First Published: 2017-03-07

لم يعد... عراقيا!

 

شاعر مغترب يمارس دور الضحية، الذي صار يتقنه العراقيون بشكل مذل، ويزعم أنه ليس ثمة شيء يربطه بالبلاد، دون أن يصل إلى درجة 'العار' من عراقيته.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

تلك حكاية يمكن أن تكون يمنية أو سورية أو ليبية أو لبنانية، مثلما هي عراقية بامتياز وتتكرر كلما تسنى أن يجتمع الأفراد ويبدأ حديث البلاد المتشظي!

جلس المغني الشهير القادم من جحيم بغداد، فيما أحاط به المغتربون؛ الشاعر الذي ترك البلاد منذ نصف قرن والآخر المغترب منذ ربع قرن، كانت جلسة غناء تتصاعد فيها درجة الحنين، وكعادة الشعراء غير المتسقين مع أنفسهم، بادر الشاعر بممارسة دور الضحية، الذي صار يتقنه العراقيون بشكل مذل كلما افتتح الحديث عن تاريخهم!

لم أعد عراقيا! هكذا بادر الشاعر المغترب، مؤكدا أنه لم يعد يشعر بشيء يربطه ببلاد الدكتاتور، لم يصل إلى درجة “العار” من عراقيته، لكنه استعرض فذلكته في أنه لم يعد عراقيا.

كان ذلك قبل أن تسقط البلاد في لجة الاحتلال وينهار كل شيء، أما إذا تكرر المشهد نفسه اليوم واجتمع المغني نفسه مع الشاعر ذاته، فعلينا ابتكار أوديسة جديدة أبطالها ظلال الدكتاتور.

صمت المغني الذي لم يعد يرى غير العراق ومدينته الجنوبية حلا لحياته، وشعر بتعالي ومبالغة الشاعر، لكنه حسم أمره بالرد في نوع من التحدي، مؤكدا أنه لم ولن يستطيع التخلص من عراقيته مهما دارت به السنون!

وقال المغني للشاعر: سأدخلك في اختبار عراقي لن ينجو منه أحد وستفشل في مزاعمك اللاعراقية، هل تقبل التحدي؟

قبل الشاعر التحدي وغرق في لجة الحديث والشراب، تقاطعت أمامه الذكريات وتاريخ البلاد، وهنا صدح صوت المغني وكأنه يوقظ حضيري أبوعزيز من رقاده!

لم تكن أمسية وردٍ يوزعها المغني بصوته بل جلسة دمع كان العراق حاضرا فيها!

انهار الشاعر وانهمرت دموعه بمجرد أن حضرت أغنية أشبه بفاصلة في تاريخه الشخصي، فشتم المغني كعادة العراقيين عندما يبدون الإعجاب! وطأطأ رأسه مهزوما في رهان الحنين إلى الوطن، لم يكن إلا عراقيا ثرثارا يزعم بغير ما يعتقد!

سيكون للسوريين اليوم حكاية المغني والشاعر العراقي نفسها وكذلك يكون لغيرهم من العرب، عندما يبدأ حديث البلاد التي لم تتوقف بعد عن إراقة الدماء.

لي صديق معتد بنفسه وقادر على التفكير المنضبط في أقصى درجات الارتباك الإنساني، عالج ذلك بافتراض على درجة من الذكاء والمرارة معا!

قال: عندما أجلس مع عراقيين أفصل عن تفكيري أنني عراقي كي لا أكره العراقيين الذين أوصلوا البلاد إلى هذا الحد من الرثاثة مع أنني أعيش عراقيا مع أسرتي، والشيء نفسه أفعله عندما أجلس مع العرب، للتخلص من إحساس أنهم ساهموا في إيصال العراق إلى مثل هذا القدر المتردي، لكن سؤال من أكون بعدها؟ يحاصرني، ليس بين الآخرين لكن مع نفسي.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم ابنة العرب
الدولة بلاد العرب اوطاني

يمكن ان نسمي هذا المقال \'إتقان صناعة الهزيمة العربية\'، حالات انانية تصنع التدمير الجماعي للذات والوطن

2017-03-07

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
المزيد

 
>>