First Published: 2017-01-31

آلان كيربي يؤكد أن شهادة ميلاد الأدب الحداثي الرقمي لم تكتب بعد

 

الناقد الثقافي البريطاني: الحداثة الرقمية حلت بشكل قاطع محل ما بعد الحداثة، لتؤكد وجودها كمنظور ثقافي جديد للقرن الحادي والعشرين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

قوى عازلة إقصائية تتسبب في الانغلاق والعزل والتحديد

يقدم الناقد الثقافي البريطاني آلان كيربي في "الحداثة الرقمية كيف فككت التكنولوجيات الجديدة ما بعد الحداثة وأعادت تشكيل الثقافة" رؤيته ـ الحداثة الرقمية ـ وتحليله للمرحلة وفنونها ومآلاتها من موقعه كناقد ثقافي وبموسوعية ذكية بادئا بالتأكيد على حالة انهيار ما بعد الحداثة، وسقوطها منذ منتصف التسعينيات وأواخرها كطريقة لتحديد السياق الذي ظهرت فيه وريثتها.

ليناقش بعد ذلك السمة الأبرز للحداثة الرقمية ونصها الجديد، ويعرض التاريخ السابق أو القبلي لسماتها في الفترة التي سبقت ظهور أساسها التكنولوجي، ثم يتناول أشكال الحداثة الرقمية على الإنترنت، تأثيرها في الأشكال النصية والثقافية التي كانت موجودة من قبل، وبينهما دراسة للسمات الجمالية المعروفة لكل الطرق النصية للحداثة الرقمية، إلكترونية كانت أم غير ذلك، لينتهى بملاحظات على إمكانية وجود مجتمع حداثي رقمي ما.

رأى آلان كيربي في كتابه الذي ترجمه زين العابدين سيد محمد، وصدر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر أنه "منذ أول ظهور للحداثة الرقمية في النصف الثاني من تسعينيات القرن المنصرم ـ في ظل زخم التقنيات الجديدة ـ حلت بشكل قاطع محل ما بعد الحداثة، لتؤكد وجودها كمنظور ثقافي جديد للقرن الحادي والعشرين.

وقال "هي تدين في ظهورها وهيمنتها لما يسمى بـ "حوسبة النص" "Computerization of the text"، التي تحمل في طياتها شكلًا جديدًا في كتابة النصوص، يتسم في أنقى حالاته بالتدفق والعفوية وسرعة زوال الإبداع الفكري والاجتماعي المتعدد الذي لا يُعرف له مؤلف بعينه. وقد أصبحت كل هذه الأشياء بدورها سماتٍ مميزة لمجموعة ما من النصوص بطرق جديدة وراسخة".

وأضاف كيربي أن السمات الحداثية الرقمية تتجلى في الطفولية والجدية واللانهائية والواقعية السافرة. توجد النصوص الحداثية الرقمية في الثقافة المعاصرة بداية من تلفزيون الواقع، ووصولًا إلى قنابل أفلام الفانتازيا في هوليود، ومما يعرف بـ "web2.0platforms" "أي مواقع الإنترنت التي تستخدم التكنولوجيا فيما وراء الصفحات الثابتة للمواقع الإلكترونية الأولى"، إلى ألعاب الفيديو الأكثر تطورًا، ومن أنواع معينة لعروض الراديو، إلى القصة إلخيالية التي تتجاوز نطاق المألوف.

ويتيح النص الحداثي الرقمي في شكله النقي، للقارئ أو المشاهد، إمكانية التدخل نصيًا وماديًا لتقديم نص أو إضافة محتوى مرئي أو إحداث تطوير سردي ملموس. ومن ثم لا تعدو الحداثة الرقمية بمعناها الصحيح، باعتبارها اختصاراً لمصطلح "Digital modernism"، عن كونها تورية لفظية: حيث تلتقي التكنولوجيا الرقمية مع كتابة النصوص، وحيث تعاد صياغة النص بالأصابع (إلخانات الرقمية) التي تنقر وتفتح وتضغط في الممارسة الإيجابية للتوسع في النص وتطويره فرديًا وجماعيًا بشكل غامض".

