First Published: 2016-12-29

'سيبيجاج' .. تؤرخ لثورة الجزائر والدور العربي الداعم لها

 

رواية فاروق عبدالله تدفق أحداثها كالسلسل العذب، متخذة لمسارها قصصا غرامية، ومثيرات عاطفية، تعيش مع الكفاح الدامي، والصراع الشرش مع الثورات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

نقدت الرواية صراع الأجنحة في مصر

تدور أحداث رواية "سيبيجاج" للكاتب الروائي فاروق عبدالله والصادرة عن دار نشر الدار في جزءين حول ضابط مصري على مستوي عال من الكفاءة القتالية يدعي "عمر"، أرسلته القيادة المصرية في عهد الرئيس جمال عبدالناصر أيام الثورة الجزائرية لمد يد العون إلي المجاهدين الجزائريين، وتدريبهم على فنون القتال الحديثة من كر وفر، حتي تمكنوا من الصمود أمام شراسة الفرنسيين وقسوتهم وأساليبهم الوحشية في وأد الثورة واستئصال شأفتها بلا رحمة، ويصاب في إحدي المعارك التي كانت حامية الوطيس، ويضطر زملاؤه الجزائريون إلى تركه في رعاية امرأة جزائرية تجيد فن التمريض تدعي "جميلة". وكان زوج "جميلة" هذه مجاهدا جزائريا يدعي "عمار"، لكنه قضي نحبه قبل هذه المعركة بوقت قليل علي أيدي جنود الإحتلال الفرنسيين.

وتنجح "جميلة" بعد عناء طويل وشقاء في نقل هذا الضابط المصري، الذي لا تعرف عنه سوى النذر القليل من المعلومات، وتهرب به إلى منزل والديها في أقاصي الريف، حيث سهرت على علاجه ورعايته بصبر يدعو إلى الدهشة إلى أن أفاق من غيبوبته، واضطرت المرأة التعسة إلى أن تخبر والديها بأن هذا المصاب الذي يرقد بين الحياة والموت هو زوجها "عمار" الذي لم يكن معروفا لديهما ولم يسبق لهما رؤيته.

وبعد أن يسترد الضابط "عمر" وعيه يجد نفسه فاقدا للذاكرة تماما وعاجزا عن النطق، فتظل جميلة تحاول دفعه إلى النطق وكانت تتفاهم معه بطريقة الكتابة على الورق بالقلم، وتمكنت بهذه الوسيلة أن تخبره ببعض المعلومات عن حياته السابقة، وبعد فترة من شفائه يقع الضابط "عمر" في حب "جميلة"، وتشترط هي منه أن ينطق أولا كي يخبر والديها برغبته في الزواج منها، ومن فرط حب الضابط لها استطاع في موقف عصيب تهددها فيه الخطر أن ينطق باسمها ويتكلم معها، ومن ثم يذهب لخطبتها من والدها بعد أن شرحت "جميلة" للأبوين حقيقة الأمر، وهكذا تزوج الحبيبان.

وكانت "جميلة" قد عرفت من الطبيب الذي تتلمذت علي يديه كي تصبح ممرضة ماهرة أن "عمر" الذي فقد ذاكرته سوف ينساها تماما وينسي معها كل هذه الفترة التي تبدأ بإصابته، وأنه سيتذكر فقط الفترة السابقة على معرفته بها. وهكذا تمضي الأحداث.

وفي دراسته النقدية حول الرواية رأى الناقد د. محمد حمدي ابراهيم النائب الأسبق لرئيس جامعة القاهرة، أن "ســيبيــجاج" رواية تاريخية تشكل نسيجا وحدها، فهي ليست مثل روايات جورجي زيدان التاريخية، أو حتى روايات نجيب محفوظ التي ارتكزت على التاريخ تماما، بل هي رواية تستدعي التاريخ ليكون شاهدا على وقائعها وأحداثها، ولا تقدم لنا أحداثا يمكن أن توضع على هامش التاريخ.

