First Published: 2017-03-09

نحو تحرير الثقافة العالمية من هيمنة المعيارية الغربية: الثقافة العربية المعاصرة نموذجا (1 / 3)

 

استقبال الآخر من خلال ثقافة اجتماعية معينة هل يعني التخلي عن المقومات الأساسية التي تميز المجتمع المحلي سعيا لمحاكاة ذلك الآخر؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. مجدى يوسف

خرافة الأدب الأوروبي

اختار الراحل حسين فوزي (مع حفظ الألقاب) أن يصدر كتابه الذي نشره عام 1938 تحت عنوان "سندباد عصري – جولات في المحيط الهندي" بالكلمات التالية:

"درجت على حب الغرب، والإعجاب بحضارة الغرب، وقضيت أهم مراحل التكوين من عمرى في أوروبا، فتمكنت أواصر حبي، وتقوت دعائم إعجابي. فلما ذهبت إلى الشرق، عدت إلى بلادي وقد استحال الحب والإعجاب إيمانا بكل ما هو غربي".

من هنا فإني أهدي كلماتى التالية لذكرى هذا المثقف الكبير الذي أثرى حياتنا بسندبادياته، كما أهديها لصديقى الكوزموبوليتاني (كما حرص هو نفسه أن يقدم نفسه في إحدى أوراق سيرته الذاتية) الأستاذ السيد يسن راجيا أن يبلو كعادته بلاء حسنا في نقد أطروحاتي التي ستعقب هذه الكلمة الافتتاحية.

***

هنالك مدخلان لدرس الظواهر: أحدهما يصدر عن العام، أو بالأحرى المعولم في مرحلة معينة من تاريخ البشرية، والآخر عن سياق اجتماعي ثقافي وطبيعي له خصوصيته النسبية في مرحلة معينة من تاريخ مجتمع معين.

وتطبيقا على المرحلة الحالية من تاريخ البشرية، فالمدخل الأول هو السائد في مختلف التخصصات على الصعيد الدولي. ولا شك أنه يحقق تقدما ما في مجال التخصصات الدقيقة التي يصدر عنها. فهو يتطلع إلى تلك التخصصات من داخلها، وليس بالضرورة بوصفها نتاجا لتطور مجتمعي معين. وهو لا يتطرق لتلك العلاقة بين البحث عن حلول، وما يبعث على ذلك البحث من دوافع تخص مجتمعا معينا في مرحلة معينة من تاريخه. فهو يرى العلم الطبيعي مثلا من داخله ويرصد حركته على نحو وصفي وضعي كما لو كانت منبتة الصلة بحركة المجتمع الذي نشأت في طياته، والتي بدونه لما كانت على هذا النحو.

وفي ذلك سألت صديقى الأستاذ السيد يسن، في غمار حواراتنا حول هذا الموضوع: هل كان أحمد زويل سيصل لاكتشاف الفمتو ثانية لو لم يترك مصر لأميركا؟ فكان رده على بالنفي. لكنه يصر مع ذلك على أن العلم عالمي بلا وطن. وله في ذلك جملة أثيرة: هل هنالك علم طبيعي عربي، أو هندي، أم عالمي؟ وما يترتب على هذا القول هو ما نخلص إليه سواء صرحنا به أو لم نصرح: إذا كان العلم عالميا، وتحققه نافذ في بلاد الغرب (في هذه المرحلة من تاريخ البشرية)، فهو إذن غربي، وعلينا أن نمضي في ركابه إن أردنا أن نكون "علميين".

ومن ثم يتعين علينا أن نلجأ لنتائجه الغربية كي نطبقها على مجتمعاتنا، وأن نصدر عن نماذج وضعها غربيون لنقيس عليها خصوصياتنا المجتمعية الثقافية.

على أن هذا التوجه ذاته لا ينظر إلى العلم وتخصصاته بوصفها نتاج تطور مجتمعي معين في الغرب الحديث كما كان في سائر العصور. وأن الغرب ليس كتلة واحدة، أو تيارا واحدا. فكما أن السائد فيه الآن هو التيار المتكيف مع نمط الإنتاج السائد في مرحلته الحالية التي تمر بأزمة مستفحلة، وما دام متكيفا معها فلا بد أن يكون تبريريا على نحو أو آخر، وذلك مثلا بأن يركز على العمليات الإنتاجية من داخلها، وليس في علاقتها بالمجتمعات التي يفترض فيها أن تشبع احتياجات الغالبية العظمى من السكان فيها.

