First Published: 2017-01-12

مصر بعد أن تهدأ العواصف

 

لا خيارات كثيرة أمام مصر سوى القيام بدورها الإقليمي المحوري.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

من أهم سمات المنطقة التي نعيش في محيطها أنها حافلة بالعواصف الأمنية والسياسية، ربما شهدت مثلها وأكثر قبل عقود ماضية، لكن حالة الركود التي عاشت في ظلها لسنوات فرضت على أصحاب المصالح الكبرى ضرورة "رجرجتها" حتى يتسنى لهم فك وتركيب بعض مفاصلها الرئيسية.

وبصرف النظر عن النسبة التي أحرزتها عملية التفكيك، ففي كل الأحوال تم إحراز جزء معتبر يمكن البناء عليه، بصورة تجعل عالم ما بعد عام 2011 لن يكون شبيها بما قبله، من حيث التوجهات والتصورات والسياسيات، والقوى الفاعلة الرئيسية والهامشية، وصولا إلى طبيعة شبكة المصالح المعقدة، التي سوف تكون حاكمة لكثير من التصرفات الإقليمية والدولية.

البعض يدقق في ما حصل في سوريا، ولا يزال، ويحاول أن يكّون صورة عن ملامح الترتيبات المقبلة، لكن هناك من يملكون رؤية أعمق، وينظرون للمشهد من زواياه وأبعاده المختلفة، وكل ما ينطوي عليه من تغيرات وتطورات، وليس بالضرورة أن يكون حلفاء الأمس هم حلفاء اليوم، أو العكس، فما يدور فوق السطح وداخل الغرف المغلقة، يشي بأن المنطقة أمام زلزال، يمكن أن يصيب البعض بالدوار ويفقدهم توازنهم المعروف. فالحركة السياسية الدائرة الآن، مهما بلغت درجة سيولتها الراهنة، فهي تقترب من الثبات، لأن وقت ترتيب الأوراق حل أوانه.

الطريقة الهادئة التي تتعامل بها روسيا مع كثير من الدول، تؤكد أن قيادتها تملك رؤية واضحة، والأدوات التي تتعامل بها الإدارة الأميركية الحالية، تقول أنها مصممة على أن تترك ميراثا ثقيلا للإدارة اللاحقة، وهو ما يجعل موسكو تسارع خطواتها لتوظيف هذه الحالة التي لم تشهد لها مثيلا الولايات المتحدة. فروسيا التي وضعت تركيا تقريبا على مقربة منها، تريد أن تحرم واشنطن من أهم أوراقها في المنطقة، وهي أيضا التي كرست علاقاتها مع كل من إيران وإسرائيل وسوريا والعراق ومصر، لن تكون بعيدة عن تعزيز علاقاتها مع غالبية دول الخليج.

المؤشرات الدالة على ذلك عديدة. فالمحاور التي تسير عليها موسكو جعلتها تمتلك حزمة من المفاتيح التي تمكنها من دخول أبواب كثيرة، عنوة أو باستئذان، وهو ما يخلف وراءه تداعيات متباينة ورابحين وخاسرين وحلفاء وخصوما، ودولا قوية أو أشباه دول، لأن معركة كسر العظام السياسية سوف تكون أشد شراسة من المعارك العسكرية التي دارت رحاها في سوريا أو غيرها. فالأخيرة كان بالإمكان التدثر بأردية البعض. أما الثانية (السياسية) فلا بد أن يكون لكل عظم لحمه الذي يحميه. فمن الممكن أن تحارب بالوكالة، لكن من الصعوبة أن تتفاوض كذلك.

الحكمة السياسية وفرت لمصر فرصة جيدة وسط العواصف الأمنية، التي رأيناها هنا وهناك، وجعلت علاقاتها متوازنة مع كثير من الدول. حتى من تطاولوا عليها وحاولوا التخريب والتدمير لم تتم مبادلتهم بالطريقة ذاتها وهو ما يتيح المجال لتكون مصر رقما مهما في الترتيبات القادمة.

هناك علاقات دولية جيدة، مع الشرق والغرب، والشمال والجنوب. وكما كانت مصر "الكعكة" التي يسعى البعض للفوز بها في الضراء، أصبحت أيضا الدولة التي يتصارع على جذبها الكبار، ليس كعنصر إقليمي مساعد، لكن لحاجة إليها في ضبط التوازنات المختلة. مصر هي الأكثر استعدادا، بحكم الجغرافيا والتاريخ، والأكثر قابلية للفعل، بحكم الرغبة في استرداد الدور، والأكثر جاهزية، بحكم الإمكانيات.

