First Published: 2017-01-10

جماعة الفن والحرية .. الإنشقاق، الحرب والسيريالية (3 / 5)

 

أعمال السيرياليين وكتاباتهم تكشف عن موقفهم من قضية المرأة كجزء من موقفهم المناهض لأشكال العنصرية التي أفرزها مجتمع يعاني من نواقص جسيمة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. أمل نصر

الأجسام المقطعة

بانتقالنا للقاعة التالية نجد عنوانها: "الأجسام المقطعة". ولأن الجسد هو المظهر المادي للروح وهو سطحها المرئي الذي يتلقى عذابات الوجود، فقد جاء في معظم أعمال السيرياليين مقطعا مفككا تحت وطأة انتهاكات الحرب.

ويذكرنا هذا ببيت شعري لجورج حنين من ديوانه "لامبررات الوجود" يقول فيه:

والملاك الجدد للشاطىء الأزرق

يخلقون في اللحم ـ الهبة العظيمة للأحياء

مساحات من العذاب كل يوم

ونستطيع أن نجد في تناول الجسد عند السيرياليين ثلاثة أوجه: الأول: تعبيري وهو نقل التأثير المباشر لإيذاءات الحرب، والثاني: بصري يتعلق بتأثير تداول صور الجنود المصابين والمشوهين من جراء المعارك، والثالث: مفاهيمي يتعلق بثورة السيرياليين على الصورة المثالية للجسد في الأعمال الطبيعية والواقعية التي ناهضوها.

وأتوقف هنا تحديدا عند أحد أعمال حسن التلمساني الذي اعتبره عملا سيرياليا بحس ميتافيزيقي يصور امرأة مقطوعة الذراعين وقد استبدل برأسها وجه سيال أخضر مشوه الملامح يتكىء على ما يشبه الهراوة أو جذع الشجر القديم.

لم يخضع الوجه لحس التمثال الحجري الذي صاغ به الفنان جسم المرأة، فالوجه هنا ربما يرمز لروح تخرج من الجسد بمادة مختلفة أو يرمز للتوقعات المخالفة لأننا نجد خلف القشرة الحجرية شيئا آخر لم نتوقعه، والجسد بأكمله مزروع في مشهد طبيعي معتم ضيق يحتبسه ويكثف معاناته. في حين أضاء الفنان باقي الجسد والذي استعار فيه شكل البورتريه الشهير لرينيه ماجريت الذي قدمه عام 1934، في معالجته لمنطقة الثديين والبطن و الحوض التي اتخذت شكلاً اشبه بالوجه الإنساني .

ثم ننتقل لقاعة عنوانها "امرأة المدينة" وهذا المسمى المقصود به في كتابات السيرياليين تحديدا: المرأة التي تمتهن البغاء. ويعود المسمى لإحدى قصائد جورج حنين تحت عنوان "سانت لويز بلوز" 1938 نسرد هنا مقتطفات مختارة منها:

صوت امرأة المدينة يتسرب الآن من الأفق كله. يطوق السهل كله.

إنها تنوي أن تحكي له كماً من الأسرار الخرافية التي لا يعرفها لا الراعي ولا الصيدلي.

إنها تود أن تشرح له حكاية السوارات التي تحرق ساعديها.

والسهاد المحتدم الذي يفرغ عينيها ولن يبرحها إلاَّ بالرغبة في قتل بعض العشاق العاجزين عن الإحاطة بشيء غير جسدها.

(ترجمة بشير السباعي).

وقد تبنى السيرياليون موقفاً متعاطفاً مع تلك المرأة حيث ساهمت سنوات الحرب فى زيادة الفقر الذي أدى بقطاع من النساء الفقيرات إلى امتهان الدعارة فيما عرف بـدعارة الحروب.

وفي هذا السياق كتب رمسيس يونان "إن بائعات الحب يأتين من الطبقة الفقيرة لأن الداء هو الفقر، لو بدأنا في محاربة الفقر بدلاً من مطاردة المومسات وتعذيبهن، ولو أننا نجحنا حقاً في محو هذا الفقر، لما بقيت بعد ذلك امرأة واحدة ترضى أن تبيع حبها لمن شاء. نحن لا نرى في البغاء إلا إفرازا قذراً لمجتمع مريض ملوث بالدماء". (عن مقال لرمسيس يونان بعنوان: حول إلغاء البغاء، مجلة التطور، العدد الثاني 1940/ كتاب السيريالية في مصر، سمير غريب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1968).