نذكر في ذلك على سبيل المثال مدرسة وارسو لفلسفة العلوم، فقد نشأت في الأوساط الأكاديمية في بولندا للرد على حلف وارسو، وعلى الفلسفة الرسمية لذلك الحلف (وهي المادية التاريخية) بالتركيز على درس العلم في علاقاته الداخلية بعيدا عن كونه ظاهرة مجتمعية نسبية، منافسة في ذلك، بل سباقة على دراسات "توماس كون" المعروفة. وهي تتوازى في ذلك مع النهج الأونطولوجى في الدراسات الفقه لغوية التي اشتهرت بها الجامعة الياجولينية في مدينة "كراكوف" البولندية، والتي أسسها فيها "رومان إنجاردن" مستوحيا الفلسفة الظاهراتية لـ "إدموند هوسرل" (1859 -1938).

إلا أني أخشى أن الاقتصار على درس التشريح الداخلي للتخصصات الدقيقة يؤدي بنظرته اللاتاريخية إلى أسطرتها، بمعنى تهميش علاقتها بمن يفترض فيهم أن تشبع احتياجاتهم، وهم الغالبية العظمى من القائمين على العمليات الإنتاجية في المجتمع، بينما يفترض في العلم أن يكون في خدمة الغالبية العظمى من سكان البسيطة الأمر الذي تحول دونه آليات السوق العالمية وقانون القيمة الذي يحكمها بعيدا كل البعد عن منظومات القيم الإنسانية.

وأن الاستقبال النهم للعلوم العربية المتقدمة في عصرها عن طريق الأندلس من جانب الرأسمالية التجارية الصاعدة في أوروبا كان بسبب مشروعها الذي يحكمه أمر واحد هو تعظيم الربح النقدي الفردي.

صحيح أن العلم الحديث قد تجاوز ذلك الدافع الأصلي بما صار يميزه من رشادة، لكنه لم يبرح مع ذلك موقعه الاجتماعي بوصفه جزءا لا يتجزأ من نسيج المجتمع الذي نشأ فيه. وهنا يتمثل الجدل القائم بين الدافع وما يسفر عنه مسار الأداء البحثي. وفي ذلك يرى بعض الباحثين من أمثال "إريخ أورباخ" (1892-1975) خاصة في كتابه الشهير الذي صار مرجعا لكافة دارسي الأدب في الجامعات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية: المحاكاة أن العمل الأدبي لا علاقة له بالنسيج المجتمعي الذي صدر عنه. وهو يقارب في ذلك ما ذهب إليه "كارل مانهايم" (1893- 1947) في علم الاجتماع المعرفي من فصل ناجز بين "الفئة الاجتماعية" و"الفئة الفكرية الإبداعية".

وقد سبق أن رددت على "أورباخ" في دراسة سابقة لي عنوانها "خرافة الأدب الأوروبي" احتفى بها أساتذة جامعة "لاسابينزا" في روما، وترجموها مرتين للإيطالية وأصدروا كتابين نصا فيهما على أنهما مستوحيان من نقدي هذا، كما قرروا دراستي المذكورة على طلبتهم هناك لا سيما وأن الراحل "إدوارد سعيد" كان في كتابيه "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية" من أتباع نظرية "أورباخ" القائلة بوحدة تضم الآداب الأوربية على اختلاف لغاتها ومجتمعاتها، وهو ما شكل تناقضا أساسيا في خطاب سعيد، إذ كان يرفض اختزال الشرق لنزعات الغرب الاستعمارية، لكنه سلم في الوقت ذاته بوحدة مزعومة للآداب الغربية "تميزها" عن سائر الثقافات والآداب غير الغربية في مرحلة الهيمنة الغربية على العالم، بينما الوقائع التاريخية ذاتها تثبت عكس ما ذهبت إليه نظرية الأدب والثقافة الأوربية بالمفرد.

من ذلك على سبيل المثال ظاهرة الموشحة الأندلسية التي كانت تحوي اللغتين العربية الكلاسيكية والإسبانية الوسيطة في لحمة واحدة تتمثل في الموشحة والخارجة حيث يرد على إيقاع قصيدة عربية كلاسيكية مقطع شعري على الوزن نفسه بالإسبانية المعاصرة لها في ذلك الوقت.

فإذا ما صدق ذلك على الظواهر الثقافية، فكيف يتأتى في الظواهر "الطبيعية"؟ كاختلاف امتصاص الدواء باختلاف عادات إنتاج الغذاء واستهلاكه في مختلف الثقافات الاجتماعية. وهو ما يقتضى منا أولا استيضاح المستويات المختلفة للعمليات الذهنية. فالمستوى الأول فسيولوجي، يتعلق بحجم اللحاء المخي لدى البشر وتفوقه الكيفي عنه لدى أعلى الثدييات مما يتيح القدرة على التجريد والتخييل لدى بني الإنسان، ومن ثم إنشاء الحضارات بكل نظمها القيمية المركبة.

