First Published: 2017-01-30

خالد عزب يحلل مقر الحكم في مصر بين السياسة والعمارة

 

المدى الزمني للدراسة تكشف عن قدرة الباحث على تجاوز الزمان والمكان إلى فلسفة السلطة حيث يطرح إشكالية نمو الدولة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

مثالي من حيث العمارة

هذا الكتاب "مقر الحكم في مصر .. السياسة والعمارة" للدكتور خالد عزب رئيس قطاع المشروعات في مكتبة الاسكندرية كتاب محير، فلا هو كتاب تاريخي، ولا هو كتاب في العمارة، ولا هو كتاب في التحليل الاجتماعي والسياسي، بل هو جامع لكل هذه التخصصات، وهو ما يجعل قراءته متعة، قلما تتوافر في أي كتاب صدر باللغة العربية خاصة أن المؤلف زود الكتاب بصور نادرة بعضها من ألبومات الصور الخاصة بالملك فاروق، ولكن ما استوقفني مجموعة صور نادرةً لقصر الاتحادية مقر رئاسة الجمهورية في مصر تنشر لأول مرة.

إن المدى الزمني للدراسة - وهي من الفتح العربي لمصر إلى القرن العشرين - تكشف عن قدرة الباحث على تجاوز الزمان والمكان إلى فلسفة السلطة حيث يطرح إشكالية نمو الدولة من ولاية تابعة للخلافة الراشدة، ثم الدولة الأموية، فالعباسية إلى الاستقلال في العصر الطولوني، وهنا تبرز رمزية العمارة وقدرتها عن التعبير خاصة في العصر المملوكي حيث برزت شخصية معمارية مصرية متميزة وفنية أبرز تجليلتها في خط الثلث المملوكي، ولعل المؤلف في كتابه يذهب الى رد الاعتبار لعباس حلمي الأول الذي شيد أول امتداد للقاهرة في الصحراء وهو حي العباسية.

كما يرد الاعتبار للملك فؤاد الذي أعطي لمصر رموز استقلالها بعد تصريح 28 فبراير/شباط 1922 حين استبدل لون علم مصر بالأخضر بدلا من الأحمر وأعطي للدولة المصرية صورة متكاملة لدولة ملكية.

يري د. عزب في الكتاب الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب أن قصر الاتحادية في القاهرة أصبح الآن أخد رموز الدولة المصرية فهو من حيث قدرته علي التعبير عن مصر لا يقل عن الكرملين في موسكو ولا البيت الابيض ولا قصر باكجنهام.

ويشير إلي نقطة غاية في الأهمية وهي أنه علي الرغم من تأثر أسرة محمد علي في قصورها بالعمارة الأوربية إلا أن هذه القصور كانت قاعة العرش بها مشيدة علي الطراز المملوكي وهذا يعني إدراكهم لأهمية العمارة والفنون في التعبير عن السلطة.

إن المتابع للمشروع الفكري للدكتور خالد عزب يري أنه يطور في صورة معاصرة علم العمران عند ابن خلدون فقد قدم من قبل، "فقه العمران" والآن "العمارة والسياسة" عبر دراسة تطور مقر الحكم في مصر، ومن قبلهما درس مدينة الفسطاط نشأتها وازدهارها وانحسارها، وهي دراسة تطبيقية للمنهج الخلدوني، فهل يستطيع عزب خلال السنوات القادمة أن يكسر حاجز الزمن مع ابن خلدون.

الكتاب يربط بين تطور عمارة مقر الحكم وطبيعة السلطة الحاكمة من حيث بنيتها المعرفية والاجتماعية والسياسية، وهو منهج جديد في دراسةً التراث والتاريخ فيلاحظ المؤلف أن حجم مسجد عمرو بن العاص كان طاغيا على حجم دار الإمارة في مدينة الفسطاط، بينما في مدينة القطائع عاصمة الدولة الطولونية في مصر كان حجم المسجد مساويا لحجم القصر، وهذا ما يفسره برسوخ الإسلام في مصر، وأن الصراع على السلطة بات سياسيا بينما يري المؤلف أن القاهرة بنيت كمقر للحكم الفاطمي في مصر، ومثلت عزلة السلطة عن المجتمع وهي تنفيذ لوصية علماء السياسة العرب الذين لاحظوا ضرورة أن يكون للسلطان وحاشيته مقرا للحكم متكامل الأركان، ووضعوا مواصفات لعمارة مقر الحكم، فجاءت القاهرة كمقر لحكم مصر متكامل المواصفات من حيث بنية السلطة أو العمارة، حيث القصران الشرقي والغربي مقر إقامة الخليفة الفاطمي والدواوين ومخازن السلاح والأغذية والمسجد الجامع وهو الجامع الازهر وغيرها من المنشآت، كما أن سجلات الدولة الفاطمية تكشف عن نضوجً كبير في آليات الحكم بالدولة.

