First Published: 2017-03-13

نحو تحرير الثقافة العالمية من هيمنة المعيارية الغربية: الثقافة العربية المعاصرة نموذجا (2 / 3)

 

مهمتنا في النصف الأول من القرن الحالي يجب أن تختلف إن أردنا أن نحقق إشباعا حقيقيا لشعوبنا بغالبيتها الساحقة، وذلك بالتركيز على الإنتاج أولا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. مجدى يوسف

قدرة خلاقة على إبداع طرق جديدة

• ما العمل؟

بعد هذا العرض السريع للإشكالية المطروحة على بساط البحث فيما يتعلق بخياراتنا الحالية يتعين علينا أن نسأل أنفسنا: أي طريق نسلك؟ التبعية المهينة للسوق العالمية وما يتعلق بها من تقنيات غربية المنبع، لا سبيل لردها، وإن كانت تجثم على أنفاسنا بما تحمله من أضرار أكثر مما تقدمه من منافع؟ أم أن نسلك سبيلا مختلفا يقلل من اعتمادنا على السوق العالمية في إشباع حاجاتنا الأساسية، ويوظف قدراتنا الإنتاجية المهدرة في إنتاج ما يشبع هذه الحاجات الرئيسية المحبطة لدى الغالبية العظمى من شعوبنا، بل وشعوب سائر العالم بما فيه الغربى ذاته؟

وبعبارة أخرى: من أين نبدأ؟ من الآخر الذي تفصلنا عنه فوارق كثيرة ، أهمها حرصه على تكريس هيمنته بشتى الطرق، خاصة وأنه قد زرع بيننا امتدادا له في منطقتنا العربية ليمعن من إذلاله لنا بنموذجه؟

نحن مهما حاولنا أن نمضي في سبيل الغرب على نحو ما فعل آباؤنا منذ مطلع القرن العشرين، وقد ذكرت حسين فوزى ممثلا لهم في صدر هذه الدراسة، لن نحقق شيئا مما نطمح إليه إلا في أحسن الأحوال لفئة جد محدودة من مجتمعاتنا بينما سنعزل أنفسنا عن الأغلبية الساحقة من شعوبنا التي ندعي انتماءنا لها.

ألم تكن هذه هي الدعوة الليبرالية التي مثلها كبار ملاك الأراضى الزراعية في النصف الأول من القرن العشرين، والتي نظر وروج لها مفكروها من أمثال محمد حسين هيكل؟

أعتقد أن مهمتنا في النصف الأول من القرن الحالي يجب أن تختلف إن أردنا أن نحقق إشباعا حقيقيا لشعوبنا بغالبيتها الساحقة. وذلك بالتركيز على الإنتاج أولا بدلا من البحث عما يستجيب لحاجاتنا الاستهلاكية باللجوء إلى السوق التي تردنا للسوق العالمية بكل تناقضها مع إمكاناتنا. فإنتاج ما نحتاج إليه من غذاء وكساء وسكن وموصلات كلها ملحة لا يمكن أن يحققها سوى توظيف ملايين القوى العاملة المعطلة في صورة معسكر قومي عام. وبذلك نقي أنفسنا من تغول آليات السوق العالمية علينا.

وفي هذ السياق يصبح البحث العلمي بدوره إنتاجيا بمعنى أنه يبدأ من رصد المشكلات التي يتعرض لها ابتداءً من خصوصيتها، وليس عن طريق طرح النماذج الغربية عليها سلفا كما يحدث للأسف باسم التحديث و"العلم" أيضا في أكاديميات البحث العلمى لدينا!

وفي ذلك نحن لا يمكن لنا أن نستغني عن سائر تجارب البشرية من خلال آخر ما توصلت إليه من معارف واكتشافات، ولكن بعد أن نعيد النظر فيها تجريبيا وتنظيريا ابتداءً من اختلافنا الموضوعى عنها. ورصد ذلك الاختلاف الموضوعي يكون بالتعرف على التواتر المتكرر لأداء معين خلال حقبة تاريخية من حقب أحد المجتمعات بإزاء التعرض لمختلف المشكلات بما يمكن وصفه بأنه "خصوصية" نسبية للمجتمع موضوع الدرس.

ومن ذلك على سبيل المثال طرق طهيه واستهلاكه للطعام، كما سجلها الأستاذ الدكتور محمد رؤوف حامد في بحثه عن خصوصية امتصاص الدواء الغربي لدى المجتمع الليبي الذي اعتاد على استهلاك الهريسة مع كل وجبة.

وهو ما أفضى به لنتيجة مختلفة عن تلك التى روجت لها "إدارة الغذاء والدواء" الأميركية من أن مادة الكابسايسين (الشطة) الحريفة تؤدى في كل الحالات للإصابة بقرحة المعدة والإمعاء. وهو ما أكده في مناقشته له الأستاذ الدكتور "بيتر هولتس"، الباحث الكبير في جامعة "جراتس" الطبية في النمسا، هذا في الوقت الذي لم تسعد فيه "إدارة الغذاء والدواء" الأميركية باكتشافه.

