First Published: 2017-01-10

الحرب وخيانة التاريخ

 

الحرب حين تقع، فإن الكثير من التضليل يرافقها لكي يمهد للقبول بنتائجها التي لا يمكن أن يقبل بها إنسان.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

الحرب هي جيوشها وأسلحتها. قتلاها وجرحاها ومعاقوها. أرضها المحروقة وسماؤها الداكنة. مدنها المدمرة وواجهات وأعمدة أبنيتها المثقوبة والآيلة للسقوط. سخامها وغبارها ومخلفاتها وألغامها، سواء تلك التي انفجرت أو تلك التي لم تنفجر بعد. خنادقها ومتاريسها وخرائطها ودروبها المتشعبة.

ولكن الحرب هي أيضا حكاياتها. أخبارها وصدماتها ومفاجآتها. خسائرها التي تجمع البشر والحجر والوقت والثروة والمزاج والمشاعر والأحلام والتنهدات والأمنيات والسعادة والالم والضحك والبكاء والدموع واللهفة والغصة والوجع والتفاؤل والحنين في سلة واحدة، تلقي بها في الفراغ.

الحرب هي فراغها الروحي الذي يقع بعد أن يلملم المقاتلون أشلاءهم ويدثرون أسلحتهم ويعودون إلى بيوتهم التي صاروا غرباء عنها بعد طول فراق. ما من حقيقة من حقائقها هي أكثر بشاعة من تلك الحقيقة التي تكشف عن عبث ما ربحته الحرب مقابل ما خسره السلام. فالحرب تنتصر دائما، بغض النظر عن طرفيها، المهزوم والمنتصر، وهما مجرد كذبتين.

الحرب في نهاية الأمر هي كذبتها. فمَن لا يملك حلا عن طريق الحوار لا يمكنه أن يفرض ذلك الحل عن طريق الحرب. يعجز البشر أحيانا عن اللحاق بخيالهم فيسعون إلى فرض واقع ملفق عن طريق القوة. وهو واقع مؤقت، ذلك لأنه لا ينبعث من مادة التاريخ.

سيُقال إن التاريخ صناعة. وهو قول يخضع لكثير من النقاش.

لقد شهد القرن العشرين الكثير من الأحداث التي قيل إنها غيرت التاريخ. ثورة أكتوبر في روسيا وأزمة صواريخ كوبا وعودة الخميني إلى إيران وحرب يوغسلافيا التي أنهت بلدا كان قائما والحرب الباردة التي نتج عنها جدار برلين واحتلال العراق للكويت وأخيرا الربيع العربي، بكل ما انطوى عليه من كوارث، لا تزال تداعياتها تضرب المجتمعات التي قيل إنها كانت في حاجة إلى أن تغير مسارها التاريخي بالقوة.

في كل الوقائع السابقة كانت هناك دعوة إلى اللجوء إلى العنف، بحثا عن حلول، أعتقد الممسكون بزمام المبادرة أن التاريخ لن يستقيم إلا من خلالها. وهي فكرة أثبت التاريخ نفسه بطلانها وغباء الداعين إليها.

غير أن الحرب حين تقع، فإن الكثير من التضليل يرافقها لكي يمهد للقبول بنتائجها التي لا يمكن أن يقبل بها إنسان، لم يكن قد تعرض لعمليات غسيل الدماغ التي تمارسها ماكنات الدعاية التابعة للأطراف المتحاربة. وهو ما يعني أن الحطام البشري الذي ينتج عن الحرب لن يكون في منجى عن تأثيرات أكاذيبها، بل سيظل خاضعا لشروطها التي هي ليست سوى تمارين على الخداع، كان السياسيون الهواة قد سعوا من خلالها إلى استدراج الناس البسطاء إلى هاويتهم.

لقد تحولت حكاية ملكة فرنسا ماري انطوانيت التي لا تفرق بين الخبز والكاتو إلى نوع من الفاكهة الشعبية التي لا يخلو منها أي حديث. بل أن انطوانيت نفسها ما كانت لتذكر في التاريخ لولا تلك الحكاية.

المؤرخون يجزمون أن تلك الحكاية كانت ملفقة.

هناك حرب خفية، لا يفكر حملتها في الضرر الذي يمكن أن ينتج عنها.

صحيح أن التاريخ ينتصر انطلاقا من مقولة "لا يصح إلا الصحيح" غير أن ضحايا المرحلة الانتقالية التي تفصل بين الحرب على الحقيقة وبين الحقيقة حين تفرض ارادتها لا يمكن إحصاء عددهم.

مَن يعرف شيئا عن حقيقة الشعب الإيراني المحكوم بنظام شمولي هو الأسوأ في العصر الحديث؟ ألا يزال ذلك الشعب مستعدا لاستقبال خميني، عائدا من باريس، لو أن الزمن عاد إلى الوراء؟

ما اكتشفه الإيرانيون أن التاريخ حياة. ولأن حياتهم صارت أسوأ مما كانت عليه فقد استفاقوا على حقيقة خيانتهم للتاريخ.

الحرب هي خيانة للتاريخ.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
ممنوع معارضة المعارضة
2017-01-23
عدوان مهزومان وهدف واحد
2017-01-21
عبد لكي قديس الثورة السورية المطعون
2017-01-19
أهلا ترامب
2017-01-18
طوارئ سياسية
2017-01-17
في الطريق إلى دمشق
2017-01-16
العالم العربي المحروم من السياسيين
2017-01-15
ما الذي ينتظر العراق؟
2017-01-14
حاجة الرياض إلى العالم العربي
2017-01-12
قبل أن يحل الظلام
2017-01-11
المزيد

 
>>