First Published: 2017-01-08

نازحون إلى آخر مدى

 

العراق الثري هو بلد النازحين الأول.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هل صدقتم كذبة الاعمار؟ ما هُدم في العالم العربي لن يُبنى. ما محي لن تعود كتابته. ها هو العراق أمامكم. هو مثل حي.

منذ أن غزاه الاميركيون. منذ إعلانه بلدا محتلا. منذ أن تم تسليم السلطة. منذ أن كُتب دستوره الجديد. منذ أن لوث العراقيون أصابعهم بالحبر البنفسجي لينتخبوا أول حكومة في تاريخهم. منذ أن مدت الجارة إيران يدها لمواليها في السلطة المنتخبة لم تبن مدرسة ولا مستشفى ولا مكتبة ولا مسرح ولا دار للإيتام أو لرعاية كبار السن. لم يُعبد طريق ولم تُشق ساقية ولم يُشغل مصنع ولم تستعد المزارع عافيتها، فقد هدمت مشاريع الارواء العملاقة. اما الخدمات الأساسية فقد اندثرت مع بنية تحتية تعرضت للخراب الشامل. لا ماء صالح للشرب ولا كهرباء ولا مواصلات ولا منظومة للصرف الصحي.

غير أن الكارثة ما كان لها أن تكتمل من غير قوافل النازحين.

العراق الثري هو بلد النازحين الأول من جهة ما تقدمه منظمات الإغاثة الدولية من مساعدات. هناك اليوم ملايين النازحين في العراق ممن نساهم الاعلام، هم أيضا بالنسبة للعراقيين كائنات منسية.

لن تستطيع جهة في العالم أن تعيد أولئك النازحين إلى أماكنهم الأصلية.

فالبلد الذي تحكمه الميليشيات لا يمكنه أن يرى مواطنيه بطريقة منصفة. لقد انتهى زمن المواطنة. زمن التصريف الطائفي له معايير مختلفة.

لقد حرص طائفيو العراق على تأجيل الأعمار في انتظار الخلاص من الآخر، المختلف في مذهبه. وهي فكرة نشرت الفقر في كل انحاء العراق تحت مظلة تصفية الحسابات التاريخية، التي هي واحدة من أكثر الأكاذيب سخرية من العقل البشري.

لقد ازداد عدد الفقراء في العراق. ازداد عدد المعوزين. ازداد عدد العاطلين في مقابل ازدياد مضطرد في أعداد الفاسدين، أثرياء السلطة الجدد، المستفيدين من كذبة المظلومية التي شملت بشرا لم تكن لهم صلة بسوق العمل داخل العراق.

لقد انتهى العراق بلدا مؤجرا لحملة الجنسيات الأجنبية.

رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزيرا الخارجية والمالية الحاليون هم بريطانيو الجنسية. أصحاب المناصب العليا الآخرون يتوزعون بين كندا وفرنسا والولايات المتحدة وإيران واستراليا. الادهى من ذلك أن ما من أحد منهم عاش أقل من ثلاثة عقود بعيدا عن العراق. وهو ما يعني أنهم لا يعرفون شيئا عن الشعب والبلد اللذين وقعا في قبضتهم.

لقد أرادت الولايات المتحدة من خلال احتلالها للعراق أن تقدم النموذج الذي سيكون عليه شكل ومضمون الدولة في العالم العربي.

وهو ما فعلته. هدمته ولم تمد يدها لأبنائه من أجل إعادة أعماره. استقدمت من الخارج أسوأ المشردين العراقيين من أجل أن يحلوا محل الكفاءات العراقية التي تم قتلها وتجويعها وتشريدها. حلت جيشه التاريخي وجعلت من غيابه ملعبا لنشاط العصابات المسلحة التي قامت برعاية بعضها فيما أوكلت مهمة رعاية البعض الآخر إلى إيران. نشرت الفتنة الطائفية من خلال فرض نظام المحاصصة الذي هو كناية عن برنامج لتوزيع الغنائم بين العصابات التي تمكنت من احتكار الطوائف.

ما خططت له سلطة الاحتلال وقام العراقيون من حملة الجنسيات البديلة بتكريسه انما هو مشروع حرب أهلية، أحيانا تكشف عن وجهها البشع وغالبا ما تكون موجودة بطريقة سرية، لا يشعر المرء بها إلا من خلال ما تنتجه من مظاهر هي في حقيقتها جرائم ضد الإنسانية تُرتكب يوميا.

النازحون والمهجرون وعددهم بالملايين هم واحدة من تلك الجرائم التي يُراد تطبيعها. بدلا من أن يكون المرء مواطنا سيكون عليه أن يقبل بصفته نازحا. وهي صفة صارت متعارف عليها في العراق.

فالنازحون الذين لا يسمح لهم بالعودة إلى مناطق سكناهم التي هدمتها الحروب سيبقون رهائن نزوحهم الأبدي ما دامت اليد التي تملك المال من أجل إعمار تلك المناطق مقطوعة أو عاجزة أو لا تملك الرغبة في القيام بذلك.

لا يمكن أن يكون مَن ولد نازحا سوى نازح إلى آخر مدى.

النموذج العراقي لن يكون بعيدا عن سوريا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
دعوة لتدويل الصراع مع إيران
2017-11-21
أباطيل حزب الله
2017-11-20
لتذهب إيران حيثما تشاء
2017-11-19
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
المزيد

 
>>