First Published: 2017-02-08

صناعة التاريخ باعتباره كذبة

 

اليوم يسعى شيعة الحكم في العراق إلى ابرام اتفاقية صلح مع سنة الحكم. ما معنى ذلك؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هل صحيح أن هناك خصومة بين أتباع المذهبين الشيعي (الجعفري) والسني (الحنفي) هي أساس الفوضى وعدم الاستقرار اللذين ضربا بعواصفهما كل إمكانية لخروج العراق من النفق الذي المظلم الذي حفره المحتل الأميركي بدهاء وخبث؟

معطيات التاريخ المعاصر تؤكد أن العراق لم يشهد عنفا إلا لأسباب سياسية وأن الدولة كانت قد استغلت حقها في ممارسة العنف الذي يضمنه القانون لكي تبطش بكل الجهات التي تعارضها أو تختلف معها. ولأن الدولة كانت تُدار دائما من قبل جهة انقلابية لا تملك تاريخا في العمل السياسي السلمي فقد كان يتم احتكار كل قوتها في مواجهة كل مَن تحوم حوله الشبهات.

في تلك الحالة كان المجتمع هو الضحية التي يقع عليها دائما واجب اثبات ولائها السياسي. المجتمع كله من غير استثناء. الولاء السياسي كان هو المقياس الوحيد الذي لا يدانيه ولا ينافسه أي مقياس آخر. حتى القربى كانت مستبعَدة إذا ما تعلق الأمر بالولاء.

بعد حرب تحرير الكويت عام 1991 كاد النظام السياسي أن يسقط بسبب انهيار سلطته في معظم المحافظات ذات الغالبية الشيعية والكردية فشعر بالذعر وأندفع إلى ممارسته هوايته في العنف. غير أن ذلك العنف لم يكن طائفيا أو عرقيا بل كان وسيلة لإخماد تمرد سياسي، لم يكن مهما مذهب مَن قام به أو عرقه.

العراق في واقعه بلد لم يتعرف على السياسة بمعناها الواسع. كانت هناك دائما أحزاب تتصارع في ما بينها ليدفع الشعب ثمن ذلك الصراع الذي غالبا ما كانت تكلفته باهظة. ففي تلك الاحداث المأساوية التي أطلق عليها النظام تسمية صفحة الغدر والخيانة فيما كانت الانتفاضة الشعبانية هي التسمية التي تبناها معارضوه راهنت أحزاب دينية وفي مقدمتها حزب الدعوة على دعم إيراني في ما راهنت الأحزاب الكردية على طوق نجاة تلقيه الولايات المتحدة أو إسرائيل إليها.

وحين تبين أن كلا الرهانين خاسران كان الشعب قد دفع الثمن.

ما هو مؤكد تاريخيا أن تلك الواقعة المأساوية لم تشكل انحرافا بتاريخ العنف عن مساره. كان عنفا سياسيا ولم يكن عنفا طائفيا أو عرقيا كما يصر مزيفو التاريخ على تقديمه. لم تكن حرب السنة على الآخرين كما يُراد لها أن تكون وفق الوصفة الطائفية التي تم اعتمادها بعد احتلال العراق عام 2003.

ما حدث بعد الاحتلال كان بمثابة الكذبة التي أراد لها المحتل أن تنسف الحقيقة وتزيلها من الوجود ليكون كل شيء في الماضي والحاضر والمستقبل محكوما بمعادلات طائفية ملفقة غير أنها ستحل عقدة التاريخ فتكون الخصومة الشيعية ــ السنية هي القاعدة التي يتم من خلالها النظر إلى كل شيء.

وإذا ما عدنا إلى وقائع سنتي 2006 و2007 فإن كل ما نُسب من أحداث مأساوية إلى الحرب الطائفية كان في حقيقته من فعل عصابات كانت تُدار من قبل أحزاب وتنظيمات، وضع المحتل الأميركي في عهدتها أن تبدأ تاريخا جديدا للعراق يكون الصراع الطائفي عنوانه البارز.

لقد بني كل هذا الهراء الذي يمشي العراقيون بين دروب متاهته اليوم على أساس واه، لا وجود له على أرض الواقع. فالعراقيون لم يقتل بعضهم البعض الآخر لأي سبب كان. لقد مارست عصابات منظمة الجريمة في حقهم. هل وجدت تلك العصابات بناء إلى حاجة المجتمع إليها؟

هل يحتاج أحد من شيعة العراق جيش المهدي أو فيلق بدر أو عصائب أهل الحق أو حزب الله وسواها من عشرات الجماعات المسلحة؟ وهل نفع سنة العراق ظهور تنظيم القاعدة ومن بعده داعش في شيء؟

اليوم يسعى شيعة الحكم في العراق إلى ابرام اتفاقية صلح مع سنة الحكم. ما معنى ذلك؟ لا تصح الكذبة إلا حين تثبيتها حدثا تاريخيا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
سوريا في ظل استراحة المحاربين
2017-07-27
وساطة الاخواني المخادع
2017-07-26
في العراق شعب سعيد
2017-07-25
لبنان في مواجهة ذهب المقاومة الزائف
2017-07-24
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
المزيد

 
>>