First Published: 2017-01-07

تحديات العالم الإفتراضي

 

إغلاق صحيفة السفير مناسبة لكي ننتبه إلى أن الصحافة الرصينة، مهما كان توجهها، تغادرنا لتحل محلها فوضى من العبث الالكتروني.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كه يلان محمد

مع إنتشار وسائل التواصل الإجتماعي وإمتداد شبكة الإنترنت إلى كل الزوايا وهيمنة الفضاء الألكتروني على معظم الوسائط الخبرية والثقافية، لا يمكن تجاهل السؤال عن مصير الصحافة الورقية.

لا شك أنَّ كل تحول في الأدوات التي يستخدمها الإنسانُ له إنعكاسات في الرؤية وما درج عليه من التصنيفات على المستوى الإجتماعي والفكري إذ لا توجد رقابة في المساحات الألكترونية كما غابت إلى حد ما، ما إصطلح عليه بثقافة النخبوية. ولكن هل يخدم كل ذلك في المحصلة الأخيرة العوامل التي تساهم في إنتاج وعي جديد يكون مُغايراً لما ساند وعزز دعائم المركزيات الثقافية والسياسية؟

ثمة من ينسب الدور الكبير فيما شهدته البلدان العربية من الثورات والإنتفاضات الشبابية إلى قدرة الشباب وتمكنهم في توظيف المستحدثات التكنولوجية لزعزعة أركان الأستبداد. لكن مايهمنا في هذا المبحث هو وجه آخر من المُعادلة: هل تستطيعُ الوسائط الألكترونية سد الفراغ الناجم عن توقف الصحف والمجلات العريقة؟ ماذا يكون المستوى الفكري للجيل الواعد الذي لم يجربْ متعة قراءة الصحف ومتابعة المشاهير الذين أغنوا الصحف والمجلات بموادهم الفكرية والأدبية وبالنتيجة أدوا دورا كبيراً في نهضة العقل والتنافذ مع الثقافات الأخرى؟ صحيح أنَّ الشبكة العنكبوتية تقدمُ فرصة التحاور والإنفتاح على الآخر، لكن لاينكرُ أحدُ سوء الإستفادة من هذه المعطيات على المستويات الإجتماعية والسياسية والفكرية، ناهيك عن إستخدام المتطرفين هذه الوسائل لنشر الأفكار التدميرية التي لا تدع مجالاً للتحاور. هذا نتيجة لعدم إدراك وأهمية الوعي المسبق قبل إحتكاك بعالم يكون الإبحار فيه بلا نهاية على حد تعبير إمبرتو إيكو.

هناك مخاوف من أن يتحول الإنسان إلى كائن متفرج تماما وتجرفه الصورة إلى أدنى المستوى من الوعي والقدرة على التحليل والخمول العقلي. ماذا يكون شكل ونفسية الكائن يستأنس بالحاسوب أكثر من الكتب والجرائد وحتى يفضل أصدقائه الإفتراضين على من يتعامل معهم في الواقع؟ لذلك نرى أن حجم التحديات لايمكن الإستخفاف به.

كان من المتوقع أن تكون الوسائل التكنولوجية معبراً صوب تحقيق ما فات الإنسان في العصور الغابرة. لكن يبدو أن الصعوبات تزداد مع سيطرة العالم الإفتراضي على عقلية الإنسان حيث أصبح واقعا تحت أمرة سلطة الشاشة وما يتلقاه من وسائل التواصل الإجتماعية.

هل يمكن وصف الإنسان في هذا الزمن بإنه كائن مستقيل عن مهمة التفكير؟ أياً كان الأمر فنحن نتأخر في إدراك المخاطر وليس لدينا رؤية مستقبلية لذلك يخطيء من يعتقد بوجود سيادة العالم الإفتراضي التي ستحل كل المشكلات وتنهي حالات الإضطهاد بكل أشكالها وأنواعها أو أن ستطوى صفحة مشكلة الأمية في بلداننا. هذه التهويمات لا تستند إلا إلى فكر ينتج الهزيمة ولا يملُّ من التحايل واللعب بالكلمات.

مناسبة هذا المقال هي قرار وقف إصدار صحفة السفير نهائياً بفعل الأزمة المالية. فمهما كانت مواقفك السياسية والفكرية عليك أن تُقر بدور السفير وملحقها الثقافي في تغذية الحركة الأدبية والثقافية. والغريب في الأمر أن اي جهة لم تبدِ إستعدادها في إنقاذ السفير بوصفها منبرا صحافيا له تأريخ قد واكب اللحظات المفصلية في تاريخ المنطقة. غير أن الخبر قد مرَّ على كل الجهات المتوقع منها الإهتمام بالشؤون الثقافية كغيمة الصيف، وهذا يكشف ما وصل إليه الإستخفاف بالقطاع الثقافي في بلداننا.

من المؤكد أن الجهات المعنية لن تنجح في رفد شريان الثقافة مستفيدة من التقنيات الحديثة وهو ما يسفر عن عزوف مزيد من الشباب عن القراءة والإقبال على ما يعمق الهوة بين القنوات المعرفية والجيل الجديد. والأخطر من كل ذلك هو تدفق الأموال على طاحون الحروب العبثية إذ هناك فائض من الأسلحة في وقت قد ودع العالم بأسره ما نحن نتصارع عليه في الآلفية الثالثة، وهو ما يعظم مخاوفنا هو أن يكون تعاملنا وتصوراتنا للعصر المعلوماتي لا يختلف عما تبنيناه لفهم الأفكار الوافدة من الغرب بذلك نعطي الحجة لمن يقول بتكرار التاريخ.

 

كه يلان محمد

كاتب من العراق

 
كه يلان محمد
 
أرشيف الكاتب
في صحبة الكتب: رؤية الحياة من نوافذ مُتعددة
2017-08-09
'لاعب الشطرنج' .. يقهر الوحدة باستحضار القرين
2017-08-06
'قصر الأحلام' .. التنقيبُ عن وجه آخر للصراع
2017-06-07
تحديات العالم الإفتراضي
2017-01-07
المعارضة ودوامة الأزمة
2016-12-25
المزيد

 
>>