First Published: 2017-03-10

المنجز الرقمي .. مراجعة وتقويم (2 / 4)

 

تفقّد واقع النقد الرقمي يشهد بأنه يطوّر نفسه لملاحقة إبداعه، خاصة بعد انخراط بعض النقاد والمؤسسة الإكاديمية في تأصيله وتحليله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. وصـفي ياسـين

كيف أبدع الأديب لا ماذا قال الأديب؟

• ثالثا: مراجعة النقد الرقمي

هل النقد الرقمي نوع نبحث له عن نظرية تناسبه وأدوات تحليل نقدية تحتويه وتكشف عن أسرار إبداعه؟ أم هو نقد مجدّد وتطوّر طبيعي لآخر ما وصلت إليه النظرية النقدية الحديثة؟ بمعنى آخر؛ هل هو إعادة تدوير لأجهزة نقدية قديمة أشهرها علم النص والنقد الثقافي؟ أم هو استجابة لضرورة عصرية سرعان ما ستنطفئ بعد أن يخبو وهجها ويتبيّن عدم جدواها، طالما أن السؤال المنهجي في النقد باق؛ وهو كيف أبدع الأديب لا ماذا قال الأديب؟

يبدو أن تفقّد واقع النقد الرقمي يشهد بأنه يطوّر نفسه لملاحقة إبداعه، خاصة بعد انخراط بعض النقاد والمؤسسة الإكاديمية في تأصيله وتحليله. وعند إجراء مقارنة أولية بين الإبداع والنقد الرقميين من خلال الببليوجرافيا الملحقة بالدراسة نستنتج أن النقد ينتصر كمًّا، وإن كان الخلل المنهجي والغموض والتعثّر من نصيبهما كيفا.

هذا المبحث بصدد تأمّل الواقع النقدي وتوصيف حالته من خلال عرض جهود بعض أبرز كُتّاب ونقّاد العرب الرقميين عبر محورين: الأول؛ من داخل المؤسسة الإكاديمية، مثل: عبير سلامة، سعيد يقطين، محمد أسليم، مصطفى الضبع، لبيبة خمار، فاطمة البريكي، زهور كرام، سمر الديوب، عمر زرفاوي، محمد مريني. الآخر؛ من خارج المؤسسة الإكاديمية، مثل: محمد سناجلة، أحمد فضل شبلول، السيد نجم، محمد اشويكة، عبدالحميد بسيوني. مع مراعاة أن ترتيب ورودهم في البحث خضع لاعتبارات أهمها؛ الريادة، التأثير، المتابعة، التطوير في الأدب الرقمي.

المحور الأول: من داخل المؤسسة الإكاديمية.

1. الدكتورة عبير سلامة

هي أول إكاديمية عربية أصّلت لترجمة مصطلح Hypertext في دراستها المبكرة "النص المتشعب ومستقبل الرواية 2003". وفي كتابها "نص لا يخص المرء وحده" 2012 الذي ضم كل دراساتها الرقمية، رأت أن أسباب تأخُّر إنتاج شعرنا تشعبيا تكمن في الحاجة إلى وقت للتمكّن من تقنيات الميديا الحديثة التي تحتاج لعمل تعاوني قد يعوق سيطرتنا الإبداعية، مع الخشية من التورط في تفاعلية حقيقية تؤدي إلى تعطيل العمل.

قرّبت سلامة معنى القصيدة التفاعلية، حيث "لا يُعتبر فعلاً مع النص كلٌ من التعليق عليها/ مراسلة مؤلفها/ كتابة مقال عنها، وسوى ذلك من أفعال تقع خارج النص. الفعل مع النص يفترض عدم اكتماله، لذلك يصبح التعريف كما يلي: قصيدة قيد التشكيل يمكن الاشتباك مع نصها بفعل."

