First Published: 2017-03-07

الديماغوجية الجديدة

 

'الافراد المثقفون ليسوا بالضرورة اناسا صالحين'. هذا ما قاله لنا جان جاك روسو قبل أكثر من قرنين. هذا حال العراق اليوم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عبدالأمير المجر

الديماغوجية التي نحن بصدد الحديث عنها، مصطلح انتجته الثقافة، أي انه من تشخيصات المثقفين للواقع وافرازاته، لكن المثقفين انفسهم ليسوا محصنين او مبرئين دائما من الديماغوجية وان عرفوها او شخصوها. والديماغوجيون هم الاشخاص الذين يلجأون، من اجل تحقيق اهدافهم، الى اللعب على عواطف الجماهير، او اقناعهم بامر ما بالاستناد الى مخاوفهم منه، حيث ينبري الديماغوجي الى قضية او امر يشغل الراي العام، ويعلن نفسه الممثل للجماهير في التصدي له، ويسعى من خلاله الى ان يكون البطل المنقذ مستخدما براعته في الخطابة او الكذب وغيرها من ادوات التدليس، فتنقاد الجماهير خلفه على امل الخلاص، فيحقق هو هدفه الشخصي ولكن ليس بالضرورة يحقق اهداف الجماهير، التي تجد نفسها في الغالب مخدوعة، او انها كانت تسير وراء سراب حسبته ماء. وكثيرا ما صارت القضايا الكبيرة ملعبا واسعا للديماغوجيين، ممن يلهبون حماس الناس بالخطب الرنانة والطروحات غير الواقعية التي تتغذى من مخاوفهم او من تطلعاتهم. وقد بلغت الديماغوجية في العصر الحديث ذروتها اثناء ظهور النازية في المانيا والفاشية في ايطاليا، ومن ثم بعض الانظمة ذات الطابع الثوري، التي وصلت السلطة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، الاّ ان نضج المؤسسة السياسية على مستوى العالم، وانتهاء الحرب الباردة وانتفاء الكثير من اسباب التوتر العقائدي، قلّص من فرص الديماغوجيين وان لم ينه وجودهم، فالمشاكل الكثيرة مازالت تعصف بالعالم، واصحاب الطموح موجودون ايضا، لكن اساليب الديماغوجيين تبدلت وفقا لمعطيات العصر وثقافة الشعوب التي لم تجد لديها الوقت الكافي للتجمع في الساحات الكبيرة والاستماع الى الخطب الرنانة كالسابق.

نعم، لقد انتهت تقريبا الاساليب التقليدية في اجتذاب الجماهير بالاساليب المباشرة، وصارت هنالك اساليب جديدة، يعتمدها الديماغوجيون، ليصلوا بها الى الناس كي يثيروا مخاوفهم ويتحكموا بعواطفهم والسيطرة عليهم، ولابد ايضا من ادوات تتناغم مع مشاريع هؤلاء، وليس افضل من بعض المثقفين والمبدعين ممن يمتلكون القدرة على التأثير من خلال ابداعهم وامكانياتهم المختلفة في تحقيق اهداف الديماغوجيين الكبار، ممن جندوا هؤلاء المثقفين والمبدعين ليوقعوهم في الفخ، وقد استشرى هذا المرض بشكله الجديد وبطريقة مرعبة في العقدين الاخيرين. بعد انهيار المعسكر الشيوعي، وتحول افواج من المثقفين والمبدعين الى الجانب الاخر بطريقة مثيرة ومستفزة احيانا، ويحضرنا هنا قول الفيلسوف جان جاك روسو "ان المعرفة لا تولد الاخلاق، والافراد المثقفين ليسوا بالضرورة اناسا صالحين". وهو ما اثبتته الوقائع عبر التاريخ.

هؤلاء الديماغوجيون، امتهنوا كل اشكال التضليل التي صارت تسلط على الناس من خلال الفضائيات ومقالات الرأي والفن، لاسيما السينما، والادب وغيرها من اشكال الابداع التي تؤثر بالمتلقي وتتحكم بمزاجه، لتجد الناس نفسها محاصرة وبشكل يومي بالمئات من تلك الاشكال الابداعية والثقافية التي تقرا الاحداث بطريقة مثيرة للغرائز ومجافية للحقائق وتعكس تصورات غير دقيقة او تصنع حقائق زائفة وتطلب بطريقة مباشرة وغير مباشرة من الناس ان تصدقها وتؤيدها، بعد ان يطرحها الفنان او الاديب او كاتب مقالة الراي والاعلامي المتمرس وفقا لرؤية الديماغوجي الذي يمتلك راس المال ويوظف من خلاله هؤلاء بطرق مختلفة.

