First Published: 2017-01-08

كيف يدخل المعلنون إلى وعينا

 

الانتخابات الأميركية وقبلها بريكست، كانتا مثالا متميزا عن نهاية الإعلان السياسي، فدونالد ترامب فضل الوصول إلى الجمهور بوسائل اجتماعية مجانية، وفي بريطانيا يندفع السؤال بقوة: هل نحن نشهد نهاية الدعاية السياسية في عصرنا الشعبوي هذا؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

عندما أصدر تيم وو كتابه المهم “من يحكم الإنترنت؟ أوهام عالم بلا حدود” بالاشتراك مع جاك غولدسميث، عام 2008، لم يكن فيسبوك قد أصبح دولة المليار مواطن افتراضي آنذاك، وها هو اليوم يثير ما يشبه التحكم بعقولنا من قبل المُعلنين الحريصين على الاستمرار في اختراق وعينا أكثر من قبل، في كتابه الجديد “تجّار الاهتمام”.

فيصف فيسبوك، المُستهدف الرئيس في عصرنا، كأكبر شبكة تواصل اجتماعي في العالم بأنها “عمل مع معدل منخفض جدا من نسبة الابتكار للنجاح” وهي شركة قلبت الصفقة المعتادة، من مبادلة الاهتمام والمعلومات الشخصية مقابل المحتوى المُقنع، وحولته إلى صفقة يعطي فيها المستخدمون بيانات التركيبة السكانية الأكثر تفصيلا مقابل ما يُعتبر ببساطة طريقة سهلة للتواصل مع أصدقائهم.

تيم وو، أستاذ القانون في كلية الحقوق في جامعة كولومبيا، عمل سابقا في شبكة إنترنت لصناعة الاتصالات السلكية واللاسلكية في وادي السيليكون، مؤلف قادر أن يصنع الفكرة ويحللها بحس قريب منا إلى حد بعيد، ففي كتابه السابق يرى أن القوانين الوطنية والتقاليد والجمارك لا تقل أهمية عن السيطرة على الفضاء الإلكتروني كما هي الحال في الفضاء الحقيقي، والتحكم بمركزية الإنترنت تشجع على الحرية والتنوع وتقرير المصير عندما يتم الجمع بين الواقعية والمثالية في التقاليد السائدة بحكم الإنترنت.

فالكثير من المجددين وأصحاب الرؤى بشأن الإنترنت ممن قابلهما مؤلفا كتاب “من يحكم الإنترنت”، يعتقدون أن المجتمعات على الإنترنت مثل “إيباي” “لم يشيرا حينها إلى فيسبوك لأنه لم يكن بمثل هذه القوة اليوم” يمكنها أن تحكم نفسها من غير تدخل من السلطات التقليدية، لكنهم تغاضوا عن أهمية دور الحكومة في تقديم السلع العامة للأفراد والأعمال الخاصة.

ولا يكتفيان بعرض الجانب اللطيف للحكومة، عندما يقولان إن الحكومة ليست ضامنا محبا وعطوفا كبيرا يعمل للصالح العام، وتقوم بالأمر الصحيح دائما، فمقابل الفوضى التي واجهت إيباي نجد سوء استغلال من قوى الحكومة.

أما كتابه الجديد “تجّار الاهتمام” الذي كان موضع احتفاء في صحيفة فاينانشيال تايمز، فيدرس كيف يَدخل المعلنون ووسائل الإعلام وصناعات التكنولوجيا داخل رؤوسنا.

فعندما يعرض لأساليب المعلنين يستعيد الفكرة الإعلانية القديمة التي مفادها “كل من حولك أشخاص يحكمون عليك بصمت”، ويعيد ابتكار مفهوم العلامة التجارية وفكرة تحفيز الطلب، كما في جهود المُعلنين في أواخر العشرينات من القرن الماضي لبيع السجائر للنساء من خلال تقديمها كرمز للأنوثة “مشاعل الحرية” وعامل مساعد لتخفيف الوزن “يا للخديعة الإعلانية المقنعة والمثيرة”!