عبير سلامة

أما الرواية، فكان لسلامة دور بارز في تأصيل وترجمة مصطلح Hypertext عربيا، حيث قررت أن النص المتشعب هو "النص الذي يُستخدم في الإنترنت لجمع المعلومات النصية المترابطة، كجمع النص الكتابي بالرسوم التوضيحية، الجداول، الخرائط، الصور الفوتوغرافية، الصوت، نصوص كتابية أخرى، وأشكال جرافيكية متحركة. وذلك باستخدام وصلات/ روابط تكون عادة باللون الأزرق، وتقود إلى ما يمكن اعتباره هوامش على متن." وحرصت سلامة على إثبات حقها في ذلك بعد أن تجاوزه البعض فقالت: "اخترتُ ترجمته (سنة 2003) إلى النص المتشعب، اعتمادا على أن معاني التشعب (الانسياب والتفرق واللاخطية والانتشار على مستويات مختلفة) تتضمنها معاني السابقة Hyper (مفرط، فوق القياس، موجود في أكثر من ثلاثة أبعاد، متصل بغير نظام)."

ثم فرّقت بين أنواع الرواية الرقمية بداية من الخطية إلى التفاعلية مرورا بالتشعبية، معرّفة الرواية التفاعلية بأنها "رواية قيد الكتابة أو التشكيل، يشترك في إبداعها أكثر من مؤلف". ثم أشارت إلى لا نهائية هذه المصطلحات وغيرها، فالحدود بين الظواهر المعقدة عموما شاحبة، والرواية الرقمية بأطيافها المتمايزة، على نحو خاص، تبدو مجموعة من الوحدات التي يُعاد توزيعها مرارا بين لاعبين: يمتلكون حساسية ثقافية مختلفة، ولا تعنيهم إجادة اللعبة قدر ممارستها. قدمت سلامة قراءتها لأربعة أعمال مستخلصة أن "الجمع بين السرد والتفاعلية في وقت واحد غير ممكن، لأن المرء لا يستطيع التأثير في أحداث وقعت بالفعل."

ختاما، يمكن القول إن هذا الكتاب في حقيقته تجميع لأبحاث أعدتها سلامة خصيصا للمؤتمرات، ما يجعله جديرا بالاهتمام، حريّا بالاعتماد عليه في الأدب الرقمي، رغم كثرة هوامش الكتاب وطول بعضها بدرجة زاحمت المتن أحيانا.

2. الدكتور سعيد يقطين

هو أبرز الإكاديميين العرب تنظيرا للرقمية، وتبشيرا بها، وتحمّسا لها، وذلك من خلال كتابيه الرائدين: الأول؛ "من النص إلى النص المترابط، مدخل إلى جماليات الأدب التفاعلي" 2005. والآخر؛ "النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية نحو كتابة عربية رقمية" 2008 الذي يشخّص فيه أسباب الأزمة الرقمية، وهي "أننا نعيش في عصر بتصورات عصر سابق، ما يؤدي إلى عدم الاندماج بسرعة، وعدم الانخراط بصفة إيجابية. كما أن ممارسة الكتابة الرقمية لا يمكنها أن تتحقق إلا بتجديد الكتابة العربية من المقال الصحفي إلى الأطروحة الإكاديمية مرورا بكل أنواع الخطاب، مع ضرورة التمرّس بالمعلوميات تمرّسا حقيقيا، لا أداتيا فقط."

يؤصل يقطين لترجمة كلمة (Hypertext) التي تعددت بين؛ (الفائق، المتفرّع، المفرّع، المتشعّب) حيث يرى أنها تفيد مدلولا واحدا، مقترحا كلمة (المترابط) لدلالتها على "وثيقة رقيمة تتشكّل من عُقد من المعلومات قابلة لأن يتصل بعضها بواسطة روابط."

وعندما توقف يقطين بالتحليل لرواية "مجنون الماء" لإدريس بلمليح، اعترف بشجاعة أن عمله مبتسر وغير مكتمل، لأن هدفه لم يكن التحليل بالدرجة الأولى، بل تجديد التحليل السردي والأدبي عموما عن طريق "إقامة الجسور مع ما تحقق، واستشراف الممكن."

وفي إطار دعوته لدخول مرحلة الكتابة الرقمية يطالب بتجديد الكتابة العربية، وخلق بداية جديدة، "وأول تجديد يجب أن يطال طريقة ممارسة الكتابة وفق قواعد محددة ومضبوطة لتؤهّلنا إلى الانتقال إلى هذه الكتابة الجديدة". لذلك يقف مفرقا بين الكتابة المرقّمة والرقمية، النص الإلكتروني والرقمي، مؤرّخا للأدب الرقمي، وأنواعه، معددا مواصفات الكاتب الرقمي.

