام سوري اخذ العرب الى حرب 1967 او الى توريط العرب جميعا في تلك الحرب التي قضت على جمال عبدالناصر بكلّ ما كان يمثّله من حسنات وسيئات لا تحصى.

يضع اغتيال السفير الروسي في انقرة فلاديمير بوتين امام واقع يرفض الاعتراف به. يتهرّب من هذا الواقع معتقدا انّ في الإمكان تجاوزه عن طريق القصف واخلاء المدن السورية من أهلها، لا لشيء سوى لانّهم من اهل السنّة الذين وقفوا منذ خمسين سنة في وجه حزب البعث بكلّ ما يمثله من تخلّف وفي وجه النظام العلوي الذي استخدم البعث للوصول الى حكم سوريا معتمدا الحديد والنار والإرهاب بكلّ اشكاله والوانه.

مؤسف ان روسيا، وقبلها الاتحاد السوفياتي، كانا دائما في خدمة نظام استخدم الإرهاب للسيطرة على سوريا والتحكّم برقاب السوريين.

مرّة أخرى، لا سبب يدعو الى تبرير اغتيال السفير الروسي في انقرة. هذا عمل إرهابي مدان بكلّ المقاييس والاشكال. خسرت روسيا سفيرها. هل يمكن ان تستفيد من تلك التجربة القاسية من منطلق انّ الاستثمار في الارهاب لا يمكن ان يقضي على الارهاب. ما فعلته روسيا في سوريا، خصوصا في حلب، هو ممارسة للارهاب ستدفع الى مزيد من ردود الفعل من نوع اغتيال السفير كارلوف. دفع الرجل من حياته ثمنا لسياسة روسية قامت على اعتبار النظام السوري في حرب مع الارهاب. هذه كذبة كبيرة لا اكثر، لا يصدّقها سوى ساذج او من يمتلك نيّات سيئة. هل فلاديمير بوتين ساذج ام انّه من ذوي النيّات السيئة؟ الأكيد انّه ليس ساذجا بايّ شكل. على العكس من ذلك، عرف تماما كيف يستغل نقاط الضعف لدى إدارة باراك أوباما وتوظيفها لمصلحته. ولكن الى اين اوصله ذلك؟ لم يوصله سوى الى اغتيال سفيره في انقرة. هذه بداية وليست نهاية. يفترض في مثل هذه البداية ان تدعو الرئيس الروسي الى التعقّل وإعادة النظر في حساباته السورية.

قبل كلّ شيء، ان سوريا ليست غروزني التي دمّرها فلاديمير بوتين على رؤوس أهلها. سوريا جزء من العالم العربي وهي تشكّل نقطة توازن في هذا العالم. من يسعى الى اتباع سياسة تقوم على قهر السوريين وابقائهم تحت حكم بشّار الأسد، انما يعادي العالم العربي كلّه. لا يمكن البناء على نظام سوري مرفوض من الأكثرية الساحقة من شعبه بغية تحويل سوريا منطقة نفوذ روسية. على العكس من ذلك، يمكن لروسيا استعادة تعاطف السوريين في حال لعبت دورا في التخلص من نظام لا مستقبل له، لا داخليا ولا إقليميا. استنفد هذا النظام الهدف الذي وجد من اجله. دمّر سوريا على أبنائها. هجّر السوريين من سوريا ودمّر المدن الكبيرة فيها. كلّ ذلك لا يمكن ان يبقيه في السلطة، تماما مثلما ان تدميره للبنان وتهجيره مسيحيي الأطراف ومحاربته السنّة في المدن الكبيرجة ثمّ تغطيته لاغتيال رفيق الحريري لم يحل دون انسحابه، في نهاية المطاف، من الأراضي اللبنانية.

ستبقى سوريا تقاوم، مهما فعلت ايران ومهما اشترت من الأرض السورية ومهما أرسلت مستوطنين الى دمشق ومحيطها والى مناطق اخرى. عاجلا ام آجلا سيرحل النظام السوري. لدى فلاديمير بوتين فرصة لا تعوّض لاعادة النظر في موقفه من سوريا والسوريين. لن ينفع ارهابه لا في حلب ولا في غير حلب. الإرهاب لن يجرّ سوى مزيد من الإرهاب مهما بلغت درجة التعاون والتنسيق مع تركيا وايران. كلّما تعقّلت موسكو في سوريا واقتنعت ان النظام جزء لا يتجزّأ من الإرهاب، كلما ساعد ذلك في انقاذ ما يمكن إنقاذه في سوريا. مثل هذا التعقّل لا يمكن الّا ان ينعكس إيجابا على العلاقات الروسية ـ العربية.

ما حدث في انقرة ليس مجرّد اغتيال لسفير على يد مجرم تحرّكه الغريزة الذهبية. ما حدث كان ابعد من ذلك بكثير. انّه مؤشر لما ينتظر المنطقة في حال لم يحصل تغيير في السياسة الروسية، وهو تغيير سيصبّ في مصلحة هذا البلد، الطامح الى دور يفوق حجمه وقدراته، في المدى الطويل.

 

خيرالله خيرالله

الاسم بلدوزر
الدولة هكذا الدفاع عن الارهاب

تعطي بركه للقاتل وتشجع غيره علي الارهاب

2016-12-24

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
كي لا يصبح الاحتلال وجهة نظر
2017-02-20
عن اهمّية عدن ومطارها
2017-02-19
سقوط 'داعشي' في واشنطن
2017-02-17
ما علاقة إسرائيل بسلاح 'حزب الله'
2017-02-15
'القيصر' في سوريا... بين اميركا وايران
2017-02-13
كم هي عميقة الجذور التي زرعها رفيق الحريري
2017-02-12
اليمن والخليج والتحوّل الاميركي
2017-02-10
ما ذنب لبنان... اذا ايران محشورة
2017-02-08
من لعنة حماة... الى لعنة سوريا
2017-02-06
جاء من يسأل ماذا تفعل ايران في العراق؟
2017-02-05
المزيد

 
>>