ولفت إلى أنه من بين كل تعريفات ما بعد الحداثة، تذكِّرنا صيغة الحداثة الرقمية، بالتعريف الذي طرحه فريدريك جيمسون من أنها منطق ثقافي سائد ونمط مهيمن وليس وصفًا شاملًا لكل الإنتاج الثقافي المعاصر. إنه مجال القوة الذي يجب أن تتخذ فيه الأنواع شديدة الاختلاف من الاتجاهات الثقافية (بما فيها) الأشكال الناشئة والقديمة من الإنتاج الثقافي، طريقها.

وينتابني مثل جيمسون شعور بأنه "مالم نُـكـوِّن شعورًا عامًا بمهيمن ثقافيا ما، فإننا سنرجع القهقرى إلى رؤية التاريخ الراهن على أنه عداء متبادل واختلاف عشوائي وأهداف لعرض فكرة ما عن نمط ثقافي. على أية حال لقد تغير الأفق بعد عشرين عامًا وأصبح مجال القوة الثقافية المهيمنة والنمط المنهجي مختلفًا: ما كان في السابق بَعدَ حداثي، أصبح الآن حداثيًا رقميًا.

وأشار كيربي أن العلاقات بين الحداثة الرقمية وما بعد الحداثة تتنوع، حيث تعد الأولى: أولا وريثًا للثانية إذ إنها قد ظهرت في منتصف وأوآخر التسعينيات، وقد حجبتها تدريجيًا كتعبير ثقافي وتكنولوجي واجتماعي وسياسي سائد في عصرنا.

وثانيًا: تعايشت الحداثة الرقمية في سنواتها الأولى مع: ما بعد الحداثة "التي اعتراها الضعف والتراجع، وتسمى حقبة النص الهجين أو فاقد الملامح مثل فيلم The Blair witch project وفيلم The office وروايات هاري بوتر.

ثالثًا: قد يثار جدل مفاده أن العديد من أوجه قصور الحداثة الرقمية الأولى، ينبع من تلوثها بأسوأ سمات "ما بعد الحداثة" الفاسدة. وفي ضوء ذلك سوف تتمثل مهام أي نقد حداثي رقمي جديد، في تنقية موضوع الحداثة الرقمية وميراثها الشائه.

رابعًا: تعد الحداثة الرقمية رد فعل ضد "بعد الحداثة": تشبه بعض سماتها "الجدية والواقعية السافرة" استنساخاً ما للسمات النمطية لما بعد الحداثة.

خامسًا: تبدو الحداثة الرقمية لقربها تاريخيًا مما بعد الحداثة. ويتم التعبير عنها بنفس الأشكال الثقافية من الناحية السياسية والاجتماعية، وكأنها النتيجة المنطقية لما بعد الحداثة، بما يوحي بأنها استمرارٌ يتخذ شكلًا جديدًا معدلًا أكثر منه انقطاعًا أو مسارًا مختلفًا. وليس ثمة اختلاف في أشكال العلاقة بين الاثنتين، بل إذا صح القول هي انعكاس لهويتيهما المتداخلتين والمتنوعتين إلى أبعد تقدير.

وأكد كيربي أنه لا يؤمن عمومًا بأن هناك ما يسمى بالحداثة الرقمية، وأن كتابه هذا لن يسعى إلى الجدل في أننا بصدد مرحلة تاريخية جديدة تمامًا. وقال "أشعر رغم علاقة الحداثة الرقمية الراهنة بالمجالات الأخرى، أن إصرارها على إحداث شرخ كبير في مجمل التجربة الإنسانية بين الماضي الغابر والحاضر القائم، قد أفقدها بعض القبول. وقد شهد الثلث الأخير من القرن العشرين، خطاب النهاية للبادئة اللغوية. "بعد post "، والأشكال التي لم يعد لها مكان، وغياب راديكالية ما بعد الصدمة في الستينيات، ونوعًا من التوجه الفكري الألفي (السائد في الألفية) الماضية.