سعيد يقطين

وفي مطالبته بإعادة الاعتبار لمهارات اللغة العربية، صعوبة شديدة؛ لأن الواقع العربي ليس مؤسفا فحسب بل محبطا؛ حيث تفشّي الأخطاء بأنواعها، وتهميش دور اللغة العربية، وتسطيح محتواها العام وعدم الاعتناء به. كل هذا وأكثر مما طال اللغة العربية، يوحي بأن محاولة إعادة الاعتبار لمهاراتها صعبة ومستبعدة، الأمر الذي سيؤخر دخولنا المرحلة الرقمية، ولا أقول استحالة؛ لأننا نأخذ وقتا طويلا في الاستجابة المتوقّعة للجديد خاصة في مجاليّ الإبداع والنقد.

3. الدكتور محمد أسليم

أكثر المثيرين للنقاش الجاد حول الرقمية ومصطلحاتها وكتّابها وأشهر أعمالها وقضاياها. ناقش عدة أمور منها؛ آثار ظهور الرقمية على المؤسسة الأدبية ككل؛ حيث "مراجعة مفاهيم المؤلف والنص والقراءة والكتابة، والملكية الفكرية، ما يؤشّر على دخول الأدب مرحلة جديدة، وحده المستقبل سيحدد ملامحها النهائية... والسبب في ذلك أن الحاسوب يؤدي وظائف خمس، هي: الكتابة والقراءة والتخزين والبث والاستقبال."

وفي ظل الثورة الرقمية باعتبارها المحطة الثالثة للبشرية في ثوراتها بعد اكتشاف الآلة البخارية واكتشاف النفط واختراع الكهرباء، "يعيش الأدب اليوم حصارا رُباعيا قد يؤشّر على نهايته، أو يؤشّر على دخوله مرحلة قطيعة على غرار ما يجري في العلم عندما يشهد ثورة كبرى تُنعتُ عادة بـ "إبدال جديد". هذا الحصار تمارسه أداة الإنتاج، والنهاية الوشيكة للورق، واحتمالان آخران، هما: نهاية الكتابة ونهاية الإنسان الحالي نفسه على إثر ترقيته أو تحسينه أو الزيادة فيه في غضون العقود المقبلة."

ثم تبنّى ترجمة فريق البرمجة بشركة ميكروسوفت لمصطلح Hypertext بالتشعبي، حيث يُقال "وصلة تشعبية" و"رابط تشعبي"، ولا يُقال بتاتا "وصلة ترابطية" أو "رابط ترابطي". وقد أجمع المترجمون واللغويون العرب على تعريب Hypertext بـكلمة "تشعب".

تناول أسليم كتاب سناجلة "رواية الواقعية الرقمية" خاصة المقالات التي التفتت إليه والتي يمكن تصنيفها لقسمين؛ احتفاء يصل أحيانا حدّ المبالغة، وانتقاد ورفض بلغ حدّ القسوة غير المبرَّرة. وتناول أيضا أعمال سناجلة الإبداعية مقدّما مقترحين لتطوير رواية "شات" هما أنه: "ربما كان مفيدا إضافة صفحة أو مشهد أخير إلى رواية (شات) يكون عبارة عن فهرست يتيح للقارئ الرجوع إلى أي مشهد مباشرة دون العودة التسلسلية أو الانطلاق مجددا. كذلك لا نجد أي زر للخروج من الحكي في مشاهده الأربعة عشر، وسيكون مفيدا أيضا وضع هذه الإمكانية بين أيدي القراء."

4. الدكتور مصطفى الضبع

دعا الدكتور مصطفى الضبع إلى نقد ثقافي رقمي يوسّع مفهوم النصية، من خلال العناية بالصورة واللوحة الفنية والكاريكاتير والنكتة والفيديو والمشهد السينمائي وصفحة الويب باعتبارهم جميعا نصوصا.

لقد أشار إلى ضرورة قيام النقد بتغيير نفسه لإدارة الحديث حول النص الجديد، مستخلصا مجموعة من الطرائق غير التقليدية في كتابة القصة القصيرة، والآليات المغايرة لتلقّيها باعتبارها أقرب الفنون إلى روح عصرها، منها؛ المعارضة القصصية، حضور الواقع، المتوالية القصصية. وحثّ على ضرورة التخلّص من مشكلات التلقّي الشهيرة للتعامل مع النص الجديد بآلياته لا بالآليات القديمة، مع الوعي بالشروط الجديدة للتلقّي.