ترى هانا كوتشلر في عرضها لكتاب “تجّار الاهتمام” في فاينانشيال تايمز أن رد فعل عنيف يكتمل ضد أحدث موجة من التسويق على وسائل الإعلام الاجتماعية والهواتف الذكية.

فالمؤلف يُشير إلى صعود برامج حجب الإعلانات في الغرب وشعبية خدمات البث التي تُشجّع الاهتمام المتواصل، وتُظهر أن الناس سيدفعون لتجنّب تشتيت الانتباه من الإعلانات. لكن تيم وو ليس متفائلا بأن استراتيجيات الحجب ستكون ناجحة أكثر من سابقاتها، فالمعلنون قادرون على الوصول إلينا أثناء تصفحّنا وسائل الإعلام الاجتماعية في محطة الحافلات، أو انتظار صديق على العشاء، أو حتى خلال المحادثات.

فكرة الإعلان بدت مختلفة اليوم كليا، ولم تعد تكتفي بالصور المعلقة أو المنشورة على مساحات من الصحف، إنها أكثر قربا من وعينا وتمس مشاعرنا مع لمساتنا المتواصلة على الأجهزة الذكية، وهذا أمر يتطلب من وسائل الإعلام التكيف مع طلب المعلنين لكسب رغبات الجمهور.

الانتخابات الأميركية الأخيرة وقبلها بريكست وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كانتا مثالا متميزا عن نهاية الإعلان السياسي، فدونالد ترامب فضل الوصول إلى الجمهور بوسائل اجتماعية مجانية، وتمكن ببساطة معرفة تأثير ذلك بمجرد تأمل كم مليون من المتابعين له على تويتر.

في بريطانيا يندفع السؤال بقوة “هل نحن نشهد نهاية الدعاية السياسية في عصرنا الشعبوي هذا؟ هل تعتبر اللوحة الإعلانية مهمة الآن؟”.

مقابل ذلك ثمة سؤال مبكّر أكثر مما ينبغي، عما إذا كانت الفقرات الإعلانية التقليدية على التلفزيون على وشك أن تختفي؟

وهل ينبغي على مبتكري الأفكار الإعلانية وصناعة القصص المغربية لدى الوكالات، البحث عن مهنة أخرى؟ هل أنهم مهددون حقا وأصبحوا من الماضي مثل الصحافة الورقية؟

لا ترى تريسي فولوز، كبيرة الإداريين الاستراتيجيين في شركة استشارية في مجال التوجهات، الأمر كذلك، وتعتقد أن النهج الأفضل هو خليط يمزج بين وسائل الإعلام القائمة الراسخة والمنصات الجديدة.

وتقول في تصريح نقلته عنها فاينانشيال تايمز “لا توجد أي علامة تجارية يمكنها إلغاء دور التلفزيون أبدا”.

إما تامارا إنغرام، الرئيسة التنفيذية لـ”جيه والتر تومبسون”، فتصر على أن الإعلانات التلفزيونية السياسية الصحيحة لا يزال من الممكن أن يتردد صداها على مستوى الدول.

كان نجاح الإعلان مرتبطا بالوسائل التي تقدمه، بينما أصبح اليوم بطريقة تأثيره والتي هي في الأغلب حسية، ومؤثرة على دماغ الجمهور، أما كيف يصل ذلك فتلكك مهمة “المبدعين” في صناعة تستبدل ثوبها القديم بأسرع مما يتصور العصر الرقمي.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
ركود رقمي، الورق يعني الورق!
2017-02-12
غمازة كاظم الساهر الواهنة
2017-02-07
مفعول ترامب دواء للكساد الإخباري
2017-02-05
لماذا نضرم النار في مدننا؟
2017-01-31
ترامب لعبة صحافية لا تُمل
2017-01-29
المزيد

 
>>