First Published: 2017-01-13

السعودية وإيران: دبلوماسية الحج!

 

الخلاف هو الأساس بين الرياض وطهران. هذا لا يمنع توافقات بين الحين والآخر كما حدث في أوبك مؤخرا أو على الملف الرئاسي اللبناني.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

بين السعودية وإيران خصام منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. وعلى مدى العقود التي تلت ذلك لم يخف دفق التوتر والشكوك بين البلدين، حتى أن قواعد السياسة الخارجية للرياض كما لطهران بنيت على أساس العداء المتبادل، والذي ما برح يتفاقم في سخونة هي أشبه بحرب حقيقية تأخذ أبعادا غير مباشرة موجعة.

يتنافس البلدان على التقدم لتمثيل الإسلام والمسلمين. كان في بال روح الله الخميني أن يحوّل بلاده إلى قبلة الدين الحنيف في العالم، وكان في باله أن النسخة التي يريدها للإسلام والتي على أساسها أطاح بحكم الشاه قابلةٌ للتمدد والتصدير، تماما كما كان حال الأيديولوجيات التي راجت حول ماركسية تندفع بصيّغ لينينية أو ماوية أو حتى ستالينية.

لم يكن إسلام الخميني بالضرورة شيعيا لو قيض له أن يخترق جدار السنّة، لكن مرشد الثورة الأول فهم حدود طموحاته داخل صفوف السواد الأعظم من المسلمين في العالم، وهو الذي حقق انجازات في الوجدان العام للمنطقة، لا سيما في واجهته الفلسطينية الشاملة مرة، وفي تحالفه مع تيار الإسلام السياسي السنّي مرة أخرى.

تتأسس حكاية المملكة العربية السعودية الحديثة على إسلامية مصادرها ومنابعها ومنابرها ومآلاتها. سعت الرياض لتصدُّر واجهة الإسلام والمسلمين في العالم، وألفت بين جناحي الحكم والدين قاعدة وفلسفة لسياق التوحيد الذي قاد إلى قيام المملكة بزعامة العاهل المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود.

تولّت السعودية الدفاع عن أمنها الإستراتيجي ضد التهديدات التي تعاظمت في ظل الحرب الباردة. كان على الرياض أن تواجه المدّ العروبي القومي وذلك اليساري الشيوعي العبق الذي حملته مآلات خروج المستعمر من المنطقة. وكان على الرياض أن تواجه الـ "تسونامي" الإسلامي الثوري الإيراني الذي يطرق أبواب المملكة ويهزّ عرش تمثيلها للإسلام في العالم.

تراجعت إيران إلى المنطلقات المذهبية الحقيقة لجمهوريتها الإسلامية. ثبتت المذهب الجعفري الاثني عشري روحا لدستور جمهورية الخميني وخامنئي من بعده. باتت العلاقة مع السنّة "الثوريين"، في نسخاتهم المتعددة وفي جنسياتهم المختلفة، علاقة بين أصل وفرع. وحين تتفاقم الأزمات يبقى الأصل ويسقط الفرع.

وهنت علاقة طهران مع جماعة الإخوان المسلمين وفروعها الفلسطينية (والمقطوعة أساسا مع فرعها السوري) منذ أن باتت مصالح طهران في دمشق لا تتحمل اجتهادا آخر. ولدوافع تتعلق بالدفاع عن الدين والمذهب، طردت الخرطوم وقبلها الرباط الحضور الدبلوماسي الإيراني من البلدين. في ذلك فهمت طهران أن للسيول الطموحة سدودا ترتفع حتى لو تأخر ظهورها.

ترجلت إيران عن عرش احتكار الإسلام والمسلمين لتطل من شرفة تمثيل الشيعة في العالم. وكما اعتبرت النازية نفسها يوما أنها مسؤولة عن شؤون الناطقين بالألمانية في العالم وبالتالي لا غرابة في ضم أي أرض يسكنها ألمان إلى داخل حدود الرايخ، فإن إيران تعتبر الشيعة في أي مكان امتدادا طبيعيا لنفوذها ومصالحها في العالم، معنية بمصيرهم وأمنهم واحوالهم. وعليه فإن الحاكم في طهران نجح في العمل بدأب على أي وجود للشيعة في المنطقة، ونجح نسبيا في إقناع الشيعة، أنهم جزء من قوة الجمهورية الإسلامية ومن أذرعها في العالم.

على هذا الأساس تدرج طهران تدخلها في العراق والبحرين والسعودية ولبنان واليمن وباكستان..إلخ. وعلى هذا الاساس تستخرج من جموع الشيعة هناك مقاتلين وفصائل وتيارات وأحزابا تتحرك وفق أجندة طهران ومزاج قيادتها.