يرى الضبع أن الكاريكاتير هو أحد النصوص الدالة على توسيع مفهوم النص والنقد في آن، لأنه نصّ يراهن على "أن النقد ليس منحصرا في تلك العلاقة القائمة بين النصوص الأدبية وهؤلاء الذين يعتمدون مناهج نقدية لتحليلها، وإنما يعمل على تطوير هذه المفاهيم نفسها لرؤية الواقع في نطاقه الأوسع وليس ذلك الواقع المختزل في النص الأدبي." ومن ثَمّ وقف على أشهر تقنيات الكاريكاتير خاصة؛ اللغة والخطوط والمشهد والمفارقة والتناص البصري.

أما عن بلاغة الصورة المرئية، فيرى أنها "تقوم على اختيار التقنيات، مادة الصورة وعناصرها الديكورية، الأشخاص الذين يقعون داخل كادر الكاميرا، ألوان رسوم الكاريكاتير والملصقات. ويكون لطرائق تشكيل هذه المواد الدور الأبرز في تشكيل البلاغة التأثيرية القادرة على تشكيل جماليات من شأنها وضع المتلقّي في حالة التفاعل الأقوى بتأثير النص وطرائق إنتاجه وتقديمه."

مصطفى الضبع

في ضوء ذلك، يكون اليوتيوب جملة مرئية تتسم فيها التفاعلية بعدد من التقنيات، وترسم الكاميرا بلاغة المشهد عبر الابتعاد والاقتراب والتركيز على أحد عناصر الصورة، ويعبّر المشهد السينمائي عن بلاغة التطهّر، والصورة تعبّر عن بلاغة السلاح، كما تعبّر أيضا عن الاستعارة والكناية المرئتين.

وفي طرحه للنص التفاعلي رأى الضبع أنه يشير إلى "مفردتين تشكّلان صيغة تمثّل نظامين يشير كل منهما إلى نشاط يقوم على نشاط مختلف، فالنص يظلّ نشاطا إستاتيكيا حتى يتوفّر له متلقٍ يتفاعل معه لإخراجه من إستاتيكيته إلى ديناميكيته، وهنا يبدأ النشاط الثاني الذي يتأسّس على مجموعة من العوامل التي من شأنها إحداث تفاعل تتوقّف درجته على مخرجات النص وعلى مكتنزاته."

ومن ثمّ تعرّض لنوعيّ التفاعل القرائي وشكليّ النص التفاعلي، وثلاثة نماذج له هي الكاريكاتير بوصفه جامعا بين الاتصال البصري واللغوي، المرئي والمقروء، الخاص والعام. ثم النكتة باعتبارها وسيلة الاتصال الأكثر بلاغة. وأخيرا الكاتب جلال عامر بوصفه أنموذجا تفاعليا لأن نصوصه صارت تمثّل أعلى معدلات التداول على شبكة الإنترنت.

ربط الضبع النص المترابط بالتشبيه؛ فالتشبيه يحرّك الخيال قبل البصر، وينتقل معنويا وذهنيا إلى صورة خيالية، الفاعل فيها هو الخيال، بينما النص المترابط، يحرّك البصر قبل الخيال، وينتقل ماديا عبر الفأرة والرابط، إلى صورة مادية، الفاعل فيها هو النص. وربط أيضا، بين الحركات الإعرابية التي تتغير وفق ما تنتجه من دلالة في التركيب اللغوي، وبين تقنيات الوسائط المتعددة خاصة الفوتوشوب، التي تعمل على تغيير حالات الصورة وشكلها وإنتاج بلاغتها الخاصة.

هناك رسائل مشتركة تبعثها هذه المقالات، أهمها؛ ضرورة العمل على زيادتها لأنها جديرة بأن تكون بين دفتيّ كتاب، وهذا ما نلفتُ الانتباه إليه ونحفّز له.

