First Published: 2017-01-24

اللغات لا تتقاتل

 

اللغة كائن حي يولد وينمو وقد يموت، واللغات تتلاقى وتتلاقح لكنها لا تتقاتل! وأهمية الإنكليزية أتت من كونها نتاج خليط من عدة لغات ولدت منه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

نشبت حرب لغوية وتاريخية قبل سنوات ولم تنطفئ نيرانها بشكل نهائي، عندما أضرمت آنذاك وزيرة التعليم العالي الفرنسية جونافييف فيوراسو، نار اللغات أمام البرلمان بالسماح باعتماد تدريس بعض المقررات العلمية في الجامعات الفرنسية باللغة الإنكليزية.

كان المقترح أشبه بكسر عنق التاريخ بالنسبة إلى الفرنسيين بعد صراع بين الفرنسية والإنكليزية استمر ألف عام، واصفين المقترح بأنه إذلال للغة موليير وتنازل عن عرشها أمام لغة شكسبير، ومتهمين الوزيرة بـ”الخيانة اللغوية”، مع أنها كانت تهدف إلى جذب أفضل الطلاب الأجانب وجعل العلماء الفرنسيين أكثر قدرة على الكلام والكتابة بالإنكليزية التي تعد اللغة الدولية للبحث العلمي.

لا يبدو لي أن اللغات تتقاتل في ما بينها، بل الشعوب الناطقة بها تعبر عن عنصرية وتعال عندما تفترض سمو لغتها على لغة أخرى، اللغة كائن حي يولد وينمو وقد يموت، واللغات تتلاقى وتتلاقح لكنها لا تتقاتل! وأهمية الإنكليزية أتت من كونها نتاج خليط من عدة لغات ولدت منه، وأهميتها تكمن أيضا بأن الفكر الطبي والهندسي والاجتماعي والأدبي كتب بها، وأصبح مرجعا للدراسات في العالم، ويزيد من أهميتها أيضا عدد الناطقين بها.

مثل هذا الكلام عن الإنكليزية كان على الكاتب سايمون كوبر تذكره قبل كتابة مقاله في فايننشال تايمز هذا الأسبوع، واصفا اللغة الإنكليزية بأنها أضحت وبالا على أهلها ونقطة ضعف! بعد أن كانت مصدر قوة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

مسوغات كوبر بشأن هذا الوبال تبدأ، من تعلم الروس السريع للغة الإنكليزية ومن ثم قرصنة الانتخابات الأميركية، ويعزو ذلك إلى أن الأعداء صاروا يفهمون ما يقوله الأميركيون والبريطانيون وكأنهم “يعيشون في بيت من زجاج مكشوف للقراصنة”.

باختصار يرى سايمون كوبر أن “الأجانب يعرفوننا أفضل بكثير مما نعرفهم!” بعد تعرض دور اللغة الإنكليزية للتغيير بسرعة، ومنذ ثمانينات القرن الماضي صار الملايين من الصينيين والروس يدرسون الإنكليزية ويقرأون بها بطلاقة. ويستمر كوبر في مثل هذا التسويغ الفاقد لجدواه، من أجل تحميل اللغة الخلافات السياسية ومحاصرة الإنكليزية ومنع غير الناطقين بها تعلمها.

ويرى أن إشكالية ذلك اتضحت للمرة الأولى بعد 11/9، حين وجدت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أن العالم العربي عالم مبهم. ويستعيد كلام آدم سيغال، مؤلف كتاب “النظام العالمي المخترَق”، أن أعداء أميركا تعلموا الإنكليزية وصار بمقدورهم نشر أي شيء محرج لسياستها بلغتها، حيث يسهل بعدها على وسائل الإعلام الأميركية تناول القصة، كما يُمكن هؤلاء “الأعداء” من صنع أخبار وهمية بالإنكليزية، لكنه يصعب على الأميركان والبريطانيين فعل ذلك في الاتجاه الآخر.

تحميل اللغة مثل هذا الخلاف السياسي يثقل كاهل المعرفة قبل أي شيء آخر، الناس تتعلم الإنكليزية يا سيد كوبر ليس لتتجسس عليكم، بل لتكتب وتغني بها وتقرأ فيرجينيا وولف وتردد مقاطع من “الأرض الخراب” لـ”تي أس إليوت”، نتعلم الإنكليزية علنا نستطيع قراءة يوليسيس لجيمس جويس وفهمها، أو إعادة قراءة الصخب والعنف لوليم فوكنر بلغتها الأم.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>