إنها رواية أفلتت من الوقوع في المثالب التي سبق أن انزلقت إليها روايات سابقة إرتكزت على التاريخ في سرد وقائعها. وفي ظني أن الكاتب فاروق عبدالله، استطاع أن يذيب روحه وأن يصهر ذاته في تأليف هذه الرواية الرائعة، حيث إنه وظف فيها خبرته المتراكمة منذ سنين عددا، ووصل بفنه إلى الذروة من حيث الإتقان والصقل، وليس بوسع القارئ أن يعثر في هذه الرواية على فصل تعسفي بين ما هو تاريخي وما هو نتاج لخيال المؤلف، بل سيجد مزيجا سحريا يتداخل فيه التاريخ مع الواقع، ويتفاعل فيه الروائي مع المؤرخ.

وأكد د. عبد الولي الشميري سفير اليمن بالقاهرة ورئيس مؤسسة الإبداع للثقافة والاداب والفنون صنعاء، في مقدمته للرواية أنها تمثل سجلا تأريخيا واقعيا محبوكا في قالب روائي، عن ثلاثة شعوب، وثلاث ثورات، وحربين ضروسين، عن حرب تحرير الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، بين 1953 حتى تحررت برحيل الاستعمار 1962 وعن حرب ثورة اليمن الجمهورية مع النظام الملكي "آل حميد الدين" المتزامنة بين 1962 حتى 1970. وعن فصول من إيجابيات وسلبيات الأداء في ثورة مصر الجمهورية الرائدة ضد عائلة محمد علي الملكية في يوليو/تموز 1952. الثورة التي أيقظت الشعوب العربية من سبات الاستعمار والاستبداد.

وقال الشميري "تدفقت أحداث هذه الرواية كالسلسل العذب، متخذة لمسارها قصصا غرامية، ومثيرات عاطفية، تعيش مع الكفاح الدامي، والصراع الشرش مع الثورات، في الجبال، في الصحارى، في المدن، في القرى، وفي التعليم، وفي أدوار المخابرات السرية.

وهكذا صنع الراوئي المتمكن الأديب: فاروق عبدالله بطلات وأبطالا لروايته قصصا مليئا بالشجى والشجن، وجعل للرواية عددا من الأبطال رجالا وإناثا على مدار أحداث الرواية، تبدأ من بداية الرواية ولا يغادرون المشاهد المثيرة إلا في أواخرها مغادرات مليئة بالأحزان، والوجد، والألم. ناهيك عن كون أبطالها من جنسيات عديدة وتدور حول محور ثورة التعريب في الجزائر بعد الاستقلال، ومواجهة فريق المتفرنسين, وانتشار المدرسين للغة العربية في جبال وصحراء ومدن الجزائر، المدرسون الذين كان لهم فضل إنقاذ اللسان العربي في الجزائر العربية التي طمست فرنسا بثقافتها ولغتها اللغة والثقافة العربية، بتجهيل الجزائريين لغتهم الأصلية. ولولا رابط الدين، وشعائره المشتركة التي حافظت على شيء من الاعتزاز باللغة العربية والقرآن العربي المبين، لما أدرك الجزائريون من عروبتهم وثقافتهم شيئا.

لقد كشفت رواية "سيبيجاج" في سياق سرديات الحب والغرام، عن تدفق كبير ضمن حملة التعريب للآلاف بل لعشرات الآلاف من المدرسين المصريين والسوريين الذين ذهبوا للجزائر بتوجيه من ثورة يوليو المصرية التي حملت على كاهلها تبني الثورتين الجزائرية واليمنية، بالمال والسلاح والمدربين والخبراء والمدرسين والمقاتلين، وكان الروائي: فاروق عبدالله ضمن تلك الحملة القومية لمصر لتعريب الشعب الجزائري، وبسبب تلك البعثة أصبح جزائري الهوى مثلي".

