First Published: 2017-02-01

دونالد ترامب وبداية المشوار

 

العراقيون ضحايا الإرهاب وليسوا بصانعيه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أحمد الشحماني

حملات واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض للقرار الأميركي الذي اتخذه الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب في بداية مشواره الرئاسي والذي ينص على منع مواطني سبع دول مسلمة من دخول الاراضي الأميركية.

اكثر المؤيدين هم المصطفون وراء دونالد ترامب اثناء حملته الإنتخابية وخلف زعماء اليمين المتطرف في توجهاتهم المعادية للمسلمين.

مبدئيا الإرهاب لا دين له، وهذا يكاد ان يكون متفقا عليه منطقيا واخلاقيا وحتى دوليا.

ما يعنينا في الأمر هو القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب والذي ينص على منع رعايا سبع من الدول المسلمة من حاملي الوثائق الرسمية والغرين كارد دخول الأراضي الأميركية وزيارة عوائلهم، ومن ضمن رعايا هذه الدول المحظورة هم رعايا ومواطنو العراق، ولعل المثقف والقارئ الواعي يستشف بأن وراء هذا القرار يقف حزب اليمين المتطرف، والقرار له دوافعه السياسية ولم يكن وليد الصدفة.

انا كمواطن ومثقف عراقي اقول بأن عدم السماح لحامل الوثائق الرسمية والغرين كارد من العراقيين يعد بمثابة اهانة واساءة بالغة للعراق والعراقيين بشكل خاص، وللمسلمين بشكل عام، وهذا يدعونا كشعب عراقي بكافة طوائفه ودياناته، بمثقفيه وكوادر منظماته المدنية الى التظاهر لأن القرار الذي اتخذته الإدارة الأميركية هو رسالة واضحة المعالم لا يمكن السكوت عليها، وانه يعد خرقا لقوانين حقوق الإنسان والأعراف الدولية. والأمر لن يقف عند هذا الحد، بل ستكون له انعكاساته ومؤشراته السلبية واصداؤه القاهرة على الصعيد النفسي والإجتماعي وسيكون له ايضا مضاعفات وتفرعات وتحولات واصداء سلبية ستشهدها الساحة السياسية في كثير من البلدان في اوروبا والشرق الاوسط، وستنعكس آثاره سلبيا في داخل اروقة المجتمعات ذات الخليط الديني المتعايش سلميا، شئنا ام ابينا، لأن هذا القرار يعد بمثابة الحرب السياسية المعلنة رسميا التي ستلقي بآثارها السلبية على النسيج الأجتماعي وايضا ستلقي بضلالها السلبية على الاقتصاد والاستثمار والسياحة والسفر والسوق بشكل عام. اضف الى ذلك هذا القرار سيربك حالة الأمن والسلم الدولي الذي تتباحث وتتعاون دول العالم فيما بينها من اجل الوصول الى نظام سلمي عالمي يحقق الهدوء والتوازن والتعايش المشترك.

في العراق على وجه التحديد مثلا، العالم يعرف جيدا ان اكثر الشعوب التي تعرضت ومازالت تتعرض يوميا الى موجات من الإرهاب الذي لم يميز طفلا عن امرأة ورجلا كهلا عن شاب. هم العراقيون، وهنا يكمن وجه الغرابة، اذ هل يجوز ان يعاقب ويُجّرم القتيل ويكافأ ويبرأ القاتل؟ العراقيون هم القتيل المذبوح بأحزمة المتفجرات والعبوات الناسفة، والقاتل الإرهابي هو القادم من خلف الحدود من بلدان متعددة لتنفيذ اجندات خارجية، والسؤال الذي يمكن ان يطرحه اي مواطن عراقي: هل تناست الإدارة الأميركية وهي اقرب الناس الى الحقيقة من خلال رجال اجهزتها المخابراتية ورجال اجهزتها في السفارة الأميركية في بغداد وعيون رجالاتها المنتشرة في كل مكان في الشرق الاوسط، هل تناست بأن العراقيين هم ضحايا الإرهاب، هم يُقتلون ويُذبحون بسكاكين الإرهابيين كل يوم امام الملأ؟

ولعل وسائل الإعلام المحلية والدولية المرئية والمسموعة ومواقع التواصل الأجتماعي التي تتناقل الأخبار ليل نهار، وتبث الصور والفيديوهات المؤلمة لضحايا الإرهاب لأفراد وعوائل عراقية هي اكبر دليل عن مدى حجم الإرهاب الذي يتعرض له العراقيون. اليس هذا ما يشير الى الحقيقة الغير قابلة للتحريف والتمويه بأن العراقيين هم ضحايا الإرهاب الذي لا دين له؟