وفي العصر الأيوبي أسس صلاح الدين الأيوبي قلعته في القاهرة لتكون مقرا لحكم مصر يعبر عن عظمة الدولة المصرية في العصرين الأيوبي، ثم المملوكي لتبلغ القلعة في العصر المملوكي ذروة عظمتها بتأسيس السلطان الناصر محمد بن قلاوون "إيوان العرش" أكبر قاعة للعرش السلطاني في العالم في عصرها، وهي تعبر بحجمها وعظمتها عما بلغته مصر في هذا العصر من قوة ومهابة وعظمة حتى أذهلت حفلات استقبال السفراء الأجانب في ميدان القلعة هؤلاء السفراء وسجلوا ذلكً في ملاحظاتهم.

عدت قلعة صلاح الدين أكبر قلاع العالم، وكانت كمقر للحكم بها الدواوين أي الوزارات بمصطلح عصرنا، وخزائن السلاح ومقر إقامة السلطان والقوة الأساسية للجيش واشتهرت بمطبخها السلطاني، وكان بها مكان مخصص للموسيقات العسكرية ما زال باقيا، وكان لأداء هذه الموسيقات مراسم محددة خلال اليوم والمناسبات، كما كان هناك ديوان للانشا بالقلعة لإصدار وكتابة المراسيم والأوامر السلطانية لدرجة تبهرك وتكشف عن دولاب عمل في الدولةً المصرية كان غاية في الدقة.

خالد عزب كشف عن نهب السلطان العثماني كنوز قلعة صلاح الدين حينما دخل مصر، وأكد أن محمد علي لم يكن أول والٍ عثماني يأتي برغبة المصريين بل سبق أن عزل المصريون ولاة وأجبروا الدولة العثمانية على تعيين آخرين يرضون عنهم.

وأكد د. خالد عزب في كتابه أن الحكام لم يتركوا القلعة إلا لتطور سلاح المدفعية الذي بات يهدد أمن القلعة عند نصب المدافع على جبل المقطم، لذا بدا محمد علي في الانتقال إلى شبرا منعزلا عن المجتمع وبني خلفاؤه قصورا أخرى إلى عصر الخديو اسماعيل حيث شيد قصر الإسماعيلية وقصر عابدين، ومقر وزارة الأشغال الذي يعد أقدم بناية وزارة باقية في مصر، وبناية مجلس شورى النواب وهي واحدة من أقدم البنايات البرلمانية في العالم وارتبط هذا بنزول الحاكم من القلعة الى المدينة بتغير في طبيعة ممارسة السلطة، إذ أصبح لدى المصريين وزارة ووزراء لديهم صلاحيات ومجلس نيابي.

وتابع عزب دراسته للقصور الملكية، ليصل إلى قصر الاتحادية مقر الحكم في مصر الآن، والذي يعده مثاليا من حيث العمارة حتى صار علامة على رأس السلطة وقوتها وهو بعمارته الإسلامية المقتبسة من العمارة المملوكية يشير إلى عصر كانت فيه مصر لها هيبتها ومكانتها.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
القاهرة منتصف القرن التاسع عشر في عيون إدوارد وليم لين
2017-09-22
النجيحي وحمدان: الوساطة أضحت قبلة منشودة في أميركا وأوروبا
2017-09-21
غيث البطيخي يتساءل: كيف يدّعون الإيمان ويَقتلون؟
2017-09-20
محمد الطوالبة يؤكد أن أركون وقع أسـير الاستخدام الأيديولوجي
2017-09-19
تعزيز صناعة الكتاب في الإمارات على طاولة الوطني للإعلام وجمعية الناشرين
2017-09-18
'في غرفة العنكبوت' محاولة لكتابة قصة حب بين ذكرين
2017-09-17
سمير غطاس يؤكد أن هناك علاقات وطيدة بين الجماعات الموجودة في غزة وسيناء
2017-09-15
'الخلاص بالفن' يدعو الإنسان إلى التمسك بالحلم والتذرع بالأمل
2017-09-15
'الشارقة الدولي للكتاب' يستعد لدورته الجديدة
2017-09-14
مكتبة الاسكندرية تفتتح مؤتمر 'مستقبل القوى الناعمة المصرية'
2017-09-13
المزيد

 
>>