إن الضبع يمتلك عين المبدع التي تلتقط العادي من النصوص فتحوّله إلى ظاهرة نقدية. الجهود النقدية المبذولة في متابعة دور المتلقّي وتوسيع مفهوم النص رائعة لكنها لا تمثّل كل المأمول منه؛ لأنه حتى اللحظة، لم يجرّب أو يختبر أدواته النقدية على الإبداع الرقمي رواية وشعرا. ربما تكون لديه أسبابه الخاصة للتمهّل أو حتى الإحجام، وهي تُحترم على أي حال، لكن الواجب النقدي يفرض عليه أن يقول كلمته التحليلية في هذا النوع من الإبداع باعتباره أحد نقّادنا المحدثين الأكثر ملاحقة وتطورا وكتابة.

5. الدكتورة لبيبة خمار

تحدّثت الدكتورة خمار عن مأزق السرديات بعد ظهور الرواية الرقمية التفاعلية، وهو مأزق "ناشئ من كون الحكي التفاعلي لا يزال نشاطا تجريبيا أو أدبا ناشئا لم تتحدد بعدُ مواصفاته الكتابية والقرائية، التي لا تزال هي الأخرى في طور التكوين. هذه واحدة، والأخرى، أن داخل هذا الفضاء يصبح السرد مخاطرة؛ لأنه يأخذ شكل متاهة تضيع بين طياتها الحكاية، ولأنه يضع القارئ على محور كله ترقّب، وتذكّر، ورهبة تتولّد من هاجس فقدان أثر النصوص المختفية والظاهرة.

اجتهدت خمار في توضيح بعض المفاهيم الرقمية، وإزالة ما يعلوها من لبْس، كخطوة أساسية تمكّن من الانتقال من حضارة الكتاب إلى حضارة الشاشة ودخول العصر الرقمي؛ كالكتابة الرقمية، وآليات تشكلها وصيغ ظهورها.

ما يميز النصوص السردية الرقمية أنها "نصوص متعددة البدايات، والنهايات. وفضاء مكاني، وزماني من الإحالات المتتالية التي لا تتوقف عند نص بعينه؛ فكل نص منشّط يشكّل البداية، ونقطة الانطلاق، والنص الذي يتعب عنده القارئ ويتوقف عن النقر يشكّل النهاية." لكن الملاحظ أنها تروّج لمصطلحها المنحوت "القراكتابية" الذي يتحوّل بموجبه القارئ إلى كاتب/مشارك، ويتحول الكاتب إلى قارئ تفاعلي يقرأ كتاباته وكتابات غيره.

وعن جهدها في تحليل النصوص الرقمية، فقد رأت في قصة "حفنات جمر" لإسماعيل البويحياوي، أن المبدع "يبدأ في اللعب ويدعو قارئه المفترض إلى الدخول إلى عالمه، ومشاركته اللعب القائم على مبدأ الاختيار الحر." مستخدما عدة تقنيات منها؛ انشطار الذات بين المبدع والمتلقّي، لعبة انفجار السرد عن طريق اللغز وحلّه، غياب الخطية دون التقييد بالبدء والختام.

أي أنها اكتفت بقراءة التقنيات دون النصوص، وذلك يمثل قصورا شديدا في عملية القراءة. أما قراءتها لقصيدة سناجلة "وجود" فإنها التفتت إلى تقنية الحضور والغياب، لكنها لم تقدّم ما يفيد ذلك نقديا، بل تجاوزته بعدما حصرته بين تأصيل الشعر الرقمي ونفي صفة السبق عن القصيدة لأنها لم تُكتب ضمن إطار وسياق شعري مستقلّ بل وردت ضمن رواية "شات".

أخيرا، أجادت في وقفتها الطويلة أمام رواية "ظلال العاشق" لسناجلة، وتناولت التجاور التفكيكي ودمج النصوص بطريقة توحي بعدم منطقيتها انعكاسا لحقيقة الواقع، وأشارت لآليات كتابة الرواية منها؛ اعتماد مبدأ الوصل ثم الفصل، "وقد مكنته هذه التقنية من اقتطاع لحظات تاريخية قديمة ومعاصرة، ولحظات إشراقية صوفية، ولقطات فيلمية أيروتيكية ووصلها بالنص الوصيّ." الأمر الذي مكّنه من تطوير عمل الروابط من خلال استدعاء تقنيتيّ الحواشي والطيارات، اعتماد تقنية التناص، تطوير تقنية البناء والعرض عن طريق العرض المشهدي المتاهي، والعرض المشهدي الانتقائي.