وقد ثبت أن هذه القدرة مشتركة لدى كافة العناصر البشرية، وإن كانت هنالك تصورات عنصرية بإزاء الملونين لدى البيض من شعوب الشمال، لا يوجد ما يبررها علميا على الإطلاق. فهي لا تعدو أن تكون محصلة لتاريخ استعباد الشعوب الملونة من جانب أهل الشمال الذين يستهلكون معظم خيرات البشرية على الرغم من أنهم إحصائيا أقلية مطلقة بالنسبة لسائر سكان هذا العالم.

أما المستوى الثاني، فهو الثقافي الاجتماعي . وهو على العكس من الأول له خصوصياته المختلفة عن بعضها البعض. والتي من خلالها يمكن الإضافة لحلول الآخر فضلا عما تنتجه كل منها من حلول لإشباع احتياجاتها على مدى القرون وآلاف الأعوام.

وهنا تتمثل العلاقة بين المجتمعات المختلفة. فاستقبال الآخر من خلال ثقافة اجتماعية معينة مهما كانت متقدمة فى مجالات أو تقنيات معينة، هل يعني ذلك التخلي عن المقومات الأساسية التي تميز المجتمع المحلي سعيا لمحاكاة ذلك الآخر تصورا منه أن هذه المحاكاة ستنقذه من "تخلفه" عنها، أم تسعى لتوظيف ما قد يكون متقدما في صنعه لدعم حاجاتي المجتمعية المحلية بأقل التكاليف ماديا ومعنويا؟

فبدو سيناء، على سبيل المثال، يصنعون عبر تاريخهم الطويل بيوتهم من خشب النخيل نظرا لأنها مادة حية رديئة التوصيل للحرارة والبرودة على حد سواء. وكذلك كانوا يعبرون عن قبائلهم بنسج بوارق تمثل هوية كل قبيلة. لكن ما أن احتلت دولة الصهاينة شبه جزيرة سيناء في أعقاب حرب يونيو/حزيران 1967 حتى جعلهم المحتل (ذو التوجه الغربي الحداثي) يتخلون عن المواد الطبيعية الحية التي كانوا يبنون بها دورهم، وأجبروهم على أن يبنوا بيوتهم من الأسمنت جيد التوصيل للحرارة في الصيف، والبرودة في الشتاء مما يجعلهم بحاجة لمكيفات هواء كأهل الحضر بحيث تثقل ميزانيتهم الهشة أصلا بما لا تطيق من أعباء، وما يذهب بتاريخ تكيفهم مع الطبيعة الصحراوية.

والشيء نفسه أصاب، كما بين لنا العالم الجليل الأستاذ الدكتور حامد الموصلي، الأنوال التي كانوا ينسجون عليها بوارقهم وملابسهم الصحراوية. فقد أجبرهم المستعمر الصهيوني على ترك تلك الأنوال التي ورثوها عن الأجداد، واللجوء بدلا منها للرسوم المصممة في المجلات الغربية يستنسخون منها "باترونات" معدة سلفا على نحو ما تفعل الأسر الغربية مما جعلهم يفقدون هويتهم البدوية القائمة على إبداع حلول تناسب البيئة الصحراوية القارية، ويصبحون مجرد محاكين ومستهلكين للنظام الغربي المعولم.

ويشبه هذا الاغتراب عن خصوصية المجتمع الأم ثقافة الطفل العربي في عصر هيمنة أفلام ديزني حيث يتحول من طفل متفاعل مع جدته أو أمه في استقباله لما ترويه عليه من قصص، ليصبح مجرد مستهلك سلبي لما يعرض عليه من أنماط "ديزني" أميركية الصنع. الأمر الذي يعرض الكثير من الأطفال للأدواء النفسية نظرا لتناقض النظام القيمي الذي تقدمه هذه الأفلام الأميركية مع ما يعايشه في مجتمعه العربي مما يترتب عليه قلق وصراع نفسي قد يحدوه إما للرفض التام لكل ما هو غربي، أو لرفض كل ما هو عربي، والشعور بالدونية بإزاء ما هو غربي.

وقد يؤدى هذا الاغتراب لردود فعل عكسية كتلك التي نراها في بعض الأقطار الأفريقية تحت مسمى "الأصالة" التي تتمثل في التمسك الشكلي بالطقوس المحلية، وهو ما يدعى هناك تيار الـ authentecité.

