First Published: 2016-12-29

النخب العربية والخلافات السياسية

 

رغم كل ما يكتب ويقال في عالمنا العربي، إلا أن الأكيد هو انعدام الحوار.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

من الطبيعي أن تكون هناك خلافات سياسية بين الدول العربية، وسط تصاعد حدة المشكلات الإقليمية، وتباين الرؤى حول التعامل مع الأزمات، وتعقيدات الحسابات الدولية، لكن ليس من الطبيعي أن ينتقل خلاف الدول إلى النخب الثقافية والإعلامية، التي أصبحت عنصرا للتسخين، بدلا من التهدئة والتبريد، ومدخلا لتوسيع الهوة، بدلا من ردمها.

المتابع للحروب التي تدور رحاها منذ فترة، في عدد من وسائل الإعلام العربية، والفضاء الالكتروني الواسع، يكتشف أننا أمام أمة تأكل بعضها، وليست بحاجة لمن يتآمر عليها وينهش جسدها، وقد تجاوزت المعارك كل حدود اللياقة، ووصلت إلى مرحلة خطيرة لتكسير العظام العربية، بطريقة تؤكد صعوبة التفاهم حول أي قضية، مهما كان حجمها، صغيرا أم كبيرا.

المناوشات المختلفة التي كانت تدور من وراء الكواليس، وصلت إلى حد فاضح، وتخلت عن الغمز واللمز، وأصبحت ظاهرة بطريقة، يصعب وقفها أو نهرها، ربما تكون التكنولوجيا فتحت مجالا لكثير من البسطاء للتعبير عن آرائهم، لكن المشكلة أن قطاعا كبيرا من النخب انساق وراء أسلوب المهاترات والمزايدات، وبدأ في عملية توظيف سيئة لمواقع التواصل الاجتماعي، تقوم على نشر الشوفينية، ودغدغة مشاعر المتابعين، وهو ما كانت له انعكاسات سلبية، حيث ساهم هذا الاتجاه في إيجاد رأي عام مؤيد لقيادته السياسية ضد أي دولة عربية، دون النظر للأسباب التي أفضت إلى الخلاف، أو التفكير في وقفه.

وجود هذا النوع، وإدمان الحياة على الفضاء الاليكتروني، اصطحب معه شريحة من النخب، لا تتوقف عن الصخب في وسائل الإعلام التقليدية، وشن حملات مؤيدة لمواقف قيادتها، ومناهضة بالطبع للدولة المختلف معها، وهي ظاهرة قديمة، الجديد فيها، اتساع عدد المؤيدين، وزيادة نبرة العداء للآخر، واختفاء الأصوات العاقلة تقريبا، بصورة توحي بالعودة إلى طريقة الحروب التقليدية التي تمعن في العداء.

شيوع هذه الظاهرة، ساعد على تكريس الفجوة، وضاعف من صعوبة العمل على تسويتها، لأن البعض رفع سقف الخلاف، وأدخله مربعات تتجاوز حدود الدفاع عن المصالح المشروعة، واستخدام مفردات تتعلق بالكرامة والعزة والاستقلال والوطنية والزعامة والقيادة، وكل ما يستحث الوجدان، ويدفع نحو تغليب التفكير بالمشاعر لحساب تغييب العقل، الأمر الذي أدى إلى الصعود لسفح الجبل، ولأن النزول منه يحتاج تمارين معينة، سوف تبقى الخلافات العربية معلقة عند هذه النقطة، حتى يتم وضع خطة متقنة للتقارب حول ضرورة الهبوط بأقل خسائر ممكنة.

المثير أن الحرب الشعواء، جاءت في وقت تزايدت فيه أعداد النخب العربية الواعية، وتنوعت مشاربها، ولم تعد قاصرة على الدول المركزية فقط، فهناك نخبة محترمة في غالبية دول ما يسمى بالأطراف العربية، من الخليج وحتى المغرب العربي، يمكن التعويل عليها، في رسم قواسم مشتركة، بعيدا عن الأطر السياسية، التي تحتاج المزيد من الوقت لتندمل جراحها.

تفعيل خيار النخبة الثقافية والإعلامية البديلة، يعيد إلى الأمة العربية قدرا من العافية السياسية، لأن هؤلاء لديهم الكثير من مفاتيح الحل التي تساعد الرأي العام على التقليل من النزعات القُطرية، وتقدم لصناع القرار حلولا، يمكن أن توقف نزيف الخلافات السياسية، وتدفع نحو التفكير في تسويات خارج المعادلة الصفرية، التي أصبحت طاغية في توجهات كثير من القيادات.

