First Published: 2017-01-21

عدوان مهزومان وهدف واحد

 

الحرب التي يمثل طرفاها في المفاوضات الجعفري وعلوش ستظل دائرة مجازا، ذلك لان الطرفين لا يملكان ما يقدمانه حلا للأزمة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لا بشار الجعفري ولا محمد علوش سيجتازان العتبات الأولى للوصول إلى جنيف من خلال مؤتمر استانة. فالعدوان، يفكر كل واحد منهما بالإطاحة بالآخر. سيفرش الجعفري بلاغته الهوائية ليصنع منها منطادا يحلق بالحاضرين في عوالم أندلسية فيما لا يملك عدوه علوش سوى ما تعلمه في جبهات القتال من جمل متشددة، صارت بمثابة لازمة غير واقعية للكلام عن واقع افتراضي، هو أشبه بالحلم بعيد المنال.

السوريان يسعى كل واحد منهما إلى أن ينتصر على الآخر هذه المرة بالنقاط بعد ما عجزا عن الوصول إلى الضربة القاضية. في المقابل فإن المجتمع الدولي في جزئه المقبول روسياً لن يكون متفرجا على ذلك الجدل الفارغ من أي معنى لأنه لا يملك الوقت لذلك.

إن استعرض الجعفري ثقافته الرومانسية ورد ليه علوش بقنابل صوتية فإن ذلك الحدث لن يؤثر في شيء على ما ينطوي عليه مؤتمر استانة من معان، هي في حقيقتها تكريس رسمي لحقيقة انتقال الملف السوري إلى جدول العلاقات الروسية ــ التركية.

وجود السوريين ضروري لكن من جهة الاعتراف ليس إلا.

كلا الطرفين حضرا لإفشال المفاوضات. وهو ما تعرفه روسيا وتركيا جيدا.

لذلك سيكونان أشبه بمهرجين. وقد لا يكون بعيدا عن الواقع إذا ما افترضنا أن المطلوب منهما لا يتخطى ذلك. فهما بالنسبة لروسيا بشكل أساس ليسا سوى ممثلين في مسرحية.

ربما يكون ذلك الوصف الساخر كئيبا ومزعجا، غير انه يعبر عما انتهى إليه الواقع في سوريا، بعد حرب الست سنوات العبثية. لقد بلغ العداء أشده بين طرفين، بدا واضحا أنهما لن يجتمعا على مشروع وطني واحد يجعلهما قادرين على الأصغاء، أحدهما إلى الآخر.

ما صار اليوم واقعيا هو أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.

لقد فرضت الدولة الوحيدة الراعية للحرب في سوريا على السوريين أن يحضروا إلى استانة لا لكي يملوا شروطهم، بل لكي يأملوا بالخروج بخسائر اقل فداحة. ما خسره الجانبان في الحرب لا يمكن تعويضه من خلال مفاوضات السلام التي لا يعولان عليها كثيرا. فالحديث عن تثبيت الهدنة لا يعني بالضرورة نهاية للحرب.

فالحرب التي يمثل طرفاها في المفاوضات الجعفري وعلوش ستظل دائرة مجازا، ذلك لان الطرفين لا يملكان ما يقدمانه حلا للأزمة التي لا ينظران إليها من جهة وطنية واحدة.

صحيح أن الجعفري وعلوش مواطنان سوريان، غير أن صورة سوريا هي التي تفرق بينهما. وهي التي صنعت منهما عدوين مهزومين في ذات الوقت. فما صار واضحا تماما أن السوريين قد هُزموا في عقر دارهم. لم يهزمهم أحد، بل هزموا أنفسهم بأنفسهم حين عجزوا عن الوصول إلى لغة مشتركة تغنيهم عما وصلوا إليه من مستويات متدنية في التعامل مع فكرة الوطن.

سوريا التي تعرف لا يليق بها أن تكون ممثلة بالجعفري وعلوش.

سوريا المعاصرة التي اخترعت بلاغة المعنى الثقافي لمفهوم العروبة، بعيدا عن روح التعصب القومي والتي كانت دائما نموذجا مثاليا للعيش التاريخي المشترك العابر للأديان والإثنيات والتي لم يصبها الفقر بسبب تفاني مواطنيها في الارتباط بأرضهم المعطاء هي اليوم للأسف أقل من أن ينظر إليها بطريقة، تكفل لمواطنيها حق أن يروها محترمة في المكان الوحيد المتبقي لها لكي تقول من خلاله كلمتها في شأن مصيرها.

وكما أرى فإن الذهاب إلى استانة بروح التنافس نفسها التي سادت أجواء المفاوضات السابقة لن يهب السوريين شيئا ينفع. فالمسألة لم تعد تتعلق اليوم بمَن يهزم مَن، ولا بسعي كل طرف إلى أن يحرز نقاطا على الطرف الآخر، بل بإخراج سوريا أو ما تبقى منها من سوء الفهم الذي أوصلها إلى ما هي فيه اليوم من حالة غياب عن الوعي.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
المزيد

 
>>