لبيبة خمار

6. الدكتورة فاطمة البريكي

في كتابها "مدخل إلى الأدب التفاعلي" 2006 أرّخت لترجمة مصطلح (Hypertext) متبنّية ترجمة حسام الخطيب (النص المفرّع) بنوعيه السلبي والإيجابي، رافضة محاولة نبيل علي (النص الفائق)، وترجمة يقطين (النص المترابط)، وتقريب عبير سلامة (النص المتشعّب)، وترجمة سامر سعيد (النص الممنهل). لكنها تصرّفت في ترجمة الخطيب واسم كتابه، بزيادة تاء مفتوحة، من (المفرّع) إلى (المتفرّع) دون تبرير واحد.

وقد أشار إلى ذلك يقطين، ومن بعده محمد مريني. بعدها، تطرّقت البريكي لمظاهر تجلّي الأدب إلكترونيا؛ كالمنتديات والصالونات والمواقع والمجلات الأدبية والكتاب الإلكتروني. ثم أصّلت لمصطلح التفاعلية عربيا وغربيا، وأسباب عدم شيوعه عربيا. ثم تناولت الأدب التفاعلي بين القبول والرفض، بعد أن طالت وقفتها بين أجناس الأدب التفاعلي، كالقصيدة التفاعلية والشعر التفاعلي وقصيدة الومضة والشعر الهندسي والمسرحية التفاعلية والرواية التفاعلية من حيث طُرُق التلقّي والمميزات والظهور والنماذج الدالة.

وأخيرا، قارنت البريكي بين المبدع الورقي والإلكتروني، المتلقي الورقي والإلكتروني، النص الورقي والإلكتروني، ثم تناولت العلاقة بين الأدب التفاعلي وأطراف عملية التلقي، والعلاقة بين الأدب التفاعلي ونظرية التناص.

وفي مقالتها "الرواية التفاعلية ورواية الواقعية الرقمية"، أشارت إلى تزاوج الأدب بالتكنولوجيا، ما أدى لوقوع تغيّرات في طبيعة وعناصر العملية الإبداعية، وأنتج جنسا جديدا اُصطلح عليه باسم "الأدب التفاعلي" بأنواعه. ثم تطرقت إلى تعريف الرواية التفاعلية وواقعها العربي، وانتبهت إلى الفرق بين مصطلحي الرواية التفاعلية ورواية الواقعية الرقمية.

7. الدكتورة زهور كرام

قسّمت كتابها "الأدب الرقمي أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية" 2009 لشيئين: الأول نظري؛ توقّفت فيه أمام التأصيل لبعض المصطلحات الرقمية كالمؤلف والقارئ والنص ومسمياته مؤكّدة على مسألة عدم القطيعة بين الورقي والرقمي. والآخر تحليلي؛ تناولت فيه تجربتيّ سناجلة (شات 2005، صقيع 2006) مقترحة منهجها النقدي القائم على التناول النقدي "عبر خطابين يحددان الحالة الروائية المترابطة، من جهة خطاب التشخيص الروائي عبر السرد المألوف. ومن جهة ثانية، خطاب التشخيص السردي عبر الرابط."

ولا تفتأ تكرّر دعوتها المتحمّسة للرقمية معتبرة أن "الانخراط في الأدب الرقمي هو مطلب حضاري بامتياز. وليس نزوة أو موضة عابرة أو شيئا من هذا القبيل. والمسألة محسومة معرفيا وثقافيا وأنثروبولوجيا."

وفي حديثها عن رواية "ظلال العاشق"، دعت إلى ضرورة تراكم النصوص الإبداعية الرقمية للقضاء على حالة الخلل والغموض التي ترافق هذا التعبير، دون أن تتوقف عند تقنيات الرواية نفسها، مستهلكة معظم مقالتها في ريادة سناجلة الرقمية.