وشعر مفكرون مثل هابرماس ــ أن الحداثة التي كانت مدفوعة بالأزمة على الدوام، واصلت طريقها خلال تلك الفترة "كمشروع لا نهائي". ورغم أن الشرور التي لا تحصى في الثلاثينيات والأربعينيات لم تفرز سوى انهيارٍ ما في الإيمان بالرؤى العالمية التاريخية والموروثة ثقافيًا من شاكلة التنوير، فإننا نرى بعض النقاد يبالغون في التأكيد على طبيعة ونطاق رد الفعل. تعد الحداثة الرقمية حتى الآن مرحلة أخرى في نطاق الحداثة وتحولًا من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى".

لا يتعرض الكتاب لأنواع معينة من الخطاب، فلم يتناول كيفية عمل الرقمنة أو"الثورة الرقمية" على أرض الواقع، ولم يتجاوز تناول تأثيرات الصناعة ومعاودة تنظيم قنوات التلفزيون واستديوهات السينما وطفرات ما يعرف بـ "web 2.0 startsup" وهي برامج تصميم وطرق عمل متطورة.

وباعتبار كيربي ناقدًا ثقافيًا صب اهتمامه على المناخ الثقافي الجديد الذي أفرزته الثورة الرقمية، مركزا على النص وطرح هذه التساؤلات: ما الأفلام الجديدة وبرامج التلفزيون الجديدة وألعاب الفيديو وتطبيقات ما يسمى بـ "web 2.0 applications" التي يحب الناس مشاهدتها وقراءتها واستخدامها. وماذا تعني؟ وكيف تعمل؟

ورأى كيربي أن الحداثة الرقمية تقدم ــ فضلًا عن كونها ثورة في كتابة النصوص، شكلًا ومحتوى وقيمة نصية جديدة، وأنواعًا جديدة للمعاني والمكونات والاستخدامات الثقافية، وأن الحداثة الرقمية تنطوي على مضامين فلسفية بعيدة الأثر بالإشارة إلى قضايا مثل: الفردية والحقيقة والمعنى والتمثيل والزمن.

وأوضح كيربي أنه من الممكن الجدل حول عدم وجود أدب حداثي رقمي، وتساءل: أين الروايات والمسرحيات والقصائد الحداثية الرقمية؟ من هم الكتاب الحداثيون الرقميون؟ إحدى الإجابات عن هذه الأسئلة هي القول: إنه ليس للأدب علاقة بالحداثة الرقمية فقد ارتبط بالحداثة وما بعد الحداثة، وهي العلاقة المتمثلة بشكل مباشر في مستوى إنتاج النصوص.

ولفهم هذه الحركات المبكرة، يمكنك قراءة "Mrs Dallwy" أو "Beloved" بوصفهما مقطوعتين متميزتين من الكل السياقي لهذه الحركات تنقل لك طائفة من مرحلة ثقافية كلية، وبوصفها وحداتٍ متكاملة تغطي فترة فنية ما كان لها الهيمنة فيها في كليتها التي يمكن إثارتها أو استدعاؤها. وإذا لم يكن الأدب حتى الآن يفعل هذا مع الحداثة الرقمية فهذا لأن الحداثة الرقمية لا تمنح وضعًا متميزًا لطريقة نصية منتهية ما، وهي في حقيقة الأمر تبعثر القالب النصي وتعاود صياغته. ولذلك لن يجانبنا الصواب إذا جادلنا في أن الأدب الحداثي الرقمي لم تكتب له بعد شهادة الميلاد".