أما فرنسا فرفضت أن تمنحه تأشيرة لمدة لا تزيد على الثلاثة أيام لإلقاء بحثه هذا في اللقاء البحثي الذي عقدته في مقر اليونسكو بباريس عام 2009 تحت عنوان: الإسهام العربي المعاصر في الثقافة العالمية: حوار عربي – غربي. ومع ذلك كله ترحب دار نشر "علماء جامعة كمبردج" Cambridge Scholars Publishing بنشر أعمال هذا اللقاء البحثي على الرغم من أنه يحيد هيمنة المعايير الغربية على عالم اليوم من خلال نموذج الإنتاج البحثي في عالمنا العربي المعاصر.

فنحن إذن أمام "غربيات" متعددة، وليس غربا واحدا. فهنالك غرب يحرص على تكريس مصالحه المهيمنة، كـ "إدارة الغذاء والدواء" الأميركية، وكالخارجية الفرنسية التي تمضي على "هدى" ما سبق أن قررته الجمعية التشريعية الفرنسية من "فضل الحضارة الفرنسية على مستعمراتها". فأن يأتى ما يقوض هذا الزعم، خاصة وأن دعوتي كمنظم للمؤتمر كانت الوحيدة الموجهة باللغة الفرنسية للأستاذ الدكتور رؤوف حامد من بين سائر الدعوات للمشاركين في هذا اللقاء، فماذا ننتظر أن تكون الاستجابة؟ ويذكر أن الدكتور رؤوف منح تأشيرات لزيارة فرنسا قبل وبعد هذا اللقاء بلا أية موانع!

وليت المشكلة الحقة قاصرة على الإجراءات الغربية "الحمائية" بإزاء مصالحه المهيمنة وما يترتب عليها من امتيازات مادية ومعنوية بإزاء سائر شعوب هذا العالم. لكن، ويا للأسف، فقد صار لدينا نحن هنا فريق ليس بالهين يدافع عن الهيمنة الغربية وضرورة الانصياع لها باسم العلم والحداثة، ويرفض بإصرار كل ما يهز من شأن هذه الهيمنة. وليس لدى هؤلاء سوى قولهم "الأثير": وماذا لديك أنت حتى "تعدل" على تقدم الغرب المعاصر؟

وإلى هؤلاء نقول: نحن لا ننكر أبدا تقدم الغرب في مختلف المجالات، ولكننا أيضا مختلفون عنه في العديد من الخصوصيات الاجتماعية الثقافية، ومن خلال الوقوف على هذه الخصوصيات أولا يمكننا أن نضيف لما يفد علينا من حلوله بما يحقق إشباعا أشمل وأفضل لنا، وبما يضيف إليه بالمثل ما لم يقف هو عليه.

وهو ما قدمه في هذا اللقاء البحثي العربي الغربي الأستاذ الدكتور حامد الموصلي، أستاذ هندسة الإنتاج بجامعة عين شمس، في بحث متميز عنوانه: "الموارد المادية المتجددة أساسا للتنمية الذاتية المستدامة في المجتمعات المحلية"، حيث استهل ورقته بالكلمات التالية:

"تتوافر الموارد المادية المتجددة بتكلفة زهيدة في المناطق الريفية من بلدان العالم الثالث. وفي سياق الاقتصاد المعيشي، ترتبط هذه الموارد المادية المتجددة - وعلى وجه الخصوص البواقي الزراعية - بإشباع الحاجات الأساسية لقاطني هذه المناطق الريفية.

ويعكس الموروث الثقافي والتقني لهذه المجتمعات الريفية قدرة خلاقة على إبداع طرق جديدة لتوظيف واستخدام هذه الموارد المتجددة على النطاق المحلي. لقد أدى الاعتماد المتزايد على طرق الحياة الغربية بما يواكبها من أنماط إنتاجية واستهلاكية يتعذر إستدامتها، إلى إهمال متعمد للموارد المادية المتجددة المتاحة محلياً وما يرتبط بها من موروث تقني وابداعات ثقافية محلية. وهكذا تراجعت هذه الموارد المادية من مكانتها المتجددة ثقافياً وإنتاجياً لتصبح مصدراً للتلوث البيئي وعبئاً اقتصادياً على مجتمعاتها المحلية".

ثم يثني صاحب هذا البحث على ذلك قائلا:

"هناك حاجة ماسة لتمكين المجتمعات المحلية بحيث تصبح قادرة على إعادة اكتشاف مواردها المادية المتجددة كقاعدة مادية لإبداع وتشكيل أنماطها الإنتاجية والاستهلاكية المستدامة. فالمواد المتجددة تمثل فرصة للعديد من بلدان 'العالم الثالث' لاختيار الطريق المناسبة لها للتحديث والمشاركة في صياغة مستقبل البشرية".

