First Published: 2017-01-04

الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين

 

ينتقد فقهاء الميليشيات ابن تيمية وابن القيم، على أنهما حنابلة متشددون، لكنهم يمتثلون للفقه نفسه مصوغاً بقلم الخميني.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

تكرر القتل بالمسيحيين والأيزيديين العراقيين ببغداد، مِن قِبل جماعات مسلحة، وإذا علمنا أن «القاعدة» و«داعش»، تتخذ مِن فقه ابن تيمية (ت 728هـ)، وتلميذه ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) سنداً (مسألة في الكنائس، وأحكام أهل الذمة) في ما تُمارسه، فبأي فقيه تلتزم الميليشيات شبه رسمية داخل العراق؟ مع الإشارة إلى أن فقهاء السُّنة ذكروا الشُّروط العُمرية في كُتب الخراج، وأعدوها ليعامل وفقها خلفاء المسلمين أهل الذِّمة، والقليل طبقها، مثل جعفر المتوكل (ت 247هـ). بينما تعرض لها فقهاء الإمامية، بلا ذِكر الخراج، لأنه غير مشروع في نظرهم إلا للإمام المنتظر (عدا فقهاء الحكم الصفوي)، لكنهم ذكروا معاملة أهل الذِّمة، وكان المقياس أخذ الجزية، من حيث الموقف من ذبائحهم، ونكاحهم، ومواريثهم، والالتزام بالعهدة، دون تسميتها بالشروط العُمرية، وبدلاً من ذكر الخلفاء أشاروا إلى «الإمام العادل».

أتذكر أنه جرت نقاشات مع محسوبين على «حزب الدعوة الإسلامية»، في السبعينيات، ضمن خلافهم مع النظام آنذاك، أنه يحتفل بالسنة الميلادية، وأنه شجع تعمير وتشييد الكنائس. أما في المجتمع فكانوا يكثرون مِن الجدل عن نجاسة وطهارة الطَّعام، ليس مع غير المسلمين، بل حتى في أُسرهم، وكأن تلك الأُسر لم تكن مسلمة، أو ذكاتهم كانت مخالفة لما أخذ الحزب يتشدد فيه، بمعنى فرض أقوال رجل الدين على المجتمع.

لم نجد من تشدد تجاه غير المسلمين، بين فقهاء الإمامية، أكثر من الخميني (ت 1989)، حتى أن البعض من الإسلاميين العراقيين ترك تقليده إلى آخرين. عندما تقرأ أحكام أهل الذمة عند الخميني تجدها مطابقة لما ورد عند ابن تيمية وابن قيم مع زيادة، ورد ذلك في رسالته «تحرير الوسيلة». فعلى ما يبدو أن الجماعات المسلحة التي نفذت القتل بغير المسلمين كانت متأثرة بتعاليم الخميني تلك، فجيل من العمائم، التي تتزعم الجماعات حالياً، يسترشدون بها، باعتبار صاحبها إمام المسلمين كافة، لا يختص بإيران.

نقتبس مِن شروط الذمة عند الخميني، وهي كثيرة وخطيرة على التعايش في المجتمعات المختلطة دينياً: لا يحدثوا كنيسة ولا يضربوا ناقوساً. يُكره السلام على الذمي، وقيل يحرم، ولو بدأ الذمي بالسلام يقتصر الرد عليه بـ«عليك»، ويكره إتمامه «عليكم السلام»، أما غير الذمي فترك السلام عليه. ينبغي أن يُقال عند ملاقاتهم: السلام على من اتبع الهدى. أن يُضطروا إلى أضيق الطُّرق. لا يجوز أن يعلو بناؤهم على بناء المسلمين. لا يحق للذمي التحول إلى دين غير دينه، فلا يُقبل منه إلا الإسلام أو القتل. لا يجوز نشر كتبهم الضالة. كتبهم محرفة غير محترمة، عصم الله المسلمين من شرور الأجانب (تحرير الوسيلة، المعاملات).