8. الدكتورة سمر الديوب

خلقت الديوب من الأدوات القديمة سلعة جديدة وجذابة وعملية في تناولها للإبداع الرقمي. وقفت في رواية "شات" لسناجلة عند الأمور التي توضّح عبور النص من الأدبية إلى العلمية وهي؛ الشكل الفني، اللغة، الرؤية الفلسفية، حيث أخذ الشكل الفني وسيطا جديدا داخل عملية الإبداع وهو الشاشة الزرقاء، وجاء العنوان كعتبة نصية باعتباره نصا موازيا يرتبط بالنص الرقمي ويحيل عليه، بينما توافرت لغتان: "لغة ترسم معالم الشخصية في عزلتها، وهي أقرب إلى لغة الرواية الورقية، ولغة تشكّل معاني حياة البطل الافتراضية، وتفرض رموزها، وأدواتها الخاصة، وهي أن الحوارات تدور بالفصحى حيناً، وبالعامية أحياناً، الأمر الذي يثير تساؤلاً عن تكريس اللهجات الشعبية على حساب الفصحى في الرواية الرقمية."

أما الرؤية الفلسفية، فكانت التأكيد على أن "للإنسان الافتراضي قيماً ونظاماً أخلاقياً يختلف عن النظام الموجود في عالم الإنسان العاقل."

وفي قراءتها لرواية "صقيع" لسناجلة، توقّفت عند تقنية الحضور والغياب التي توسّل بها النص الرقمي لتحقيق الغياب، خاصة التقنيات الإلكترونية، حيث "تغيب علامات اللسان، وتحضر العلامات التكنولوجية، إمّا على شكل أيقونة، وإمّا على شكل رابط، فيتقلّص الكلام لدرجة أن النطق بالكلام يصبح نطقاً مقطّعاً، فيُستبدل بالدال اللساني الدال التكنولوجي الصامت حيناً، والناطق حيناً آخر."

أما في تناولها لرواية "ظلال العاشق" لسناجلة، فقد انتبهت إلى مواطن البلاغة والبلاغة المضادة، حيث تقول عنها "إنها نص مضاد؛ لأنه نصّ منفتح على السرد، والشعر، والخبر، ومقاطع الفيديو، والموسيقى، والمشاهد المتحركة، فيقرأ المبحِر، ويسمع، ويرى، وتوسِّع الروابط النص، وتفرّعه، ويتمكّن صانع النص من التفسير والتعقيب والتعليق، فثمة تعالقات نصية مع خطب وأشعار عربية قديمة، وثمة روابط مشجّرة تؤدي وظيفة الهوامش في فصل عتيق الرب، وثمة روابط تصويرية مشهديّة ننتقل إليها بالضغط على الزرّ، وروابط ناقلة إلى نصوص حركية، وروابط تجاور نص المتن. وهنالك مركز يشدّ هذه الروابط جميعاً، ويُخرج من المتاهة التي يمكن أن نقع بها ونحن نبحر في الرواية."

ما يُحسب للديوب أنها لم تغضّ الطرف عن أشهر نواقص رواية "ظلال العاشق" وهي "الاستطالة في السرد، وإمكان حذف المقاطع المتحركة والفيديو من غير أن تتأثر الرواية، وإمكان تحويلها إلى رواية خطية، وابتعادها عن التعبير عن العصر الرقمي والإنسان الرقمي الافتراضي."

أخيرا في مقاربتها لقصيدة "تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق" لعباس معن، تسجّل ملاحظة تتعلّق بالوسائل التقنية الموظّفة في بناء النص الرقمي، وهي أن "ثمة تشابها بين هذه التقنيات، وهو أمر أدّى إلى تشابه في التجارب الرقمية على مستوى القصيدة العربية وغير العربية، فالتقنية واحدة، وتبقى الخصوصية في استخدام هذه التقنية بما يتناسب والحال النفسية للمبدع الرقمي."

ورغم أن الديوب اقترحت منهجا نقديا متمثّلا في "نقد منفتح على تنوّع الثقافات وتنوّع الفنون معاً، ما يعني أنه نقد ثقافي رقمي يحاور فنون الهندسة الرقمية، ويتعامل مع الفنون المتنوعة المشاركة في البناء، ويوسّع مفهوم النصية، فيشمل كل ما يستطيع التأثير في المبحِر، ويهتم باللون والصوت والصورة والحركة والكلمة، ويجعل الهندسة الرقمية حجر الأساس في تحليل النص." إلا أن تطبيقها النقدي لم يكن بمستوى هذا المقترح.

