First Published: 2017-02-12

ركود رقمي، الورق يعني الورق!

 

القراءة الورقية لا تصنف القارئ بأي حال من الأحوال من أعداء التكنولوجيا، فالإنترنت يعد أكبر مكافأة مبتكرة في حياة الإنسان، إلا أن العودة إلى الكياسة المعرفية التي سلبها الإدمان على الكمبيوتر تبدو مبهجة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

مرّ عليّ خلال مطالعة الصحف البريطانية الأسبوع الماضي مصطلح “ركود رقمي” كان جديدا بالنسبة إليّ نسبيا، بينما هو ليس كذلك.

لم أتعمد أن أبقي المصطلح في ذهني، لكن دلالته لم تغب، فيما قضيت بضع ساعات خلال مساء اليوم نفسه مع القراءة الورقية.

اخترت مجلة ثقافية وأتممت مطالعتها حتى منتصف الليل، كانت قراءة مشوقة لمجلة فكرية، لم يصبني الملل أو التذمر ولم أشعر بأنني محجوز للقراءة، ولم أعر بالا لما يصدر من هاتفي الذكي من أخبار مستعجلة تغري بمتابعتها، في النهاية لم أخضع للإغراءات الرقمية المحيطة بي والتي تكتنف حياتي وحياتكم منذ سنوات، وقضيت وقتا مفيدا مع القراءة الورقية للمجلة.

متعة القراء في مجلة ورقية من الحجم الكبير، كانت دافعا للاستمرار بها، على الأقل لإعادة اكتشاف ما بتنا نخسره في العصر الرقمي، أكملت قراءة مجلة من مئة وخمسين صفحة في أمسية توصف بالكلاسيكية بالنسبة إلى الزمن الرقمي!

مثل هذا الجهد في القراءة ليس بمقدوري المراهنة عليه وأنا أتصفح المجلة نفسها على موقعها الإلكتروني، “كانت مواد المجلة متاحة على الموقع الإلكتروني، قبل أن أحصل على النسخة الورقية”. سأشعر حينها بالتذمر واللهفة للمزيد من التصفح وعدم إكمال قراءة الصفحات وبالتالي عدم التشبع بالفكرة، سيكون تأثير المرور السريع على الصفحات قائما رغماً عني، فثمة إحساس ملحّ عمّا ينتظرني لأمرّ عليه وليس لأقرأه على الشاشة!

هل يحدث مثل هذا عند المطالعة التقليدية، بأن ينتقل قارئ كتاب ورقي إلى الصفحات الأخيرة وهو مازال في منتصف المتن؟ ليس تماما! لأن الكمبيوتر وجهاز القارئ الرقمي فقط من يساعدان على تلك الرغبة العجولة!

من السهولة العودة إلى فكرة التصفح الإلكتروني أو القراءة على الورق، فقد باتت المقارنة بينهما شائعة، وكل طرف يجتهد في الدفاع عن مسراته فيها، لكن فكرة المفاضلة ليست هي السبب الوحيد الذي يبقي إخلاصنا للورق، هناك ما هو أهمّ بالتأكيد، وهذا ما حصل لي مع ساعات مطالعة ورقية في غاية المتعة والصفاء الذهني.

الفكرة “البغيضة” التي كان يتحدث عنها الروائي الألماني الراحل غونتر غراس، عن المواقع الإلكترونية والصداقات الافتراضية ورفض وجود الكمبيوتر في مكتبه، ربما ستحقق العودة الكبيرة إلى الطبيعة الإنسانية غير الرقمية، إذا اعتبرنا أن “الرقمية بغيضة” وفق غراس، أو ميدانا يمنح حق الكلام لجيوش من الحمقى! وفق الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو.

لكن، هذا التطرف الورقي لا يمكن أن يوقعنا في خطأ إلغاء القديم من أجل التجربة الحية التي يبثها العصر الرقمي، حيث اعتبر الكاتب البريطاني سايمون جنكينز أن العصر ما بعد الرقمي، لن يجعل من شبكة الإنترنت مقصدا في حدّ ذاتها ولكنها ستكون خارطة طريق إليه.

القراءة الورقية لا تصنف القارئ بأي حال من الأحوال من أعداء التكنولوجيا، فالإنترنت يعد أكبر مكافأة مبتكرة في حياة الإنسان، إلا أن العودة إلى الكياسة المعرفية التي سلبها الإدمان على الكمبيوتر تبدو مبهجة، وفق تعبير جنكينز.

دعونا نستعِيد ما يقوله أساطين الورق في العالم، فشركة ساب، التي رفعت هدفها للأرباح لعام 2020، تهدف إلى تحقيق ذلك الهدف جزئيا عن طريق إخراج أوروبا من “ركود رقمي” وهو مصطلح وضعته مجلة هارفارد للأعمال في حديثها عن الثورة الرقمية في أوروبا، عندما ذكرت أن معدل التغير، منذ عام 2008، في الثورة الرقمية إما أنه تعطل وإما أنه تراجع.

ولم يفقد تصريح ماركوس دوهله، تأثيره بعد ثلاث سنوات من إطلاقه في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، بقوله “إن الضجة حول التقدم الرقمي قد يكون مُبالغا فيها، هنا في فرانكفورت 80 في المئة من الصناعة هي على شكل كتب مطبوعة، و20 في المئة منها رقمية”.

وتعهد دوهله الرئيس التنفيذي لدار بنغوين التي نشرت لكبار الكتاب، أن تظل ملتزمة بشكل عميق بالحبر على الورق، قائلا “أعمالنا في الكتب المطبوعة دائما ستكون مهمة، ليس لمدة خمسين عاما، لكن إلى الأبد”.

وفي تفسير الأساس المنطقي لمثل هذه الخطوة، قال توماس رابي، الرئيس التنفيذي لشركة بيرتلسمان، التكتل العالمي لشركات الطباعة والنشر “الكتاب سيبقى واحدا من أعمال شركة بيرتلسمان الأساسية الاستراتيجية”.

وهذا ما يفسره غاي تشازان في تقرير له بصحيفة فايننشيال تايمز حول السباحة عكس التيار في صناعة المطبوعات، بأن اعتقاد الكثيرين أن النشر سيقع ضحية التعطيل الرقمي، لم يحدث.

فلم تحلّ الكتب الإلكترونية محلّ الكتب المطبوعة في تفضيلات القرّاء، وشركات النشر لم تخضع لقوة السوق الهائلة لمتجر التجزئة على أمازون.

ويقول دوغلاس ماكابي من شركة إندرز للتحليلات الاقتصادية “تبيّن أن سوق الكتب المطبوعة هي أكثر مرونة مما توقعها أي شخص”.

في النهاية يكمن الالتزام بالحبر على الورق في احترام قوة الكلمة المطبوعة، وهذا لا يعني عدم احترام للكلمة الرقمية!

سيبقى المشهد كما هو يتكرر، فثمة فتاة تمسك بجهاز كندل من شركة أمازون، تتصفح وتقرأ بهدوء، وينتابها إحساس محتمل بشيء من غرور التملك، فيما يجلس بجوارها في الحافلة نفسها أو القطار، رجل يعتدّ بكتابه ويواصل القراءة فيه!

من المحتمل جدا أن يدخل الاثنان في حوار مشترك، لكن من غير المحتمل أن يكون الكتاب أو جهاز كندل مصدرا للبغضاء بينهما!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
المزيد

 
>>