First Published: 2017-01-26

صوت مصر الغائب

 

مصر تحتاج إلى رؤية شاملة تعي جدوى القوة الناعمة وتدرك أهمية الدور الذي تلعبه النخبة في توسيع حضور ونفوذ البلاد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

في كل مرة أحضر مؤتمرا بالخارج، أجد صوت مصر مختفيا أو موجودا على استحياء، بينما هناك جنسيات عربية وأوروبية وأميركية وأفريقية وأسيوية تتسابق في تمثيل بلادها وتبييض وجهها، وتعبر عن رؤى وأفكار تؤكد حضورا لافتا.

كنت أعتقد أن هناك تغييبا متعمدا للصوت المصري، لكن عندما بدأت أتابع القضية وأحاول تفسيرها وفهم أبعادها، وجدت أن العيب فينا، فمن يتم ترشيحهم للحضور من قبل بعض الجهات معظمهم من معدومي الكفاءة أو يمتلكون قدرات علمية محدودة، ومن الطبيعي أن يكون الوجود باهتا. كما أن الدعوات توجه أحيانا لشخصيات ثقافية وفكرية كبيرة ولها وزن علمي، لكن غالبيتهم لا يذهبون ولا يرشحون من ينوب عنهم، والأدهى لا يعتذرون للجهات الداعية، ما يترك انطباعات بالتعالي والغطرسة والاستغناء، فلا توجه لهم أو لغيرهم دعوات مرة أخرى.

في أحد المرات، كنت مدعوا فيها بصفتي الصحفية للمتابعة والتغطية في مؤتمر علمي كبير بدولة خليجية، ولم أجد باحثا أو كاتبا مصريا، فسألت الجهة المنظمة عن مبرر لهذا الغياب، فقيل أن هناك دعوة رسمية وجهت لخبيرين مرموقين في العلوم السياسية، ولم يتلقوا من أي منهما إجابة بالقبول أو الاعتذار أو ترشيح من يمثل كلاهما، وبالتالي لم يتم توجيه الدعوة لآخرين.

وقتها استشعرت مدى أهمية الحضور المصري، عندما وجدت مشاركين من دول مختلفة يأتون على ذكر مصر، سلبا أو إيجابا، وتقريظا وتقريعا، فكان من الواجب أن أكون مشاركا فاعلا، وقمت صدفة، وزميل آخر كان مدعوا أيضا بصفته الصحفية بمهمة الرد على ما تم طرحه من انتقادات ومعلومات غير دقيقة.

هذه المسألة تكررت بصور وأشكال مختلفة، وأناقشها هنا لأهميتها وخطورتها، حيث يجري طرح قضايا في صميم المصلحة المصرية والترويج لشائعات ومغالطات متعددة، بعضها متعمد ومعظمها عن جهل. فتخيل أن هناك من يتحدث بثقة عن وجود مخيمات لاجئين في مصر، تستوعب ملايين المواطنين من فلسطين وسوريا والسودان وليبيا واليمن، فما هو شعورك عند تسويق هذه المعلومة الخاطئة؟ وما هي تداعياتها عندما يتلقفها البعض ويرددونها في كتاباتهم وأحاديثهم على أنها حقيقة؟

الأشد خطورة أن هناك حديثا مكررا ومملا يُحمل مصر مسئولية حصار غزة، وأنها السبب الرئيسي في عدم اعمار القطاع، دون أن يتطرق أحد لدور إسرائيل المجرم والمعرقل وتدخلات ومناورات جهات إقليمية متباينة وأخطاء بعض الفصائل الفلسطينية، كما أن ثمة كُتابا من دول عدة يتحدثون عن الأوضاع في سيناء كأنها على فوهة بركان ولا توجد سيطرة مصرية كاملة على جميع ربوعها، وأن الحرب ضد الإرهاب أمامها شوط طويل، والأجهزة الأمنية غير قادرة على كبح جماح المجرمين والإرهابيين.