نقطة أخيرة، تتعلّق بتوجّه الديوب حيث نحار أمام توصيفه؛ هل هو تصحيح أم التباس إزاء أزمة الوجود بين الورقي والرقمي، حيث رأت أن "النص الرقمي استمرار للأدب الورقي، لا قطيعة معه." ثم أكدت أن "الكتابة الرقمية امتداد للكتابة الورقية، لا انقطاع عنها." لكنها تراجعت عن ذلك بقولها: "الرقمية تجلٍّ لقطيعة مع الأدب السابق، وهي آخر مرحلة من مراحل تطور الأدب التي يمكن أن نمثلها بالشكل الآتي: أدب شفهي ← أدب ورقي ← أدب رقمي."

9. الدكتور عمر زرفاوي

له كتاب بعنوان: "الكتابة الزرقاء.. مدخل إلى الأدب التفاعلي" 2013. تناول في فصله الثالث مصطلح النص المترابط وقد حفر في خلفيته التاريخية ومساره المعرفي، مقارنا بين التعلّق النصي في النص الورقي، والترابط النصي في النص الإلكتروني، مقارنا بين الأدب الورقي والأدب التفاعلي/ الإلكتروني. وفي الفصل الرابع والأخير عرّف بجنس الأدب التفاعلي وتتبع مسار تحوله من أجناسه الورقية إلى أجناسه التفاعلية/ الإلكترونية، ثم أصل هذه المصطلحات غربيا وعربيا.

10. الدكتور محمد مريني

أصّل الدكتور مريني في كتابه "النص الرقمي وإبدالات النقل المعرفي" 2015 للنص المتشعب، ومصادره الأساسية: "التناص، والسيبرنطيقا، والأبحاث السيكولوجية حول الذاكرة." ثم تتبّع الإسهامات الغربية والعربية في ترجمة مصطلح (Hypertext)، حيث؛ (المفرّع) للدكتور الخطيب، و(المتفرّع) تصريف الدكتورة البريكي، وتراجع الدكتور نبيل عليّ عن حرفية (الفائق)، واقتراح الدكتور يقطين (المترابط)، مفضّلا عليهم جميعا مصطلح (النص المتشعّب) لسببين "أولهما شيوع هذه الترجمة... ويتمثّل ثانيها في تطابق الدلالات اللغوية لمصطلح (Hypertext) مع ما ورد في المعاجم العربية عن مادة (شعب)."

ثم يذكر خصائص النص المتشعّب، من اللاخطية والتفاعلية والافتراضية وتعدد الوسائط. الغريب أن المريني اقترح ترجمة (المتشعّب) دون أن ينسبه لصاحبته الدكتورة عبير سلامة، كما فعل الإكاديميون والباحثون.

د. وصـفي ياسـين ـ أستاذ مساعد بكلية محمد المانع بالسعودية

 

الطلب على طيران الامارات متماسك على المسارات الأميركية

حصار أشد وقتال أقل لإخراج الجهاديين من الموصل القديمة

مقتل خمسة أشخاص في غارة جوية على سجن سبها الليبية

كوناكري 'العاصمة العالمية للكتاب' أكثر من شرف لغينيا

روسيا تتريث قبل دعم تمديد محتمل لاتفاق خفض انتاج النفط

الحشد يضغط على العبادي في معركة رجل إيران الأول

تحرير الطريق الدولي بين العراق والأردن من سيطرة الجهاديين

مذكرة توقيف دولية لرجل الأسماء الكثيرة في مخابرات القذافي

ماكرون ينعش أسواق المال الأوروبية

اقحام المساجد في السياسة يثير انقسامات في الجزائر

قفزة مهمة في عدد الوافدين الروس والصينيين إلى دبي

عون مع أي مساعدة أمنية أميركية تنأى بحزب الله عن العقوبات

شركات الطيران الأميركية تعالج عجزها بحملة على نظيراتها الخليجية

قيادي بالدولة الإسلامية يقضي بغارة جوية للتحالف الدولي بالموصل

دائرة الحظر على الرحلات من الشرق الأوسط مرشحة للتوسع

الدولة الاسلامية تعتاد على مهاجمة قوات الأمن في صحراء الأنبار

الجزائر تتهرب من مسؤولية دفع اللاجئين السوريين إلى حدود المغرب


 
>>