ولعله من اللافت أن دراسة نشرت لي باللغة الانجليزية حملت عنوان "ثقافة الطفل العربي في عصر "ديزني"، قد ترجمت للإيطالية وكثرت الإحالات إليها بصورة ملفتة في مختلف الدراسات بتلك اللغة، وذلك فيما يبدو نظرا لمعاناة الطفل الإيطالي مما يعاني منه الطفل العربي بسبب تغلغل ثقافة الطفل الأميركي في حياته.

ولعل ذلك ما حدا بتيار ما صار يدعى في إيطاليا، خاصة في جامعة "لاسابينزا": "التحرر من النزعة الاستعمارية للعالم" أن يشير إلى أنه استلهم نقدي للمركزية الغربية، يليه (كذا) نقد الباحثين في أميركا الجنوبية لهيمنة المعايير الغربية.

ولعلنا نجد التناقض بين الاستعمار القديم والجديد فيما عبر عنه الراحل "رينيه إتيامبل" مخاطبا أهل بلاده في منتصف الستينيات بكتابه الشهير الصادر عام 1964: أتتحدث فرنسية متأمركة؟ (Parlez-vous franglais ?).

فقد صار الاستعمار القديم يعاني من هيمنة الاستعمار الجديد، ومن ثم صارت شرائحه الشعبية والمقاربة للرشادة العلمية تتعاطف مع المستعمر القديم (بفتح الميم) فيما يعانى منه من تهميش.

وإذا كان التعريف الاقتصادي للاستعمار هو تصدير رأس المال، فإن الاستثمارات الأميركية في أوروبا الغربية أثناء الحرب العالمية الثانية قد جعلت من تلك البلاد بمثابة "مستعمرات" تابعة لها. وكذلك صارت كندا بالنسبة للولايات المتحدة حيث يبلغ الاستثمار الأميركي في بعض حقول البترول فيها قرابه الثمانين بالمائة. أما عن بلاد أميركا الجنوبية فحدث ولا حرج.

ولعل رد الفعل الشعبي الفرنسي على سبيل المثال يتلخص في الإقبال على موسيقى "الجاز" باعتبارها من إنتاج الزنوج المقهورين في أميركا، بينما يسخرون من الأميركي الأبيض صاحب حضارة الكاوبوي التي لا تاريخ يذكر لها في مقابل حضارة القارة الأوروبية التي تربوها بمئات السنين.

فماذا يقول إذن أصحاب الحضارات التي سبقت الأوربيين بقرون طويلة، كحضارتي وادي النيل، وما بين نهري دجلة والفرات التي أغار عليها الاستعمار الأميركي في القرن الواحد والعشرين كما يغير الجراد على خضار الأرض ليبيده ويبيد معه آثار تاريخه الضارب في القدم؟

د. مجدى يوسف ـ رئيس الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضارى (جامعة بريمن)

 

وفاة مهدي عاكف المرشد السابق للإخوان المسلمين

'النجباء' تمهد لفتح طريق امدادات السلاح الإيرانية لسوريا

استفتاء الانفصال ورقة ضغط كردية لتحسين شروط التفاوض مع بغداد

دول الجوار الليبي تبحث في القاهرة تطورات الأزمة السياسية

تركيا المتوجسة من الانفصال تدعو البرزاني للتخلي عن عناده

السراج يطالب أميركا برفع الحظر عن تسليح قوات الرئاسي

اقتراح تقديم الانتخابات يثير مخاوف من جدل عقيم في لبنان

اعتراض أممي يزيد الضغوط لمنع الاستفتاء في كردستان

منع داعية سعودي من الخطابة وصف المرأة بأنها بـ'ربع عقل'

الصدر يعتبر استفتاء الانفصال 'انتحارا'

أوبك تناقش تمديد اتفاق خفض الانتاج إلى ما بعد مارس 2018

برنامج أويحيى ينال ثقة البرلمان وسط انتقادات حول التوجه المالي

دعوات أممية لإنهاء الاقتتال في صبراتة

انشاء فريق أممي لجمع أدلة على جرائم الدولة الاسلامية في العراق

تحرير عانة بالكامل يفتح طريقا سالكة لاستعادة الحويجة والقائم

افتتاح مدرسة تحمل اسم الخميني يثير مخاوف طائفية في نينوى

السراج لا يرى حلا سياسيا بمعزل عن اتفاق الصخيرات

كتيبة الدباشي من تهريب البشر إلى تولي الأمن في سواحل ليبيا

تحركات مضادة للاستفتاء الكردي من العراق وايران وتركيا

ترامب يعد ببحث استئناف مساعدة عسكرية معلقة لمصر


 
>>