إنها ثقافة حرب وإقصاء وتهشيم للعراق. نعم غير الخميني، مثلما تقدم، قالوها وهو أخذها عنهم، وكلها تؤدي إلى الاستهانة بالدِّماء ومضاعفة الإرهاب. لكن ما يهمنا تنفيذها داخل العراق اليوم عن طريق ميليشيات تقتل وتخطف بلا رقيب ولا حسيب.

ينتقد فقهاء الميليشيات ابن تيمية وابن القيم، على أنهما حنابلة متشددون، ونحن معهم في النظر لهذا التشدد، لكنهم يمتثلون للفقه نفسه مصوغاً بقلم الخميني، وقد طابقنا بين أحكام الخميني وشروط ابن قيم فوجدناها واحدة. إذا لم تكن فيها زيادة. نحن أمام مشكلة أن الأحزاب الدينية الحاكمة وأذرعها المسلحة تمتثل لذلك الفقه. نعم شرع فقهاء إمامية غير سياسيين كابن إدريس الحلي (ت 598هـ) مثلاً: «مَن أتلف خمراً أو خنزيراً لذمي في بيته أو في بيعته، فالضمان عليه» (إجماعات فقهاء الإمامية)، وذالك زمن سابق، فكيف يسفك دمه في هذا الزمن مع ادعاء الديموقراطية؟

أقول: هل هناك رذيلة أكبر من سفك الدم، ورعب الآمنين بالخطف؟! حسب فقه الخميني: يُضطر المواطنون المسيحيون إلى أضيق الطرق، ويكره تبادل التحية معهم وبالتالي لا يُهنَّؤون بأعيادهم، والإشارة إليهم بالأجانب، فأي جحيم يعيشه الذين تقاسموا تأسيس وإعمار البلاد مع غيرهم منذ القِدم؟ تصوروا أن أساتذة كأنستاس الكرملي (ت 1947)، وكوركيس عواد (ت 1992)، ومير بصري (ت 2006) يضطرهم أصدقاؤهم وتلامذتهم من المسلمين إلى أضيق الطريق، ولا يبدؤونهم بالسلام؟! أي خِلة في الضمير هذه؟!

نحسب أن رفع صورة الخميني بالأماكن العامة العراقية، وعلى سيارات الميليشيات، إقراراً بتلك الثقافة، التي تُسفك دماء غير المسلمين ويختطفون وفقها. إن السكوت على الاستمرار باعتبار الخميني إماماً مرشداً عند الأحزاب الدينية والجماعات المسلحة، لا يسمح بتسوية (تاريخية)، ولا بناء دولة مواطنة، مثلما يدعون، فلسان المقهور يقول: «بك استعتبتُ أيامي قديماً/ كما فزع الغريم إلى الكفيلِ/ فإما أن تُعين على مقامٍ/ وإمَّا أن تُعين على رحيلٍ» (للمُنيْحي/ يتيمة الدهر)، والرحيل إلى أين، وكيف! والجذور ضاربة في أعماق هذه الأرض!

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
البارزانية.. مكانٌ أم عشيرةٌ؟
2017-09-20
«حزب الله» و«داعش».. عودة «الحُميْمة»!
2017-09-08
النّساء.. الاستجابة لـ«زمن الضَّروة»؟!
2017-08-30
تجديد الفكر الإسلامي.. أم تدويره؟
2017-08-23
الفكر الإسلامي.. نتاج أزمنة وظروف
2017-08-17
عِمامة الصَّدر إلى السُّعودية.. ليست الأُولى
2017-08-09
عتاب صاحبي الفلسطيني حقٌ.. ولكنْ!
2017-08-02
التعليم الديني.. سرطان العقل العراقي
2017-07-26
الموصل.. بين مزغرد ومتردد
2017-07-19
كرار نوشي.. ثمرة تحريض المنابر
2017-07-12
المزيد

 
>>