وأضاف الشميري "لم تكن هذه الرواية بسحرياتها المشحونة بالمغامرات الغرامية المبثوثة والمترابطة في الرواية المثيرة مجرد توظيف لشد القارئ كغيرها من الروايات، ولكنها لتكمل صورة الوقائع التاريخية، وما كان البطل (عمر) المصري المناضل المدرب المقاتل المريض، العاشق، الماجن، المغامر، التاجر، الجاسوس، الوقور، وزوجته المصرية وفاء بنت منصور باشا فهمي، إلا لغرض الإيماءات السردية عن قوة وحضور الدور المصري في ثورة تحرير الجزائر وثورة اليمن، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وهي الأدوار التي لا ينبغي أن تغيب.

كما كان دور البطلة سوزي اليهودية الفرنسية، في صنعاء دورا يعكس حرب الجواسيس وقلق إسرائيل من ثورة يوليو وعبدالناصر. وتحالفه مع الاتحاد السوفيتي، وتكشف عن الدور الإيراني لإمبراطورية (محمد رضا بهلوي) الملكية إبان تلك الحقبة لدعم الأنظمة الملكية الحليفة للغرب، كما كان دور البطلة المثيرة الجزائرية جميلة وأمل هو الدور المحوري الذي ارتكزت عليه مسارات الرواية، لكشف الواقع النظالي والاجتماعي للشعب الجزائري.

وكما رسمت الرواية بدور البطل (غسان) السوري ملامح القوة للحملة العربية المصرية السورية العراقية لتعريب الجزائر، وما كاتب هذه الرواية الا واحدا من أبطال هذا الدور وفرسان هذه الرواية، واحدا من الذين انصهروا في المجتمع الجزائري، في القبائل النائية والمدن البعيدة ليعيدوه الى لسانه العربي المبين، وللجزائر باع مديد في ريادة التمسك بعروبتها، وانحيازها لأمتها، وقضاياها.

كما أن "سيبيجاج" لم تفلت أخطاء إدارة قياد الثورة المصرية من التناقض والأضداد والنقائض، كأخطاء الزعيم جمال عبدالناصر الذي يفشي أسرار دولته خلال خطاباته في سبيل الإلهاب لعواطف الجماهير، إفشاء للمفاخرة لا يحتاج خصومة للتجسس على أسلحته وقواته، كما نقدت الرواية صراع الأجنحة في مصر خاصة بين الإتحاد الاشتراكي بقيادة علي صبري، وبين عبدالحكيم عامر الذي اعتمد جهاز المخابرات العسكرية بديلا عن الدولة.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
باحث صيني: التاريخ والصين والعالم زوايا القيادة الجماعية لصين المستقبل
2017-12-11
أوروبيون يقرأون حضور عرب وعثمانيين في الأدب الأوروبي
2017-12-10
قراصنة المتوسط: تاريخ الأوروبيين في المنطقة مصدر مهم لسياساتهم المعاصرة
2017-12-09
في رواية 'حياة' .. الحياة أكثر تعقيداً من الموت
2017-12-08
أحمد السيد النجار: هناك تناقض موضوعي بين قوة الاقتصاد الصيني ودوره العالمي فعليا
2017-12-06
لور كاتسارو: عزوبية الفنان الحداثي الملاذ الوحيد المضاد لفكرة المستقبل
2017-12-04
يمنى طريف الخولي: هل يفترض التحرر من الموروث للبحث عن موروث آخر؟
2017-12-03
مهند النداوي يحذر: إسرائيل تعمل إلى إقامة دولتها العظمى في المنطقة العربية - النيلية
2017-12-01
خبير صيني يؤكد أن الإصلاحات الكبرى ساعدت على رفع مستوى معيشة الشعب
2017-11-30
باحث يمني يرصد دينامية التحولات البنيوية ومستوياتها في حركة التنوير الأوروبية
2017-11-28
المزيد

 
>>