كما هو معروف، العراق وضعه مختلف تماما عن بقية دول العالم وعن الدول الست التي شملها قرار منع مواطنيها من دخول الأراضي الأميركية بإعتبار العراق دولة تم احتلالها وتدميرها وتفكيكها عسكريا واقتصاديا واجتماعيا من قبل اميركا، والعراق يضم اكبر سفارة اميركية في الشرق الاوسط، ناهيك عن عقود الشركات والمنظمات التي هيمّنت وروجت ودربت الكثير من العراقيين، ولأميركا اليد الطولى في تدريب القطعات العسكرية والإشراف الاستشاري العسكري، ومعالجة القرارات السياسية، وتعتبر الدولة الصديقة والداعمة للعراق عسكريا وسياسيا وماديا ولها تمثيل دبلوماسي فعّال في العراق، بل والأكثر من ذلك، كل شاردة وواردة في العراق قبل ان يصل صداها الى العراقيين، تتلقاها وسائل الإعلام الأميركية بسرعة الضوء.

اضف الى ذلك نقطة جوهرية وفي غاية الأهمية لا يمكن تجاهلها وهو ان اميركا اعتبرت العراق بعد 2003 كبلد ديمقراطي تعددي، يمكن التعامل معه كبلد صديق، وهي من مكنته من التخلص من النظام السابق الذي اعتبرته (اي اميركا) بأنه كان نظاما دكتاتوريا مُصدرا للإرهاب ويمتلك ترسانة اسلحة كيمياوية واسلحة مُحّرمة دوليا يمكن استخدامها في مهاجمة الأهداف والمصالح الأميركية الإستراتيجية، ولهذا اعتبرت اميركا عراق ما بعد 2003 عراقا مختلفا بإعتباره (كما تدعّي اميركا) اصبح بلدا ديموقراطيا تعدديا، ويخوض تجربة انتخابات ديموقراطية، وهي من تشرف على تدريب كوادره العسكرية والمدنية، وهي من تخوض الآن حربا دولية مشتركة في الموصل لمحاربة الإرهاب الداعشي، وهي من استقدمت المنظمات الأميركية الى العراق بعد 2003 لنشر الديموقراطية كما يدعّون، ومساعدة منظمات المجتمع المدني، ومنظمات حقوق الإنسان للارتقاء بالعمل المؤسساتي واشركتهم بدورات عالية في اميركا ودول شرق اوروبا، وهي من اشرفت على العملية الديموقراطية وباركتها، وصرفت ترسانة الأموال عليها، وهي من اشرفت على الدستور، واسهمت في حل النزاعات السياسية التي تنشب بين الحين والآخر.

اذن فعلام هذا القرار الذي يقطع الطريق على العراقيين ويشعرهم بأن الولايات المتحدة الأميركية ما زالت تتعامل معهم بتمييز عنصري وبدونية واحتقار، وبفوبيا احداث 11 سبتمبر التي ليس للعراقيين ذنب في احداثها المروعة اللاإنسانية؟ واذا كان العراق لا يمكنكم ان تثقوا بشعبه ذي الغالبية المسلمة، فلماذا تكلفتم عناء الطريق وجئتم تطلبون صداقته بعدما ما دمرته آلتكم العسكرية، وتركتموه كالشجرة اليابسة في صحراء البادية؟

نعم من حق الرئيس الأميركي دونالد ترامب ان يعترض ويصدر مرسوما يمنع به دخول الإسلاميين الراديكاليين المتطرفين حفاظا على الأمن القومي الأميركي، ولكن ان يعمم مرسومه ليشمل كل المسلمين في الدول السبع المشمولة بالقرار، فهذا امر مخالف للقاعدة العامة، وفيه تمييز واضح المعالم، ومخالف لقوانين حقوق الأنسان التي ناضل الشعب الأميركي من اجل اقرارها وترسيخها وتوسيع رقعة جغرافية مبادئها. واين هي لائحة حقوق الإنسان قد تبخرت لحظة اصدار هكذا مرسوم مجحف، بل واين حرية الرأي العام الأميركي وديموقراطية الحوار المفتوح التي تعد احد ركائز ومنهاج سياسة الإدارة الأميركية في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، هل تبخرت، ام تم تأجيلها الى أشعار آخر؟

 

أحمد الشحماني

كاتب من العراق

land.of.ishtar@gmail.com

 
أحمد الشحماني
 
أرشيف الكاتب
اذهلني مشهد رجال الشرطة البريطانية
2018-03-24
تماثيل ام وجوه محنطة؟
2018-01-10
مارين لوبن وعاصفة الإستياء اليهودي!
2017-02-14
دونالد ترامب وبداية المشوار
2017-02-01
خالد العبيدي... لقد كنت متأخرا في هجومك
2016-08-04
ماذا بعد اقتحام أسوار المنطقة الخضراء؟
2016-05-01
كونوا نيلسون مانديلا!
2016-04-21
ماذا تعني استقالة وزراء التيار الصدري
2016-04-14
المزيد

 
>>