First Published: 2017-01-06

عن بوب ديلان و2016

 

الحائز على جائزة نوبل، عنوان من كلمتين، لحدث ثقافي واسع الدلالات، يُنسب إلى العام 2016، لكن يمتد أثره لحركة الشعر في المستقبل القريب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: شريف الشافعي

كم من الطرقات ينبغي للإنسان أن يقطعها قبل أن ندعوه رجلاً؟

"هو في الأغلب أعظم شاعر على قيد الحياة". كلمات قليلة صادمة، لعلها المشيرة إلى الواقعة الثقافية الأكثر خطورة في العام 2016. هذه الكلمات، كانت لبير واستبرغ، عضو أكاديمية نوبل السويدية. أما الواقعة، فهي فوز الأميركي بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب، في 13 من أكتوبر/تشرين الأول 2016.

مما لا شك فيه أن هذا الحدث هو أحد أبرز أحداث العام 2016، على الصعيد الثقافي. فمن جهة، عاد فن الشعر ليتوج بنوبل بعد خمس سنوات من فوز السويدي توماس ترانسترومر في 2011. ومن جهة ثانية، فإن فوز بوب ديلان، المغني والموسيقي وكاتب الأغنيات، يعكس كسر لجنة نوبل للقوالب المتبعة في منح الجائزة في فرع الآداب.

إن ما يشهده العالم من ترويج للأدب الأكثر مبيعًا، والأغزر انتشارًا، لم يعد قاصرًا على السرد الروائي والقصصي والتشويقي والبوليسي، بل امتد إلى حيز الشعر أيضًا، الذي قد يجري ترويجه وتسويقه ليس فقط من خلال الكتب المطبوعة، لكن من خلال وسائط متعددة، منها أسطوانات القصائد والأغنيات الملحنة.

لقد أقرت لجنة نوبل، بإجماع الآراء وبتوافق نادر، وهذا مؤشر لا ينبغي أخذه على محمل الهزل، بأن أنماطًا من الشعر استطاعت أن تخلع رابطة العنق، وتخاطب العاديين بما يستسيغونه، وعبر تعابير شعرية جديدة أيضًا، وفق اللجنة.

يقول ديلان، محاولًا اصطياد عمق البحر وتساؤلاته البعيدة من عيني طفل قريب:

"آهِ، أينَ كنتَ يا ولدي، يا ذا العينينِ الزرقاوينِ؟

آهِ، أينَ كنتَ، يا صغيريَ الحبيبَ؟

لقد زلّت بِيَ الخُطى على طرفِ اثني عشرَ جبلًا لفّها السّديمُ،

لقد مشيتُ ولقد زحفتُ على ستِّ طرُقٍ سريعةٍ ملتويةٍ،

ولقد خطوتُ في جوفِ سبعِ غاباتٍ حزينةٍ.

ولقد كنتُ في الخارجِ أمامَ اثني عشرَ محيطًا ميّتًا،

ولقد هويتُ ألفَ ميلٍ في فمِ مقبرة.

وإنّهُ لمطرٌ شديدٌ، مطرٌ شديدٌ، شديدٌ، شديدُ

مطرٌ شديدٌ سوفَ ينهمرُ".

جاء فوز ديلان بجائزة نوبل ليمثل إزاحة كاملة لتصورات البعض عن الشعر النخبوي، وليكون درسًا من دروس إمكانية انفتاح الأغنية والقصيدة على الأسطورة، والتاريخ، والتناص، بدون أن تفقد بساطتها، ومستوى تلقيها الأولي لدى الجمهور العادي، وهذا ما يجعل الحدث استثنائيًّا على نحو بعيد.

انتصرت لجنة نوبل لما وصفته بـ "تأثير الشعر" على حركة الحياة، بأناسها البسطاء، وأحداثها الساخنة. هذه ليست القصيدة المعرفية، المستندة إلى خبرات ذهنية، وتراكمات ثقافية، ولا حتى قصيدة المخزون الروحي الثري، المبنية على تفجير التفاصيل اليومية بطلقات البكارة والتلقائية في التعبير. هي قصيدة، أو أغنية، أقرب من ذلك كله، إذ تسير جنبًا إلى جنب مع الفعل المباشر، في الشوارع، وعلى الأرصفة، وبين صفوف الحركات الاحتجاجية، والتظاهرات، من باب الأرض، حتى أبواب السماء:

"أمّاه، انزعى هذه الشارة عن صدري

لم أعد قادرًا على النظر

كل شيء يغدو مظلمًا فى عيني

أشعر كأنني.. أطرقُ باب السماء

أطرقُ، أطرقُ، أطرق باب السماء

أطرقُ، أطرقُ، أطرق باب السماء".