وبالفعل فقد أثبت الدكتور حامد الموصلي في ورقته ما وعد به من خلال أبحاثه وعمله الميداني المتواصل في مجتمعات الريف والبدو بخاصة، حيث قدم العديد من نماذج استخدام العلم والتكنولوجيا من أجل توظيف تلك الموارد المادية المتجددة، كجريد النخيل مثلا، في إشباع الحاجات الأساسية لغالبية سكان الريف فضلا عن نشر نماذج لصناعات صغيرة معتمدة على الموارد المتجددة والمتناغمة ثقافيا وتكنولوجيا مع السياقات الريفية المحلية.

وقد عقب عليه في المؤتمر الدكتور هانس فان فينن (بوضع ثلاث نقاط على الفاء)، أستاذ هندسة الإنتاج بجامعة أمستردام، بورقة من ثلاث عشرة صفحة، واثنتين وسبعين صورة ضوئية موثقة لها، ليؤكد على أهمية إسهام الدكتور الموصلي ليس فقط في حل مشكلات البقايا الزراعية في الريف المصري، وإنما بالمثل في تقديم نموذج ليته يحتذى على مستوى العالم، لا سيما عند الغربيين للحفاظ على التوازن الإيكولوجي، ومن ثم تصحيح وتجاوز نمط الاستهلاك السائد عندهم وما يترتب عليه من إنتاج للنفايات وبالتالي طرح مشكلة التخلص منها وما يمثله ذلك من عبء وتكلفة عالية يتحملها كافة أعضاء المجتمع بشكل عام.

ولنترك الآن محور العلوم الطبيعية لنتطرق إلى المحور الثاني: العلوم الاجتماعية والإسهام العربي فيها. كان البحث الأساسى في هذا المحور للأستاذ الدكتور محمد حامد دويدار، أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة الاسكندرية، وموضوعه: "الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية: هل هي أزمة مالية؟".

وقد ذهب الدكتور محمد دويدار في محاضرته الشيقة التي ألقاها باللغة الانجليزية، ليتحدث بها إلى أغلبية جمهور المحاضرة، مع أنه كان قد دونها من قبل بالفرنسية، إلى أن الأزمة هنا هيكلية وليست 'مالية'، بمعنى أن الاقتصاد الغربي في مرحلته الحالية صار يعتمد بصورة متنامية على النشاط الاقتصادي الافتراضي أكثر من الانتاجي، وهو ما ترتب عليه هذا السقوط المدوي والمتلاحق، والذي قد يستدعي بعض 'الحلول' الوقتية كلجوء بعض الدول لطبع أوراق نقدية لا يقابلها إنتاج فعلي مما يعمق من الأزمة بدلا من أن يخففها.

والمخرج من هذه الأزمة يتمثل في رأي الدكتور دويدار في اللجوء للمشاريع العامة التي توظف فيها كل طاقات المجتمع بدلا من المشاريع الخاصة التي تستهدف تعظيم الأرباح بالنسبة لعدد من الناس يتزايد ضآلة على حساب عامة الشعب الذي يعم تدهوره الاقتصادي والحياتى.

وقد علق على محاضرته مؤكدا أهميتها في الكشف عن تلك الآلية الخطيرة الأستاذ الدكتور 'كريستيان زيجرست'، أستاذ علم الاجتماع بجامعة مونستر بألمانيا. وكان قد شارك في المؤتمر بناء على دعوتي المتأخرة له كي يقوم مقام الراحل "جورج لابيكا"، أستاذ فلسفة التاريخ بجامعة باريس، والذي كان قد عبر لي عن شديد حماسته لمناقشة الدكتور دويدار في بحثه هذا، لكن المنية وافته قبل انعقاد المؤتمر بأسابيع قلائل مما حرمنا من مساهمته القيمة لاسيما وأنه كان من كبار الغربيين المعجبين بإضافات الدكتور محمد دويدار ومنهجيته البحثية المتقدمة والمثرية للنقاش.

د. مجدى يوسف ـ رئيس الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضارى (جامعة بريمن)

 

الكويت تتوسط لاحتواء ورطة قطر

طيران الجيش الليبي يشارك مصر بضرب المتشددين في درنة

اشتباكات عنيفة تقطع هدوء طرابلس قبل يوم من رمضان

مقتل قادة في الدولة الإسلامية و100 من أسر الجهاديين

تعديلات محتملة على اتفاق خفض إنتاج النفط

هل يقع الجنوب العصي عن الخضوع في شراك الجيش الليبي

رد عسكري مصري سريع على مجزرة الأقباط بالمنيا

سلاح أميركي للبنان لمواجهة تموضع حزب الله على الحدود السورية

اعتراف أميركي بأسوأ خطأ أودى بحياة عشرات المدنيين بالموصل

تحري هلال رمضان يمتد على يوم ثان في سابقة خليجية

إعلان الرياض يربك حزب الله المتوجس من عزل إيران


 
>>