First Published: 2017-02-12

جقماقجي وجه بغداد.. ودمعة منثالة!

 

ودعت بغداد لمحة ثقافية من تاريخها الحديث بتحول أول شركة الانتاج الاسطوانات الموسيقية إلى محل لبيع الملابس.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: زيد الحلي

عجيب أمر العراق. إنه فضاء من المعاني الخالدة في الوجدان؟ فحين تبحر في ثنايا تاريخه المعاصر، تلمع امامك محطات من الكبرياء والحضارة والابداع والوعي المبكر.

لن اتحدث في السياسة، فقد شابها التلون، ولعبت فيها الاهواء، فضاع الحق في اتون الباطل، والصدق في بئر الادعاء، لكني اشير الى جزئية معرفية عميقة المعاني، وهي الادراك العراقي المبكر بالثقافة الموسيقية. ففي وقت كان فيه العالم، يلملم جراح الحرب العالمية الاولى، حيث لم تمضِ على انتهائها سوى ايام (انتهت في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1918) حتى يبادر مواطن عراقي من الموصل الى سلطات الاحتلال البريطاني التي وصلت للتو الى بغداد قادمة من البصرة، بطلب تأسيس مكتبة موسيقية وغنائية.

بالله عليكم، بماذا تفسرون ذلك؟ الا يعني ان جذوة الثقافة والوعي، متجذرة في الوجدان الجمعي والمجتمعي عند العراقيين. ففي الصحافة كانت صحيفة "الزوراء" التي رأت النور في العام 1869 يوم لم تعرف العديد من اقطار العالم العربي والمنطقة كلمة "صحافة"، وفي البث التلفزيوني كان العراق الاول عربيا، وفي الاذاعة كان من الاوائل، وفي الشعر كان الجواهري والرصافي والزهاوي والصافي النجفي وصفي الدين الحلي والسياب، وفي الموسيقى والغناء الملا عثمان الموصلي والقبانجي.. وغيرهم الكثير في الفقه واللغة والفنون التشكيلية والسينما والصناعة.

اعود الى ما ابتدأت به سطوري، باحثاً عن الوعي المبكر للمواطن العراقي الذي فاجأ قوات الاحتلال البريطاني، بتقديمه طلبا لتأسيس شركة تسجيلات موسيقية، وحصل عليه بسرعة قياسية. مكتبة تعنى في الموسيقى والغناء، في ظرف عصيب، ثم يحظى باستجابة مجتمعية ومباركة من المواطنين، بما يؤكد ان العراقيين، صنو الفرح، وصناع البهجة. وتستمر هذه الشركة في عطائها الفني اكثر من ثمانية عقود، تنتج الاسطوانات وتشتهر عربيا وعالميا، وبات اسمها، دلالة على رقي الذهنية العراقية، وسعيها الى التجديد، وينسب لها الفضل في اكتشاف اصوات عشرات من المطربين والموسيقيين العراقيين والعرب، وحفظ اعمالهم على اسطوانات خاصة بعد تسجيلها في أستوديو ذي تقنية تلائم تلك السنين الخوالي في منطقة البتاويين في بغداد، وكان من تلك الاصوات: صديقة الملاية، وحضيري أبو عزيز وناظم الغزالي، وسليمة مراد، وناصر حكيم والقبانجي.. وغيرهم.

لقد انتهت تلك المؤسسة الرائدة، الى زوال مؤلم، بعد ان توارثها الابناء عن الاباء والاجداد. انتهت "جقماقجي"، تاريخ العراق الغنائي والموسيقي، دون ان ترمش عيون احد من المعنيين عن الفن في وطني. ضاعت ثروة لا تقدر بثمن تضم آلاف من الاغاني والموسيقى في تسجيلاتها الاصلية، ولم يتذكر اي من المعنيين مؤسسها السيد فتحي جقماقجي وولديه محمد عارف وعبد الله والحفيد نجم جقماقجي.

لقد مررت امس من امام محلات "جقماقجي" في بداية شارع الرشيد من جهة الباب الشرقي، فوجدتها تحولت الى محلات لبيع الملابس، فطفرت مني دمعة، لم استطع لملمتها، فالدموع هي مطافئ الحزن الكبير.

 

زيد الحلي

 
زيد الحلي
 
أرشيف الكاتب
مؤيد البدري وكامل الدباغ وما بينهما!
2017-09-20
خدعونا بقولهم: الإنسان كائن اجتماعي
2017-07-17
سؤال عراقي: من يسمع.. من يرى؟
2017-05-22
كذّابون.. وكاذبون!
2017-05-07
فتنة الحوارات العراقية والاتجاه المعاكس
2017-03-26
سكة التوقف مستمرة في شارع الصحافة العراقية
2017-03-19
قراران عراقيان مضحكان، مبكيان!
2017-03-06
العراق الجديد... سطور لا أنصح بقراءتها!
2017-02-26
جقماقجي وجه بغداد.. ودمعة منثالة!
2017-02-12
بغداد وصرخة كتومة من كولبنكيان!
2017-02-08
المزيد

 
>>