الفرصة التي يعتبرها كثيرون مواتية أمام مصر، تتطلب مجموعة من المحددات، توافرها يؤكد أن هناك رغبة وإرادة وعزيمة على تحويل الغياب الإقليمي إلى حضور طاغ، يتجاوز حدود الحفاظ على المصالح المصرية، إلى توفير حماية حقيقية للأمن القومي العربي، وتقليص مساحة التردي في محاوره المختلفة، والأهم وقف تمدد بعض القوى الإقليمية الطامعة في زيادة الهيمنة على مقدرات المنطقة العربية، ويمكن التوقف عند أربع نقاط رئيسية.

الأولى، تحديد ماذا تريد مصر أن تكون، هل تسعى فعلا لتصبح رقما أساسيا؟ وفي هذه الحالة يجب اتخاذ مجموعة من الخطوات التي تقود إلى النتيجة المباشرة، وتحمل متاعبها وتكاليفها، لأن مصر يصعب أن تعيش حياة طبيعية وهي منكفئة على نفسها. فالدور الإقليمي أحد أهم مكونات الأمن القومي، وهو فرض عين وليس اختيارا، مما يستوجب وضع رؤية شاملة وواضحة للوصول إلى هذا الهدف. ربما كانت أسباب الخمول خلال السنوات الماضية مفهومة، لكن لن تكون مقبولة مستقبلا في ظل ارتفاع سقف الأمنيات والظروف الإقليمية المواتية.

الثانية، كيف تصل مصر إلى ما تريد؟ الأمر يتطلب تدشين حزمة من السياسات المتوازية وعلى أصعدة مختلفة تأخذ في اعتبارها التباديل والتوافيق التي تتم على الساحتين الإقليمية والدولية، والتي تجعل عددا كبيرا من الخيارات المتصادمة ممكنا. يتطلب الأمر أيضا مراعاة البيئة الحافلة بالمتناقضات وحركة الصعود والهبوط فيها من العوامل التي تضمن لمصر مكانا مهما تحت شمس الشرق الأوسط.

الثالثة، أي دور تريد أن تلعبه؟ الإجابة المحددة على هذا السؤال تصلح لأن تكون مدخلا لكثير من السياسات والتصرفات، بمعنى هل نريد أن نكون أحد عناصر الشرطة التي تحرس المنطقة لحساب قوى كبرى، أم أحد أهم قادتها ممن يحفظون الأمن القومي العربي؟

من المؤكد أن الاختيار الأول عفا عليه الزمن، وحان وقت القيام بمهام وأعباء الشق الثاني. ففي ظل كثرة القوى واللاعبين في المنطقة، لا بد أن تكون هناك قوة عربية مهيأة لتحمل هذا العبء، وهو ما يمنح صاحبتها الريادة الحقيقية، خاصة أن الجهات الموازية، أو التي لديها استعداد لتحمل هذه المشقة، تملك من الأزمات ما يعوق قيامها بهذه المهمة.

الرابعة، ما هي الأدوات التي تضمن الحفاظ على علاقات إقليمية ودولية جيدة؟ في ظل التضارب الحاصل في المصالح، صار من الصعوبة بمكان أن تملك أي دولة علاقات قوية مع الجميع، الأمر الذي يتطلب من مصر مرونة أو مروحة سياسية، قادرة على الاستيعاب، عمادها المنافع المتبادلة. هذه هي الصيغة التي بدأت دول كثيرة تنتهجها، وتمكنها من تقليل الخصوم وزيادة الأصدقاء. ولعل المنهج الذي تسير عليه موسكو حاليا تمكن من أن يحقق أغراضه. لكن مسألة إعادة تكراره تتطلب مراعاة خصوصيته.

بالتالي، وبعد أن تهدأ العواصف وتتوقف المدافع، يجب أن تكون مصر مستعدة للقيام بدور فاعل ومؤثر، لتطوي صفحة غامضة استمرت نحو أربعة عقود.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
نكبة الأحزاب المصرية
2017-02-24
إنهاء الانقسام الفلسطيني أم تكريسه؟
2017-02-16
انتبهوا أيها السادة..
2017-02-09
في مصر.. سيمفونية واحدة لا تكفي
2017-02-02
صوت مصر الغائب
2017-01-26
الصراعات والعمل الإنساني والإعمار
2017-01-19
مصر بعد أن تهدأ العواصف
2017-01-12
الفساد الأكبر.. والفساد الأصغر
2017-01-05
النخب العربية والخلافات السياسية
2016-12-29
تذهب المكايدات العربية وتبقى التداعيات
2016-12-22
المزيد

 
>>