القصيدة عند بوب ديلان، المعبرة عادة عن التمرد، ليست بناء منعزلًا، ولا نسقًا بنائيًّا مكتمل الأركان، لكنها أحد أضلاع الصناعة التي يقدمها، بوصفه مغنّيًا وكاتب كلمات، وموسيقيًّا، في الآن ذاته. ولعل هذا ما حدا الأكاديمية السويدية، وهي تعلن منح ديلان جائزة نوبل، إلى القول إن ديلان (المفترض أنه كاتب في المقام الأول) يمثل رمزًا عميق التأثير "في الموسيقى المعاصرة":

"حسنًا يا آنسة (وحيدة)

قد درستِ في أرقى المدارس، لكنكِ تعرفين

أنهم كانوا يعصرونكِ فيها عصرًا

ولم يعلمكِ أحدٌ كيف تعيشين على قارعة الطريق

لكنكِ الآن مرغمة على اعتياد ذلك

كنتِ تقولين: لن أتساوم مع المتشرد الغامض

لكنكِ الآن تدركين: أنه لا يبيع الأعذار

حين تحدقين في خواء عينيه

وتسألينه أن يعقد صفقةً معكِ"

هو الموسيقار والمغني إذن قبل أن يكون الشاعر، لكن كلماته (قصائده) هي الأسبق في منتجه الصناعي المشغول، الذي اتسم بالتجدد والاستمرارية والانتشار الواسع على مدار أكثر من نصف قرن، ولا بأس كذلك أن تعترف لجنة نوبل بأن هذه النصوص قد "خلقت تعبيرات شعرية جديدة ضمن التراث الأميركي العظيم"، لكنها توضح: "التراث الغنائي". فماذا سيبقى من أشعار ديلان، لو أنها تخلت عن الأداء الغنائي، والموسيقى المصاحبة، وبقيت فقط مجرد قصائد مقروءة في كتاب، شأنها شأن القصائد المطبوعة في دواوين؟ يقول في أحد نصوصه:

"كم من الطرقات ينبغي للإنسان أن يقطعها

قبل أن ندعوه رجلاً؟

كم من البحار ينبغي للحمامة البيضاء أن تطير فوقها

قبل أن تنام في الرمال؟

وكم من القنابل ينبغي أن تقذفها المدافع

قبل أن تُحظرَ الى الأبد؟

الجواب، يا صديقي، في مهب الريح

الجواب في مهب الريح"

في هذا الصدد، تبدو لجنة نوبل كأنها تحاول تبرئة ذاتها، إذ تضيء ما يمكن وصفه بـ "الأدب الثانوي" في تجربة ديلان، ذلك المبدع الذي يُرى بشكلٍ كبير كموسيقي أكثر منه مؤلفًا، لكن كلماته يتم نشرها بشكلٍ مستمر في إصدارات جديدة، وبجانب إنتاجه الواسع للألبومات، فقد نشر ديلان أعمالاً تجريبية مثل تارانتولا (1971) ومجموعة الكتابات والرسوم (1973)، بالإضافة إلى السيرة الذاتية بعنوان مذكرات (2004)، والتي يُصور فيها ذكريات من حياته المبكرة في نيويورك، ويعرض لمحات من حياته في مركز الثقافة الشعبية.

هو إذن، وفق الأكاديمية السويدية "متنوع بشكلٍ مذهل: فقد كان نشطًا كرسامٍ، وممثل، وكاتب سيناريو. ديلان له مرتبة الرمز. تأثيره على الموسيقى المعاصرة نافذ، وهو موضوع تيارٍ مستمر من (الأدب الثانوي)". يقول ديلان:

"ارقدي يا سيدتي ارقدي

ارقدي، سيدتي، ارقدي.. على سريري النحاسي الكبير

ارقدي، سيدتي، ارقدي.. على سريري النحاسي الكبير

كل ما برأسك الجميل من ألوان

سأريك إياها.. مشرقةً.. أمام ناظريك

ارقدي، سيدتي، ارقدي.. على سريري النحاسي الكبير

امكثي، سيدتي، امكثي قليلاً مع فارسك

حتى انبلاج النهار، ودعيني أراكِ

وأنت ترسمين البسمة على محياه

ثيابه متسخة، لكنّ يديه طاهرتان

وأنت.. أنتِ أروع ما رأته عيناه"

بوب ديلان، عنوان من كلمتين، لحدث ثقافي واسع الدلالات، يُنسب إلى العام 2016، لكن يمتد أثره لحركة الشعر في المستقبل القريب. (الأهرام - بوابة الحضارات)

شريف الشافعي ـ شاعر وكاتب من مصر

sharifjournal@hotmail.com

 

هجوم دموي وسط نازحين من الموصل

لا خيار أمام قطر إلا الاستجابة للمطالب الخليجية أو 'الطلاق'

ايقاف ترحيل عراقيين مدانين في أميركا بصفة مؤقتة

مطالب خليجية تجبر قطر على تقديم تنازلات حقيقية لفك عزلتها

مصر تمدد حالة الطوارئ في مواجهة التهديدات الارهابية

قطر المربكة تمنع الاجازات عن العمال الأجانب

غضب وصدمة يخيمان على الموصل بعد تدمير مسجدها التاريخي

مشروع قانون أزهري يغلظ عقاب الكراهية باسم الاديان

قلوب العراقيين تنفطر بسبب تفجير منارة الحدباء

موسكو على درجة عالية من الثقة في مقتل البغدادي

جهود مكثفة لوقف ترحيل عراقيين من أميركا خشية تعرضهم للاضطهاد

منافذ فك عزلة قطر مغلقة أمام جهود أردوغان العقيمة

العبادي يرى أن الدولة الإسلامية أقرت بهزيمتها في الموصل


 
>>