في عراق اليوم، سادت الديماغوجية بطريقة لم نعرفها من قبل، وصار الاشتغال على عواطف الجماهير مرعبا احيانا، فالطائفيون والعرقيون اخذوا يخوفون الناس من بعضهم البعض، بعد ان صار كل واحد منهم يتحدث كما لوانه المنقذ للطائفة والعرق والجماعة من شرور الاخرين، من ابناء الوطن طبعا! ليفرض نفسه متصديا لتلك المخاطر التي يسهم هو في رسمها باذهان الناس. ولان هذا يحتاج الى اعادة تأثيث العقول من جديد، لذا بات الكثيرون من المثقفين والمبدعين يتعاملون، بتأثير من هؤلاء الديماغوجيين، مع قضايا التاريخ العراقي وحتى الحاضر بطرق غريبة، تفصح عن هذا الخطاب المأزوم، الذي يسعى من خلاله القائمون على المؤسسات الفاعلة، فضائيات وصحافة وفن وغيرها، ايصاله الى الناس ليحققوا اهدافهم السياسية او الخاصة في قراءتهم المشوهة للتاريخ والحاضر معا.

بعد ان اصاب الشعب العراقي الاحباط نتيجة ما مرّ به من احداث في العقدين الاخيرين قبل الاحتلال، صار الديماغوجيون يصبون جام غضبهم على ثورة تموز 1958 ويحملّونها السبب، ثم صاروا يهاجمون النزعة اليسارية عند بعض العراقيين، بعدها استداروا على مؤسسات الدولة، فالجيش العراقي مثلا، لم يكن سوى مجاميع من القتلة والجبناء الذين ليس لديهم شيء من الوطنية، او هكذا تصوره بعض الافلام السينمائية التي انتجت بعد العام 2003، اذ لم تظهر أي دور ايجابي له عبر تاريخه ابدا، والتاريخ السياسي للدولة العراقية كان مجرد سلسلة من خراب، وكأن العراق لم يكن دولة من قبل، والانسان العراقي لا هوية له وغير وطني! او هذا ما يراد ايصاله بالنتيجة، والهجوم على الشخصية العراقية ومحاولة تسفيهها يجري على قدم وساق، وكل يوم تقريبا، وبأساليب مموهة وماكرة، وهكذا تستمر هذه الخطابات التي تتسلل بغفلة من المثقفين او المبدعين انفسهم ممن يروجون لهذه الافكار، او بعلمهم، وبطرق مختلفة، وبايعاز مباشر او غير مباشر من الذين يمتلكون تلك المؤسسات في الداخل او الخارج.

نحن نعيش اليوم زمن الديماغوجية الجديدة بامتياز، زمن يستثمر فيه اصحاب الطموح والمصالح كل شيء، ليقولوا كل شيء يجعل الناس قريبة من طروحاتهم ومشاريعهم هم، انه زمن الهتافات الجديدة التي غيّبت حقائق مهمة في تاريخنا وحاضرنا ايضا، وستحيط مستقبلنا بضباب كثيف، ان لم ننتبه ونقف بوجه هذه الآفة التي اكلت كل شيء من حولنا وتركتنا في يباب.

 

عبدالأمير المجر

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

إنهيار منظومة الولاء والانتماء للوطن ليست رد فعل عكسي للدكتاتورية واحتلالات الآخرين للجغرافيا. بل هي شعور داخلي بعجز في مناعة الفرد والمجتمع كمقاومة ضد الدكتاتوري والمستثمر الخارجي للدكتاتورية.

2017-03-14

 
عبدالأمير المجر
 
أرشيف الكاتب
البدوية ولعبة الانتخابات
2017-03-27
كركوك وأعلامها!
2017-03-20
دول الاقليم.. والخيارات المقبلة القاسية
2017-03-14
الديماغوجية الجديدة
2017-03-07
الجبير في بغداد!
2017-02-28
البصرة ومربدها.. الحلم والضباب
2017-02-13
خور عبدالله.. بين قضايا الدولة وصراع السلطة
2017-02-12
الكتلة التاريخية الغائبة!
2017-02-11
كيري والموصل... كذبة الوداع!
2017-01-24
ترامب العراقي!
2016-11-24
المزيد

 
>>