First Published: 2017-03-12

نداء تونس بين الموهبة والصنعة

 

نداء تونس حين يفشل فإنه يتمكن من التراجع عن الخطأ. أما حركة النهضة فإنها لا ترى في فشلها إلا فشل المجتمع في استيعاب ضرورتها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في لحظة تاريخية مناسبة ظهر حزب نداء تونس ليكون حلا لينهي التونسيون من خلاله خصومتهم المدنية مع الإسلاميين الذين مثلتهم حركة النهضة.

كان صعود نداء تونس أسلوبا متحضرا في التعبير عن رغبة التونسيين في الالتفات مرة أخرى إلى شؤون دولتهم التي أصابها الهزال والكسل والترهل وغياب المبادرة بعد أن ركنها نظام بن علي جانبا، منشغلا بإدارة دولته العائلية.

صحيح أنهم لم يكونوا على يقين من أن الحزب الذين رجحت أصواتهم كفته في الميزان قادر على أن يعيد إلى الدولة حيويتها بشكل كامل غير أنهم رأوا فيه مخرجا من أزمتهم مع حركة النهضة التي وصلت إلى طريق مسدودة. إضافة إلى أن شخصية الباجي قائد السبسي لعبت دورا محوريا في صنع واجهة مدنية أكثر تماسكا واتزانا من واجهات التيارات اليسارية.

غير أن رمزية وجود شخصية متمرسة تاريخيا في العمل السياسي مثل السبسي لم تعد تلقي بظلالها على أداء حزبه بعد أن أصبح رئيسا. وهو ما جعل الحكومة التي يقودها نداء تونس لا تملك ما يسندها في البقاء سوى أدائها.

وبسبب ما تعرض له الحزب، حديث النشأة من تصدعات، كان جزءا منها متات من ضعف الخبرة والجزء الآخر هو نتاج التربية البيروقراطية التي هي واحدة من أهم مفردات النظام السياسي العربي المتوارثة.

لقد تعثر أداء حكومة النداء بشبهات فساد، عادت بالدولة إلى عصر الاقطاعيات العائلية التي أعتقد التونسيون أنهم غادروها إلى الأبد بعد أن محوا كل أثر يُذكر بالطرابلسية.

اليوم تشير استطلاعات الرأي إلى انخفاض شعبية نداء تونس في مقابل احتفاظ حركة النهضة، المنافس الخاسر بنسبة شعبية التي صار من خلالها الأوفر حظا في هذه المرحلة على الأقل. لقد خسر النداء شعبيته لصالح الأحزاب الصغيرة وهو ما يعني تشتت أصواته، من غير أن تعود تلك الأصوات الضائعة بأي نفع يُذكر على مستوى تغيير الخارطة السياسية.

ما يُخيف يكمن في أن المعادلة لا تزال قائمة على أساس التنافس التقليدي بين نداء تونس وحركة النهضة. فإن استمر النداء في الإخفاق في محاولته الخروج من متاهة مشكلة الحكم فإن عودة النهضة إلى السلطة ستكون بمثابة الكابوس الذي ما من وقوعه بد.

"ليست الأمور بمثل ذلك السوء" يُقال هنا في تونس. ولكنه قول قد لا يؤخذ على محمل الجد في مواجهة الأزمات التي لم تحاول الحكومة التهرب من مواجهتها بل سعت وبشكل فوري إلى أن تضع لها حلولا وإن لم تتسم تلك الحلول بطابع جذري.

من وجهة نظري فإن المجتمع المدني في تونس لا يزال متمسكا بحكم نداء تونس بالرغم من انكشافه على عثراتها المرتبطة ببنية الحزب الذي يُخشى أن يستسلم قياديوه إلى مشكلاتهم الشخصية التي أربكت الأداء الحكومي حين أدخلته في متاهة الحكم بعيدا عن وظيفته الخدمية.

ما يُمكن أن يشكل إنعطافة خطيرة في تاريخ تونس السياسي المعاصر يكمن في أن لا يفهم سياسيو النداء المزاج الشعبي. فالخوف من عودة حركة النهضة إلى الحكم ينبغي أن لا يكون سببا للاطمئنان إلى البقاء في ظل ارتكاب أخطاء ضارة قد لا يتمكن المجتمع من غض الظرف عنها بيسر.

من المؤكد أن حركة النهضة تضع في ذهنها الاستفادة من أخطاء منافسيها الذين وصلوا إلى الحكم بسبب أخطائها، غير أنها تراهن على حنكتها في فهم واستيعاب فشل الآخرين، بالرغم من عدم ركونهم إلى الأسباب التي صنعت فشلهم من وجهة نظر المجتمع.

وهو ما يعني أن حزب نداء تونس حين يفشل فإنه يتمكن من التراجع عن الخطأ أما حركة النهضة فإنها لا ترى في فشلها إلا فشل المجتمع في استيعاب ضرورتها القائمة على أساس اخضاع المجتمع لعمليات مختبرية من أجل هدايته. وهو ما يعرفه التونسيون جيدا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
المزيد

 
>>