First Published: 2016-12-26

ما معنى أن تكون الصحافة الحكومية ديمقراطية

 

العقد الأخلاقي المبرم بين الصحافة الحكومية والقراء، يكتبه المالك والممول ولا ينتظر إمضاءنا عليه، ولنا بعدها حرية قراءة الصحيفة أو بسطها على الأرض لوضع الطعام عليها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

في نهاية ثمانينات القرن الماضي كان الكلام عن الديمقراطية في العراق مثلا، أو أي بلد عربي آخر نوعا من ترف الحلم المشوب بالخوف بالنسبة إلى وسائل الإعلام، كانت الدولة آنذاك توحي بشيء من ذلك عندما ناقشت علنا فكرة دستور جديد ركز على صحافة حرة، وحرية تبادل المعلومات والمطبوعات مع العالم، ثمة رسالة سياسية غير مكتملة كانت القيادة العراقية تريد إبراقها إلى العالم، بعد سنوات مريرة من الحرب مع إيران، لكن الكل كان يدرك أن تلك الرسالة لن تكتب بشكل حقيقي، وبالتالي لن تصل!

جدل النقاش الذي بدا جديا آنذاك على شاشة التلفزيون بمشاركة هرم السلطة، حول حرية الصحافة أغرى مسؤولا إعلاميا في المؤسسات الحكومية لطرق هذا الباب بأناة، وجرّب أن يسأل الرئيس عما إذا كانت مؤسسته الإعلامية مشمولة بهذا الكلام عن حرية التعبير.

كان ذلك الصحافي والمسؤول الإعلامي في الدولة العراقية من الذكاء إلى درجة يدرك فيها أن مجرد سؤال الرئيس عن حرية الصحافة يعني أنه عبر الخطوط الحمراء، لكنه ومن فرط توقه أطلق هذا الأمل!

ليس صعبا بعدها توقع إجابة الرئيس، فالتاريخ لم يُلقم بعد قطعة حجر في فمه، عما إذا كانت قد تحققت بعدها فعلا مساحة من الحرية في وسائل الإعلام في العراق منذ انتهاء الحرب مع إيران عام 1988.

لم تكن أمرا مهما آنذاك حرية الصحافة بالنسبة إلى دولة تمسك بصرامة بأطراف السلطة، لكن وَوِفْق أن تكون الدولة ديمقراطية!! بعد احتلال العراق عام 2003، أصبح الضجيج عن حرية الصحافة معادلا لحرية النحيب على الخرافة التاريخية.

استعدت هذا الاستذكار مع ردود الفعل المستاءة التي وصلتني على مقالي السابق المنشور في هذه المساحة، عن الأخبار الزائفة التي تهدد بحرق الديمقراطية.

لكن ما معنى أن تكون الصحيفة ديمقراطية، هذا سؤال لاحق عن معنى أن تكون الصحيفة حكومية.

مازلنا نتقبل الصحافة الحكومية ولا نكف عن انتقادها، وهي في كل الأحوال تقابل انتقادنا بإهمال وتكرر إجابة كلاسيكية في خطابها الذي لا يحيد عن خطه المرسوم، عن مهمتها الأولى في إيصال وصناعة خطاب وأفكار الحكومة “المالكة والممولة” من أجل المحافظة على استقرار البلد ووحدته، أما ماذا نتوق منها كقراء فهذا ما تحققه لنا وفق رغبتها هي! وليس وفق ما نأمل.

العقد الأخلاقي المبرم بين الصحافة الحكومية والقراء، يكتبه المالك والممول ولا ينتظر إمضاءنا عليه، ولنا بعدها حرية قراءة الصحيفة أو بسطها على الأرض لوضع الطعام عليها.

الصحيفة الحكومية أيضا لديها مشكلة أعلى منها متمثلة بعلاقتها مع وكالة أنباء الحكومة التي عادة ما تكون مقربة أكثر من مركز القرار.

الحكومة تعلن عن نفسها في وكالة أنباء الحكومة! وليس في الصحف الحكومية، لأنها ترى فيها درجة أوطأ، قد تشفق على الصحيفة بنوع من الحوار، لكن وكالة الأنباء المصدر الأعلى وعلى الصحف الانصياع لأخبارها من دون مس! تلك هي محنة الصحف الرسمية مع وكالة أنباء الحكومة.

الصحافة الحكومية خيار قائم اليوم في الدول العربية، لكنها فكرة مخادعة في الدول الديمقراطية، أي أن هذه الصحف موجودة وغير موجودة في آن واحد، ومثل هذا الكلام أشرت إليه بتساؤل في مقالنا السابق موضع الاستياء المشروع من بعض القراء والإعلاميين، عن الخيار الديمقراطي المرتبط بمواقع التواصل الاجتماعي، فهل بمقدور العالم التراجع عن وجود فيسبوك وتويتر مثلا؟

إذا كان الرؤساء الديمقراطيون يفضلون صحفا من دون حكومة على حكومة من دون صحف، وهو تفضيل مثالي للغاية يصعب تحقيقه في الواقع، فإن دول الصحافة الحرة لا تتردد في التعبير عن قلقها من فوضى التعبير!!، وباتت تبحث عن تعريف معاصر لمعنى حرية التعبير.

لدينا هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” مثالا متميزا عن الاستقلالية الإعلامية عن الحكومة، صحيح أن الحكومة أسستها لكنها تمول من أموال الجمهور وهي مرغمة على الاستجابة لرغبة هذا الجمهور وليس العمل فقط في خدمة خطاب الحكومة.

هذا الكلام يحتمل أكثر من تفسير، لكن “بي بي سي” طالما أعلنت أنها ترفض تدخل الحكومة في صناعة مادتها الإخبارية، وهي هيئة مستقلة ولا تستجيب لكل ما تطلبه الحكومة البريطانية منها، نعم تستمع إليها لكن دون خضوع أو إملاءات.

تسنى لي أن اسأل أحد كبار العاملين في “بي بي سي” عن صحة القناة السرية التي تربط الهيئة بمبنى الحكومة في 10 داوننغ ستريت! قال كلنا نسمع بمثل هذه القناة لكن لا نراها، أنت نفسك تقول سرية، وجود هذه القناة يحتمل نعم وأيضا لا!

مثل هذا التفسير لا يمنع أكبر مؤسسة إعلامية حرة في بريطانيا من أن تكون متأثرة بما تريده الحكومة أو على الأقل لا تعمل ضد توجهاتها.

اليوم ثمة حديث عن أن تكون صحيفة “برايتبارت نيوز” الأميركية، أول صحيفة حكومية في تاريخ الولايات المتحدة، هذا الكلام تهكمت به صحيفة واشنطن بوست الأسبوع الماضي، بعد أن قرّب الرئيس المنتخب دونالد ترامب رئيس تحرير الصحيفة ستيفن بانون وجعله مديرا لحملته الانتخابية، وأحد المستشارين في حكومته.

مجرد الحديث عن صحيفة حكومية في الديمقراطيات الكبرى يعني أنه من السهولة بمكان الإجابة عن أسئلة مكررة وغير منتجة في الغالب عن ديمقراطية الصحف الحكومية في بلداننا العربية.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
المزيد

 
>>