First Published: 2017-01-06

لبنان والاشياء الصغيرة

 

العمل المثابر لإبقاء الحياة طبيعية في بيروت هو الرد على مشروع البؤس الذي يريد 'حزب الله' أن يسود لبنان.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ستكون السنة 2017 سنة مهمّة لبلد صغير مثل لبنان يواجه تحدّيات كبيرة ويكافح من اجل تمرير مرحلة التغييرات الكبيرة في الشرق الاوسط. ليس انتخاب رئيس للجمهورية، بغض النظر عن شخص الرئيس، وتشكيل حكومة برئاسة سعد الحريري، بغض النظر عن بعض الوزراء المحسوبين على النظام الأمني السوري ـ اللبناني السعيد الذكر، سوى دليل على وجود إرادة صلبة ونيّة في المقاومة لدى معظم اللبنانيين. تعبّر هذه الإرادة الصلبة عن رغبة في المحافظة على البلد وبقائه مرتبطا بثقافة الحياة اوّلا وأخيرا.

من يزور لبنان هذه الايّام، يكتشف انّ هناك إيجابيات معيّنة تحقّقت على الرغم من الفوضى السائدة في قطاعات كثيرة، بما في ذلك قطاع المواصلات وحركة السير التي تكاد تخنق الناس العاديين. من الواضح انّ هناك من يرغب في نشر البؤس وتعطيل الحياة الاقتصادية في البلد. لكن الواضح أيضا انّ هناك من يسعى الى مد الجسور مع المستقبل في وقت يبدو مطلوبا تقديم الكثير من التنازلات للحفاظ على ما بقي من مؤسسات الدولة.

هناك حدثان يمكن التوقف عندهما. الاوّل مرور ليلة رأس السنة من دون حوادث تذكر وذلك بفضل سهر عناصر الجيش والقوى الأمنية التي انتشرت في كلّ مكان. اشرف الرئيس الحريري بنفسه على هذه الترتيبات. زار وزارة الدفاع وزار غرفة العمليات التابعة لقوى الامن الداخلي في بيروت من اجل التأكّد ان كلّ الاجراءات المطلوبة اتخذت لحماية المواطنين.

امّا الحدث الثاني، الذي لا بدّ من التوقف عنده أيضا، فهو يتمثّل في ذلك التضامن بين اللبنانيين ردّا على جريمة الملهى الليلي "رينا" في إسطنبول. قتل إرهابي ثلاثة شبان لبنانيين كانوا بين 39 ضحية سقطت ليلة رأس السنة في احدى اكثر مدن العالم حيوية وتعلّقا بالحياة.

تبيّن أخيرا ان هناك دولة في لبنان تعمل من اجل ان تكون الى جانب مواطنيها وان تلعب دور المعين لهم أينما وجدوا. مرّة أخرى، كان سعد الحريري في استقبال جثامين الضحايا والجرحى في مطار بيروت وذلك تأكيدا لكون اللبنانيين عائلة واحدة بغض النظر عن الدين والطائفة والمنطقة.

الامل في ان يبقى هذان الحدثان دافعا للبحث الجدّي في كيفية الاستثمار في المستقبل. مثل هذا الاستثمار ليس ممكنا من دون تحسين الخدمات على كلّ الأراضي اللبنانية بدءا بجمع النفايات وصولا الى جعل الكهرباء تعمل بشكل طبيعي، مرورا طبعا بتحسين شبكة المواصلات ونوعية الطرقات. ليس مسموحا ان تكون بيروت الآمنة، بفضل وزير الداخلية نهاد المشنوق وأجهزة الوزارة، من دون ارصفة وان تعود فوضى الوقوف الممنوع للسيارات الى كلّ المدينة، بما في ذلك الوسط التجاري الذي كان في الماضي القريب تجربة رائدة. كان قانون السير يطبّق في الوسط التجاري، لكنّ شيئا ما حدث وتبدّلت الأحوال وصار وقوف السيارات في أماكن ممنوعة وفي صفّين بمثابة امر عادي تتغاضى عنه قوى الامن.

انها أشياء صغيرة. لكنّها في غاية الاهمّية بالنسبة الى مدينة مثل بيروت تحتاج الى عودة العرب اليها كي تكون بالفعل عاصمة المنطقة وليس مجرّد مكان تسوده شريعة الغاب في مجال تنظيم السير.