بمعنى محاولة صياغة رؤى للتفاهم، تحفظ لكل طرف هيبته ومصالحه، وتحد من الانزلاق في مزيد من المعارك والشرور، التي سيخرج منها الجميع خاسرا، واليقين أن المصلحة الإستراتيجية البحتة تقتضي الحفاظ على الكيانات العربية، فدخول بعضها في حروب أمنية وسياسية وإعلامية، سوف تكون له تداعيات خطيرة على الجميع، حتى لمن يتصوروا أن مجرد انتصار رؤيتهم يعني التفوق وطول الذراع.

التفوق لن يكون مكتملا، إذا جرى تدمير أي دولة عربية، ولعل مشاهد الحروب والخراب والدمار خلال السنوات الماضية، تؤكد أن الخسارة النهائية لن تستثني أحدا، حتى من دخلوا في عداء سافر مع البعض، ولعل التدقيق في النتائج التي يمكن أن تفضي إليها الأزمة السورية، يكشف حجم المخاطر المقبلة، وقد يكون كفيلا بأن يردع من يصمم على المضي إلى آخر النفق في الخلافات.

بالتالي توضيح الصورة بزواياها وأبعادها الحقيقية، هو المدخل الصحيح للنخب العربية، لأن الاستغراق في الأحلام والطموحات الوردية، بذريعة امتلاك صك التفوق والزعامة، أو بحجة اختلال موازين القوى وتهميش الدول المركزية التاريخية، سوف يؤدي إلى زيادة حدة التجاذبات، لذلك فالتعامل بواقعية مع الملفات والقضايا، وبلا رتوش ومساحيق إعلامية، يصلح ليكون مقدمة للحد من تفاقم الخلافات، فعندما تدرك كل دولة ارتفاع حجم الخسائر ومحدودية المكاسب، بمعايير المصالح الإستراتيجية، يمكن أن ترتدع عن الاستمرار في العداء.

كما أن عودة التواصل بين النخب العربية، يمثل وسيلة مهمة لتصعيد التفاهم من مستوى القاعدة إلى القمة، فرغم الزيادة العددية والكيفية في النخب المحترمة، غير أن الحوار يكاد يكون مفقودا في غالبية الأحيان، وما يتم في بعض الدول الآن من ضجيج ثقافي، يبدو قاصرا على من هم يقفون في المربع الواحد، واستمرار الانتقائية الفكرية، من الآفات التي تعطل أي مشروع للحوار على المستوى النخبوي، والخروج منها، يفتح طاقة أمل لزيادة رقعة التفاهم العربي.

لذلك فالانفتاح على اتجاهات وتيارات مختلفة، من الممكن أن يكون عاصما لكثير من المشكلات، واستمرار التغييب، سيكون عاملا مساعدا لعدم مبارحة الطريق التي تمشي فيه بعض القيادات العربية، ويقوم على اعتياد سماع الصوت الواحد.

تبدو الفرصة مواتية حاليا، لأن تتولى المراكز الثقافية في مصر أو بعض الدول العربية زمام هذا الأمر، وتدعو إلى سلسلة من الحوارات، عنوانها الرئيسي يدور حول أهمية التوصل إلى أفكار مشتركة، توقف نزيف الخلافات، وتضع روشتة سياسية لآليات التفاهم بشأن القواسم العربية اللازمة، للحد من الأزمات، قبل أن يأتي يوم وتجد فيه الأمة نفسها عاجزة تماما عن التفكير في مواجهة التحديات.

 

محمد أبو الفضل

الاسم saleh
الدولة usa

: لقد ولى زمنها. ألم نتعض من فوز ترومب.

2016-12-30

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
الأزهر بين المؤامرة والتطوير
2017-03-09
الاختبار الحاسم لمكافحة الإرهاب
2017-03-02
نكبة الأحزاب المصرية
2017-02-24
إنهاء الانقسام الفلسطيني أم تكريسه؟
2017-02-16
انتبهوا أيها السادة..
2017-02-09
في مصر.. سيمفونية واحدة لا تكفي
2017-02-02
صوت مصر الغائب
2017-01-26
المزيد

 
>>