من هنا قدمت أعمال السيرياليين جسد المرأة منتهكاً مشوهاً خارجا عن الجماليات الكلاسيكية، رافضاً أن يكون موضوعاً للفرجة والاستمتاع، فهو عند السيرياليين موضوعا لإدانة المجتمع ومساءلته، المجتمع يفرغ وحشيته في جسد الرجل والرجل يفرغ وحشيته في جسد المرأة المؤجرة لتكتمل دائرة اللاإنسانية.

من هنا إذا تأملنا صورة المرأة في مجموعة العرض تحت هذا المحور ـ كما صنفها المعرض ـ سنجد "ذات الجدائل الذهبية" لمحمود سعيد امرأة ذات أعين غاوية تحدق فيمن أمامها في مواجهة وتحد لم نألفهما في صور المرأة، وفي الخلفية مشهد مركب من مدن عدة يصلح لأن يكون رمزا لمدينة كونية.

وفي عمل ايمي نمر نجد المرأة محتجزة في شبكة صيد تتناثر على جسدها ومن حولها ما يشبه الأسماك الصغيرة التي بدت كأنها تلتهم هذا الجسد المستسلم الخائر القوى المسلوب الإرادة.

بينما تبدو المرأة في إحدى لوحات رمسيس يونان المعروضة في فضاء معماري محدود وقد تجسدت في ثلاث صور بداية من صورة "مانيكان" مبتور الأذرع، ثم صورة امرأة ملقاة على الأرض وقد فرغ جسدها من كتلته فبدت كشبح متهاو، والثالثة في صورة تشبه التمثال بلا رأس أو أذرع وتكشف الحالات الثلاث عن معاناة صامتة لجسد متقطع وفاقد الهوية.

والجسد في أعمال يونان يتخلى عن مادته وعن جاذبية الأرض، مفرغ من عظامه ومن مفاصله ليصبح عجينة لينة سهلة التشكل، سيالاً مطواعاً ينسكب وينضغط ويتمدد كما يشاء الفنان.

هكذا تبدو امرأة المدينة في أعمال السيرياليين: جسد أجوف مفرغ ممطوط، مزين بالمسامير، مثقوب الثديين، مقطع الأوصال. هو جسد في كابوس سيريالي إذا جاز لنا التعبير.

ويذكرنا تناول السيرياليين لجسد المرأة بأبيات من قصيدة "انتحار مؤقت" لجورج حنين يقول فيها:

شقيقة الشفاه المهيبة

منها تدخل الأعصاب الهائجة

متلبسة بأيدٍ بشرية

تقطع رؤوس النساء بعد الحب

في حين تبدو نساء كامل التلمساني شبيهات بالجثث المتحللة، وقد دقت في أكفها المسامير كأنهن وقعن توا من عامود الصَلب متعلقة بشجرة واهية لعلها تمنحها حياة أخرى.

وفى هذا السياق نذكر مقاطع من نص لجورج حنين تحت عنوان "بورتريه كامل التلمساني".

"تعرف كإنسان كيف تهتك أسرار العاهرات غير المباحة، وكيف تعيد إلى وجه النهار عيونهن الفاحشة المدفونة منذ زمن بعيد. تعرف كيف تجعل من هذه الغنائم المنتزعة من باطن اليأس بصائر طريق عظيم مسددة ضد أرواح الناس المهذبين."

إن أعمال السيرياليين وكتاباتهم تكشف بوضوح عن موقفهم من قضية المرأة كجزء من موقفهم المناهض لكل أشكال العنصرية التي أفرزها مجتمع يعاني من نواقص جسيمة.

د. أمل نصر ـ أستاذ ورئيس قسم التصوير ـ كلية الفنون الجميلة ـ جامعة الإسكندرية

 

تفجيرات في الشرق مع تقدم القوات العراقية نحو مطار الموصل

قمة عُمانية كويتية لصياغة حوار ممكن بين الخليج وإيران

اندلاع المعركة الحاسمة في غرب الموصل

عون يتوعد إسرائيل بـ'رد مناسب'

وفاة الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية المصرية في أميركا

تدمير مركز قيادة للدولة الإسلامية غرب الموصل

مفوضية الانتخابات تؤجج صراعات البيت الشيعي بالعراق

احتفالات في ليبيا بثورة أطاحت الاستبداد وفرضت الانقسام

نصرالله يصطنع خطوطا حمراء لاختبار مزاج ترامب


 
>>