First Published: 2017-02-14

القلب صديق المشائين

 

أن نتعلم المشي الدائم ذلك يعني أن نقضي على التذمر والانزعاج والوهن الذي بات يسكن حياتنا، ونعقد اتفاقا صحيا مع قلوبنا، لنعيد اكتشاف مساكننا بغير ما توحي لنا عند ساعات الخمول الطويلة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

كان صديقي الجيولوجي الثمانيني أيان، يختصر لي الإجابة بشأن صحته “لأنه يمشي”، هكذا ببساطة المشي يعني الصحة الدائمة، بينما يعزو بعض أصدقائه الحاسدين ذلك إلى بخله! أنه لا يستأجر سيارة تكسي لأنه بخيل! والمشي تفسير آخر للبخل! أيان اليوم في العقد التسعيني يعيش في دار المسنين من فئة خمسة نجوم بعد أن باع منزله ومكتبته وجهاز البيانو العتيق، لكن الشيخوخة تمنعه من المشي.

يمكن أن أفسر كلام الأصدقاء الحاسدين لأيان بأنهم كسالى لا يحبون المشي، لذلك اتهموه بالبخل، ويمكن أيضا أن نقول إن بخل أيان جعله يكتشف فائدة المشي، وهو في نهاية الأمر رابح، والخسارة تكمن في صحة الكسالى.

لا شيء أفضل من المشي، قال صديق لي في السبعين رأيته محافظا على صحته، فلا فائدة كفائدة المشي، حتى الهرولة قد تؤثر على عضلة أسفل القلب، لكن المشي لا يحمل معه غير المرونة والاستقرار النفسي للجسد، “أنا أمشي إذن أنا متسق نفسيا مع جسدي”!.

حكمة طيبة، لكنها غير متاحة لنا دائما في لجة اللهاث والتسارع العظيم الذي يغلف حياتنا؟ تكون متاحة كلما رغبنا بذلك وبإصرار!، المشي يعيد قياس المسافات ويقربها، فما كان طويلا وبعيدا يصبح أقصر بكثير مما نتخيل، الأفق ليس ما تراه العين، بل ما تسرع الخطى بالوصول إليه.

جربت ذلك عندما كنت أرى المسافة إلى منطقة صعود الحافلة بعيدة ولن أصلها قبل خمس عشرة دقيقة من المشي، هكذا قدّر ذهني القلق والعجول الوقت والمسافة، ساعة التوجه إلى العمل! لكنني عندما جربت الوصول إلى نفس النقطة مشيا في يوم استراحتي، اكتشفت المبالغة التي خدعني فيها تفكيري القلق، فالمسافة ليست بهذا البعد وإن تراءت لي بعيدة عندما أكون في عجلة من أمري.

كذلك اكتشفت أن مرد إحساسي بالمسافات مرتبط بتهيئة ذهني إلى ذلك، كلما كنت مستعدا لقطع الطريق مشيا كلما قصرت المسافة، والمشي يقرب المسافات أكثر مما يعتقد العقل الذي غالبا ما يوهمنا ويتواطأ مع الكسل من أجل أن يبقى خاملا!

لذلك عندما أعقد العزم على قضاء أربع أو خمس ساعات مشيا لا أثق بمصدات الخوف التي يسوغها عقلي، بل أثق بقدرة قدمي على المشي واكتشاف المتعة في ذلك، بل المسرة في إعادة التعرف على أسرار المكان وعقد صداقة مع الطقس مهما كان، أن تقبل الطقس كما هو يعني أن تتآلف معه، فيكون عندها حتى البرد اللاذع مبعثا على المسرة.

أن نتعلم المشي الدائم ذلك يعني أن نقضي على التذمر والانزعاج والوهن والخمول الذي بات يسكن حياتنا، ونعقد اتفاقا صحيا مع قلوبنا، لنعيد اكتشاف مساكننا بغير ما توحي لنا عند ساعات الخمول الطويلة، وعندها ستعدنا القلوب بألا تخذلنا في مرحلة مبكرة!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>