هذه النوعية من الأكاذيب يتم ترويجها على نطاق واسع في ندوات ومؤتمرات وحوارات تعقد في دول كثيرة، ولا تجد من يفندها أو يرد عليها، لأن الصوت المصري أصبح غائبا عنها، ما يمنح البعض فرصة لقلب الحقائق، ويفسح المجال لدوائر معادية لالتقاطها والعمل على ترسيخها في أذهان الحضور، الذين يملك عدد منهم منابر إعلامية مؤثرة، تتولى نشر البضاعة الفاسدة.

ربما تقود الصدفة وحدها بعض الزملاء للرد على ما يتيسر من افتراءات، فما بالنا إذا كان الغياب ظاهرة عامة؟ الأمر الذي ينتقص من وزن وقيمة الدولة، بل يحمل انعكاسات سلبية تمتد روافدها إلى قضايا محل اعتبار بالنسبة للأمن القومي، وتكون مهمة التصويب وإيجاد صورة إيجابية عملية في غاية الصعوبة، لأنها تنطوي على جهد مزدوج أو له وجهان، أحدهما محو الانطباعات الخاطئة القديمة، والآخر تحسين الصورة الذهنية والوصول إلى الدرجة التي تعبر عن مصر الجديدة الطموحة.

المقال ليس من بين أهدافه الحديث عن مؤامرات أو سوء نية من جانب البعض، لكن هدفه المناقشة والاعتراف بوجود نقص وفقر وتكاسل وخمول عام في النخبة، وأحيانا هناك خضوع للمناورة والابتزاز والمجاملة في التمثيل العلمي، ما يؤدي إلى نتائج كارثية، من اليسير لكل منصف ملاحظتها، ومن السهولة تصويبها، إذا خلصت النوايا، وجرى التخلي عن الأبعاد الشخصية، والتعامل مع الموضوع باعتباره قضية حيوية، تمس صورة وسمعة ومكانة مصر.

في مقدمة الخطوات الواجب التفكير فيها، عند من يتحكمون في زمام الحل والعقد بالبلاد، أن نمتلك رؤية شاملة تعي جدوى القوة الناعمة، وتدرك أهمية الدور الذي تلعبه النخبة في توسيع حضور ونفوذ مصر، وتعمل على إعادة إحياء هذا المسار، بحسبانه مكملا لمسارات أخرى، سياسية وأمنية واقتصادية، وبدون نوافذ ثقافية ناصعة ومنابر إعلامية نشطة، من الصعوبة الدفاع على أي مشروعات إستراتيجية، لأن تصدر الكسالى ومعدومي الموهبة ومن يجيدون فنون النصب والسرقة العلمية والكذب للمشهد سوف تكون له تداعيات سيئة.

وفي الوقت الذي يختفي فيه الصوت الثقافي المصري بالخارج، تتقدم أصوات من دول عربية، وتحقق حضورا سريعا ولافتا، وتعمل جهات رسمية على رعايته واحتضانه وتطويره، باعتباره رصيدا مهمة في قوتها الناعمة، لذلك من الضروري اليقظة والانتباه بأن مدح التاريخ والتوقف عند تفاصيله واستدعاء الماضي ووقائعه لن يقيم دولة عصرية لها نفوذ إقليمي، والمشروعات التنموية والتطلعات السياسية الكبيرة، تتضرر ما لم تمتلك أدوات موازية للقوة الناعمة يمكنها الدفاع عنها باقتدار.

يجب أن نعترف أن الفترة الماضية شهدت تجريفا، أدى إلى ما نحن فيه من خواء، ساهم في احتضار قوة مصر الثقافية، وهو ما يستوجب إعادة تصويب البوصلة، عبر وضع مجموعة من التصورات والإجراءات وفقا لإستراتيجية تساعد على إحياء فكرة الدور والريادة والقيادة، لأن استمرار الحال على ما هو عليه يدخلنا دائرة النسيان.

ولعل إمعان النظر في الطريقة التي تدير بها دول صغيرة سياساتها الإعلامية والثقافية يؤكد أن درجة التأثير تتوقف على مدى امتلاك رؤية ومشروع وتصرفات وممارسات علمية، تعكس ما تريده تحقيقه من أهداف، وإذا كان البلد بحجم مصر فالمهمة أسهل، فقط مطلوب إطلاق صافرة البداية بما يتسق مع مقتضيات العصر ومفرداته.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>