First Published: 2017-02-03

هذه هي أميركا

 

اليوم تعود أميركا مع ترامب إلى ماضي ايامها في الحرب الباردة، غير أن حربها هذه المرة لن تكون موجهة ضد الشيوعية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

الولايات المتحدة لمَن يعرفها هي واحدة من أسوأ الدول على مستوى العيش. غير أنها القوة الأكبر في العالم. وهو ما لا يجعلها في حاجة إلى أن تدخل في سباق مع الآخرين. لذلك تجد أن من حقها أن تنظر إلى العالم بتكبر وتعال لافتين بل ومزعجين.

لقد قيل الكثير عن العيش الهانئ والمطمئن في دول مثل السويد ونيوزلندا والنرويج والدنمارك وهولندا والامارات العربية المتحدة غير أننا لم نسمع يوما شيئا عن هناءة العيش في الولايات المتحدة. ومع ذلك فإن الاقبال على الهجرة إليها كان ولا يزال في أعلى حالاته، كما لو أن الباحثين عن الذهب ما زالوا يقودون موجات الهجرة إلى تلك البلاد البعيدة.

"هذه هي أميركا" هو عنوان برنامج دعائي كان يهدف إلى الترويج للأمركة. كانت صورة أميركا في الخارج تلح على الأميركيين بطريقة استعراضية.

نجحت تلك الأمركة في نشر آفة الطعام السريع من خلال مكدونالدز وبرغر كنغ وكنتاكي وبالقوة ذاتها فرضت مشروباتها وفي مقدمته كوكا كولا حلا لعطش وهمي. غير أن أميركا كانت موجودة أيضا في قماش الجينز بكل تجلياته كما في رسوم أندي وارهول السطحية والعامية كما في أفلام رعاة البقر والاغاني الريفية.

أليس البكيني اختراعا أميركيا؟

أميركا في حقيقة ما فعلته عبر دورات العنف التي صنعتها بدءًا من كوريا وفيتنام وانتهاءً بأفغانستان والعراق هي شركاتها التي لا تعرف معنى للمبادئ الأخلاقية. المصالح بالنسبة لتلك الشركات هي الحقيقة المطلقة. وهو ما ألقى بظلاله المشينة على السياسة الأميركية بطريقة غاشمة، بحيث صارت العدالة التي ينادي بها الأميركيون هي نوع من الظلم الذي يسحق الآخرين.

لذلك يبدو نوعا من سوء الفهم الحديث عن تلك الدولة العميقة التي ستضع الرئيس الجديد امام خيارين. إما أن تحتويه وتوقف هذياناته العنصرية والعدوانية أو تلفظه بعيدا عنها.

ترامب في واقع ما فعل وما سيفعل هو ممثل تلك الدولة العميقة.

لقد كان الرجل صريحا في خطاب التنصيب. أميركا أولا. وهو شعار ينسجم مع ما كانت الولايات المتحدة تفعله دائما. كان باراك أوباما الذي استخف به العرب رئيسا استثنائيا حين استطاع أن يوقف ماكنة الشر التي ينطوي عليها ذلك الشعار عن العمل لثمان سنوات.

كانت تلك هي معجزته التي لا تمت بصلة إلى المعجزات الأميركية التي حاول العقل الأميركي أن يسوقها عبر العالم لينهي من خلالها تاريخ البشرية وليضع محله بضائع مؤقتة ستكون صالحة للاستعمال في حدود نفعيتها.

أميركا ترامب هي أميركا كما هي في حقيقتها.

كل هذا الذعر الذي نشره ترامب في الأيام الأولى من رئاسته هو جزء من الدرس الأميركي للعالم. ما قلته عن المصالح يجعل من أميركا قوة عمياء، يمكنها أن تسحق كل مَن وما يقف في طريقها إذا ما تعلق الأمر بمصالحها.

الشعار الذي رفعه ترامب كان شعارا أميركيا خالصا.

ما من أميركي لا يفكر في خلاصه عن طريق التفوق على الآخرين. أميركا القوية هي حلم جميع الأميركيين. ولكن ذلك المفهوم لم يغادر حتى هذه اللحظة يد راعي البقر الممسكة بالزناد.

وهو ما يؤكد أن أميركا بلاد بدائية لم ينجح همنغواي وميلر وفوكنر وارشيل غوركي وفتزجيرالد وشتاينبك وروثكو وجاسبر جونز وشارلي شابلن ومارلون براندو وريتا هيوارث في كبح جماح نزعتها العدوانية وترويض غرائزها وتهذيب طباعها.

لقد اختارت أميركا لكي تذكر الآخرين بوجودها أن تكون عدوة للجميع.

كانت الحرب العالمية الثانية مناسبة لكي تظهر الولايات المتحدة باعتبارها قوة مخلصة ولكن حربها الباردة ضد الاتحاد السوفييتي وضعت أوروبا كلها على صفيح ساخن.

اليوم تعود أميركا مع ترامب إلى ماضي ايامها في الحرب الباردة، غير أن حربها هذه المرة لن تكون موجهة ضد الشيوعية.

أميركا ترامب هي الدولة العميقة التي أنتصر عليها باراك أوباما حين عطل ماكنة شرها عن العمل.

"هذه هي أميركا" يقولها ترامب.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
المزيد

 
>>