First Published: 2017-02-24

جنيف 4 والبقية تأتي

 

ما حدث في استانة لا يمكن تجاوزه بالعودة إلى ماضي المفاوضات. الشروط السياسية تغيرت تبعا لتغير ميزان القوى على الأرض.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بالرغم من الهزائم الكبرى التي منيت بها الفصائل المسلحة في غير جبهة من جبهات الحرب السورية فإن المعارضة الرسمية لا تزال تصر على الحديث عن مرحلة انتقالية، تكون بمثابة تمهيد للانتقال إلى سوريا خالية من حزب البعث والرئيس الأسد معا.

تبدو المعارضة كما لو أنها تقيم في واد فيما المجتمع الدولي بجزئه المعني بالأزمة السورية يتحرك في واد آخر. ناهيك عن أن المعارضة تظهر بشكل جلي انفصالها عما حدث في سوريا عبر الست سنوات الماضية وعما آلت إليه الأمور وبالأخص على مستوى تشرذم القوى المقاتلة وانضمام معظمها إلى التيارات الدينية المتشددة.

وقوف المعارضة عند خط الشروع الأول لا يعني سوى شيء واحد هو عدم تمرسها في العمل السياسي وهو ما قادها إلى أن تتمسك بموقف، كانت الأحداث قد سبقته بل وألغت مفرداته من قاموس لغتها. فما طُرح قبل ثلاث سنوات لم يعد بالضرورة صالحا للتداول والاستعمال الآن. وهو أمر ليس غريبا عن عالم السياسة. هناك متغيرات تملي شروطها الواقعية بما قد يتعارض مع الأمنيات.

ما تتمناه المعارضة شيء والسياسة شيء آخر.

لذلك فإن ما يجب أن تفهمه المعارضة إن كانت حريصة على الانصات إلى الطرف الآخر الذي هو النظام وإن رغبت في أن ينصت النظام إليها أن جنيف 4 ليس ملحقا بالجنيفات الثلاث التي سبقته.

يأتي جنيف 4 مكرسا للواقع التي انعقد بسببه اجتماع استانة الذي أدارته روسيا وتركيا ضامنين لطرفي الصراع. ما حدث في استانة لا يمكن تجاوزه بالعودة إلى ماضي المفاوضات. فالشروط السياسية تغيرت تبعا لتغير ميزان القوى على الأرض. وهو الميزان الذي لم تعد فيه كفة المعارضة الرسمية راجحة. كما أن المعارضة نفسها التي اضطرت إلى حضور اجتماع استانة كانت في حال لا تؤهلها لفرض شروطها على أية جهة.

المعارضة السورية الرسمية هي الطرف الأضعف.

لا لأن الفصائل المقاتلة على الأرض قد تعرضت لهزائم من النوع الذي يكسر الظهر بل لأنها (أقصد المعارضة) لم تثبت أنها قادرة على ضبط تلك الفصائل وهي المهمة التي أوكلت لتركيا.

غير أن الخطاب النظري الذي تتبناه المعارضة الذاهبة إلى جنيف 4 يكشف عن تمكن الأوهام من العقل السياسي المعارض الذي لا يزال مسكونا بفكرتي استبعاد الأسد من الحل النهائي واسقاط النظام. وهما فكرتان تمت إزالتهما من أجندات الأطراف الدولية والإقليمية المنحازة إلى المعارضة.

ولكن من أجل أن نكون واقعيين أكثر علينا أن نتساءل لو أن المعارضة تخلت عن هدفي استبعاد الأسد وانهاء حكم حزب البعث هل سيبقى لديها شيء تتفاوض عليه؟

هل سيقبل السوريون الذين انخرطوا في الثورة أولا ومن ثم انتقلوا إلى مرحلة، صاروا فيها مقاتلين في حرب عبثية بأقل من نهاية خرافة وجود الأسد إلى الأبد؟

مشكلة المعارضة الرسمية أنها لا تملك جوابا إيجابيا مرنا على السؤالين السابقين. فهي في مواجهة المجهول الغامض لا تملك حلا يهبها فرصة الهروب إلى الأمام. لذلك يبدو التراجع إلى الخلف فكرة ممكنة من أجل الحفاظ على ماء الوجه. ولكن ذلك الحل لا ينفع أحدا من ملايين النازحين والمهجرين واللاجئين والمشردين بعد أن صارت الأمور كلها مكشوفة ولم يعد التسويف ممكنا.

المعارضة كما النظام في وضع لا يُحسدان عليه.

كلاهما مطالبان في البحث عن حل يضمن خلاصا جماعيا. الأسوأ يقع فيما لو فكر كل طرف منهما بخلاصه، وهو ما يحدث اليوم. فإن تمكنت عقلية المنتصر من النظام فإنه سيعود إلى جحره القديم. في المقابل ليس مطلوبا أن تحضر المعارضة مهزومة، فذلك سيدفعها إلى التماس الطريق إلى شعبية ضائعة من خلال خطاب لم يعد مقبولا على مستوى المنطق السياسي.

جنيف 4 كما أرى هو مختبر يدخل إليه السوريون من أجل استعراض ما تعلموه من سنوات الحرب.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
المزيد

 
>>