قد لا تجاهر السعودية في أنها ترعى حراك السنّة في المنطقة، ذلك انها ما زالت، على المستوى الرسمي على الأقل تتحدث عن إسلام واحد جامع. بيد أن الصراع السني الشيعي بات الوجه الواضح لصراع الرياض مع طهران، وأن أدوات هذا الصراع في كافة ميادين الاحتكاك هي بالنهاية تنشط وفق شروط الخلاف المذهبي السياسي الحديث بين السنة والشيعة.

على أن السعودية تملك في مواجهة إيران فوقية دينية لا منازع لها. ترعى الرياض إدارة مناسك الحج، فيما ديار الحج المقدسة هي جزء لا يتجزأ من سيادة المملكة. أدركت إيران ذلك منذ اطلالات الخميني الأولى وسعت إلى تفخيخ مواسم الحج بمظاهرات داخل الحرم القدسي لقيت مواجهة سيادية من أصحاب الأرض كما استنكارا من دول العالم الإسلامي، وبات الحج مناسبة للمناكفة، بوجوه وأساليب متعددة بين البلدين.

فجرت حادثة تدافع الحجاج عام 2005 (2300 ضحية بينهم 464 إيرانيا) صاعقا جديدا لتأجيج الصراع بين البلدين عندما شككت طهران بقدرة الرياض على التنظيم، إلا أن الاعتداء على المؤسسات الدبلوماسية السعودية في إيران اوائل 2006 احتجاجا على اعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر، قاد إلى قطع الرياض لعلاقاتها الدبلوماسية مع طهران.

وعلى الرغم من جسامة الخلاف مع طهران، إلا أن الرياض لم تقطع الرابط الذي تفرضه عليها مسؤولياتها في تنظيم موسم الحج وأرسلت دعوة لطهران لإرسال بعثتها للموسم المقبل. تلكأت طهران أسبوعين قبل أن تقر بأنها تلقت الدعوة فعلا. لم تعط الرياض للأمر بعدا خاصا، بل أن وزير الحج أدرج الأمر في سياق سلسلة لقاءات مرتقبة مع أكثر من 80 بلدا، بينها إيران، لمناقشة الترتيبات المتعلقة بتنظيم الحج في الموسم المقبل.

سجل المراقبون تواطأ مشتركا للبلدين في ملفين علنيين. مرر البلدين صفقة لإنعاش سوق النفط من خلال توصل منظمة اوبك في نوفمبر الماضي إلى اتفاق يراعي مصالح السعودية دون أن يضر بمصالح إيران، فيما تجمع الأوساط في لبنان على أن تقاطعا ما، بصيغة ما، بين الرياض وطهران أدى إلى إنهاء الشغور الرئاسي في لبنان وانتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية.

على ذلك تبدو ميادين الصراع بين البلدين في تحول وتذبذب وفق ايقاعات مقلقة لا يمكن اعتماد نتائجها في حسابات الأرباح والخسائر لكلا البلدين. قد يمكن يبدو موقع إيران محرجا داخل في اليمن يقوّض إطلالتها العتيدة على مضيق باب المندب، وقد يمكن تلمس ضبابية في موقع السعودية داخل سوريا لمصلحة احتكار تركي روسي إيراني للحل في هذا البلد، فيما يبقى العراق قيمة غير ثابتة في خرائط التقاسم الاستراتيجي بحيث لا تبدو مآلات معركة الموصل تصبّ في سلال إيران هناك.

لم تشارك إيران في موسم الحج العام الماضي، وهي سابقة في العقود الثلاث الأخيرة. تفقد إيران معركة الحج وتدرك أن غياب حجاجها عن الموسم المقبل يفقد إيران مناسبة للفعل داخل أكبر منابر "الأمة". تتعامل السعودية مع الأمر من موقع مترفع لا يريد الخلط بين النزاع السياسي ومناسك الدين، فحتى حين فشلت المفاوضات بين طهران والرياض العام الماضي في التوصل غلى اتفاق حول ترتيبات تنظيمية مشتركة خلال موسم الحج، إلا أن السعودية سمحت بدخول الحجاج الايرانيين القادمين من دول اخرى. وفي الفعل ورد الفعل، وفي إعلان الدعوة السعودية والتلكؤ الإيراني في الاقرار بها، تمرين مرتبك في دبلوماسية حج ملتبسة.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم بدوي وسخ
الدولة سعوديه

السعودية وإيران دبلوماسية الأرهاب هذه من اول الدول المصدره للارهاب

2017-01-15

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟
2017-09-08
مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!
2017-08-25
مفاجآت الأعرجي...
2017-08-18
وزراء لبنان في دمشق: مآلات العهد
2017-08-14
سكون الحريري وضجيج هيلي
2017-08-11
سوريا: هل تعدّ الرياض المعارضة لمقاربة الحل الروسي
2017-08-07
كيف تتحرك الرياض باتجاه العراق؟
2017-08-04
المزيد

 
>>