وأضاف "تعمل هنا حتمية تكنولوجيا ما: التكلفة الكبيرة لإنتاج التلفزيون وصناعة السينما وتخلق ضرورة تحقيق الأرباح ضغطاً مستمرًا ودافعًا لتبني التجديد والابتداع في مواد الإنتاج. ومن ثم غمرت التكنولوجيا الرقمية الممارسات العملية في هذه الوسائط بطريقة يستحيل معها إنتاج أو صناعة هذه القصائد والروايات.

ومن الواضح أن طريقة كتابة الروايات والقصص بالآلة الكاتبة، استبدلت طريقة معالج البيانات (Word Processor) في منتصف الثمانينيات بها وأحدث هذا في طياته تحولًا تاريخيًا طاغيًا، لاقى رفضًا من البعض مثل "بول أوستر Paul Auster"، وادعى البعض أن هذا التحول شجَّ على إحداث تحولات (تغيرات) أدبية ملموسة: سهولة التأليف غير المسبوقة وكانت القدرة على القص واللصق مسئولة أحيانًا عن الطول غير العادي والحيز الاستثنائي لروايات مثل "Foucault Penclulum" لـ "إيكو Eco" (1988) و"London Fields" لـ "أميس" 1989. ومنذ ذلك الحين ظهر كثير من الروايات المكثفة والمركزة، وعلى أية حال لا داعي أن نفترض أن تأثير التكنولوجيا الأساسي في الفن يتمثل في تشويهه".

تساءل كيربي: هل يكون هناك مجال في ظل الحداثة الرقمية لنص ما؟

وقال "هناك إجابتان متاحتان عن هذا السؤال، تبدو الأولى ملاحظة مستقبلية عن التشكي القدري المحتوم: ربما ستتذكر الحداثة الرقمية المبكرة بوصفها المرة الأخيرة التي يمكن للمرء فيها أن يتحدث عن شكل جديد ناشئ من النصية قبل غرق النص الموضوعي المتفرد والمحدد للأبد بسبب المد المتصاعد للنص غير محدد الملامح، وقد احتفلت بداية الألفية الثالثة بسذاجة بثورة نصية ما قبل أن تكشف عن نفسها، في شكلها الكلي، بوصفها عملية إبادة للنص.

أما الإجابة الثانية فتنطوي بالضرورة على التحول تمامًا عن النصوص والاهتمام بالتاريخ بدلًا من ذلك أو بالمعاصرة على المدى الطويل. ويعتمد إحياء النص الموضوعي على الإشعال المستمر لجذوة القدرات والمهارة والمعرفة لأن هناك في حقيقة الأمر قوى عازلة إقصائية تتسبب في الانغلاق والعزل والتحديد".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
القاهرة منتصف القرن التاسع عشر في عيون إدوارد وليم لين
2017-09-22
النجيحي وحمدان: الوساطة أضحت قبلة منشودة في أميركا وأوروبا
2017-09-21
غيث البطيخي يتساءل: كيف يدّعون الإيمان ويَقتلون؟
2017-09-20
محمد الطوالبة يؤكد أن أركون وقع أسـير الاستخدام الأيديولوجي
2017-09-19
تعزيز صناعة الكتاب في الإمارات على طاولة الوطني للإعلام وجمعية الناشرين
2017-09-18
'في غرفة العنكبوت' محاولة لكتابة قصة حب بين ذكرين
2017-09-17
سمير غطاس يؤكد أن هناك علاقات وطيدة بين الجماعات الموجودة في غزة وسيناء
2017-09-15
'الخلاص بالفن' يدعو الإنسان إلى التمسك بالحلم والتذرع بالأمل
2017-09-15
'الشارقة الدولي للكتاب' يستعد لدورته الجديدة
2017-09-14
مكتبة الاسكندرية تفتتح مؤتمر 'مستقبل القوى الناعمة المصرية'
2017-09-13
المزيد

 
>>