ان عدم قدرة المؤسسات اللبنانية على مواجهة التحديات الكبيرة، على رأسها السلاح المذهبي وغير الشرعي لـ"حزب الله" الذي يعطّل الدولة اللبنانية يجب ان لا يحول دون التفكير في الامور والاشياء الصغيرة انطلاقا من بيروت. فايّ تجربة ناجحة في بيروت يمكن ان تنقل عندئذ الى مدن أخرى من بينها طرابلس وصيدا وبعلبك وبقية المناطق. لا شيء أيضا يمنع من استفادة بيروت من تجارب ناجحة مثل تجربة كهرباء زحلة. اين المشكلة في ذلك، ام ان المطلوب منع أي تقدّم في بيروت كي يهاجر اكبر عدد من الشباب اللبناني؟

ليس سرّا ان هناك دائما رغبة في الانتقام من بيروت. كان الانتقام من بيروت من بين الأسباب التي دفعت الى اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط ـ فبراير 2005. لا يزال قسم من شوارع وسط المدينة مغلقا بحجة حماية مجلس النّواب. من يقف وراء هذا القرار؟ لماذا على قسم من اللبنانيين تحمّل هذا الظلم؟ الجواب على مثل هذا النوع من الأسئلة في غاية البساطة. لا شيء يحدث صدفة في لبنان. ان اغلاق قسم من وسط بيروت امام الناس تتمة للاعتصام الذي يقف وراءه "حزب الله" والذي نفّذ بعد حرب صيف العام 2006. لا تزال هناك خطة تستهدف تهجير اكبر عدد من اللبنانيين من بلدهم. لا يزال مطلوبا نشر البؤس في لبنان وضرب الاقتصاد فيه انطلاقا من بيروت.

نعم، ليس في استطاعة الحكومة الحالية القيام باشياء كبيرة. هذا لا يحول دون الاهتمام بكلّ ما يمكنه تحسين البنى التحتية والمحافظة على الامن بغية التمهيد لعودة قسم من السيّاح العرب، خصوصا اهل الخليج، الذي نسوا ان لبنان موجود على خريطة المنطقة والعالم.

مذ انتخاب رئيس للجمهورية ومنذ تشكيل الحكومة، حصل فارق في لبنان. هناك تحسّن طرأ على الوضع. لكنّه ليس تحسنا كافيا يعيد الحياة الى البلد ويمنع استمرار هجرة اللبنانيين ويسمح بالتصدي للمشكلة التي تلوح في الأفق، وهي مشكلة اللاجئين السوريين. هذا عائد أساسا الى انّه من غير الطبيعي ان يكون لبنانيون يقاتلون في سوريا من منطلق مذهبي وان يكونوا شركاء في حرب يتعرّض لها شعب بكامله. مثل هذه الحرب على الشعب السوري تؤدي الى الحاق مزيد من الاذى بلبنان واللبنانيين. هذه الحرب على الشعب السوري تخدم "داعش" وكلّ تلك التنظيمات الإرهابية التي تقتات من الإرهاب الذي يمارسه النظام السوري والذين يدعمونه.

في ظلّ هذه الصورة القاتمة، يظلّ لبنان، الذي يحتاج الى قانون انتخابي سيكون من الصعب الاتفاق في شأنه، في حاجة الى الامل. هذا الامل توفّره الأشياء الصغيرة التي يبدو العهد الجديد والحكومة الجديدة في وضع القادرين عليها. مثل هذه الأشياء الصغيرة التي يمكن ان تنعش الحياة الاقتصادية وتحسن صورة بيروت والمدن الأخرى تظلّ افضل من لاشيء. اكثر من ذلك، يمكن لهذه الأشياء الصغيرة المساعدة في كسب الوقت في انتظار ايّام افضل يتبيّن فيها على ماذا سيستقر الشرق الاوسط. عاجلا ام آجلا، ثمّة سؤال سيطرح نفسه بحدّة شديدة: كيف سيكون لبنان بعدما تفتت سوريا؟ أي دور سيلعبه لبنان في حال بدأت عملية اعمار سوريا بشكلها الجديد؟

اذا كان من انجاز حقّقه النظام السوري، منذ تفرّد حافظ الأسد بحكم سوريا وتوريثها لنجله بشّار، فهذا الإنجاز يتمثّل في الانتهاء من سوريا التي عرفناها. لماذا لا يحافظ لبنان على مدنه، في مقدّمها بيروت، ولو عبر أشياء صغيرة لكنّها مهمّة، في وقت هناك خطة واضحة المعالم للانتهاء من كلّ مدينة سورية؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
السهل والصعب في القمّة العربية
2017-03-29
أوروبا في مهبّ الريح
2017-03-27
ما يجمع بين المغرب والأردن
2017-03-26
متظاهرون لبنانيون من عالم آخر
2017-03-24
مجازفة انتزاع العراق من ايران
2017-03-22
الوجه الآخر للحرب اليمنية
2017-03-20
في المغرب... إصلاحات في الإصلاحات
2017-03-19
السعودية الجديدة... من يريد اخذ العلم؟
2017-03-17
لماذا لا يطرح خيار الدولة الواحدة
2017-03-15
سلاح لبناني اسمه القرار 1701
2017-03-13
المزيد

 
>>